د. محمود الضبع يكتُب .. أفراح القبة بين النص الروائى وفنون العرض       بدأت السينما فى رحاب الفن الروائى، واستقت منه أعمالها الكبرى، واستلهمت منه كثيرا من أعمالها

afrah22-6-2016

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2015-11-02 15:06:01Z |  |

د. محمود الضبع يكتُب ..

أفراح القبة

بين النص الروائى وفنون العرض

 

 

 

بدأت السينما فى رحاب الفن الروائى، واستقت منه أعمالها الكبرى، واستلهمت منه كثيرا من أعمالها الأخرى، وحظيت أعمال نجيب محفوظ بنصيب وافر من فنون العرض المصرية، مما أفاده هو ذاته فى تطوير تقنيات الكتابة السردية فى أعماله التالية، وهو ما يمكن التدليل عليه بتحليل وتطور تقيناته السردية فى أعماله التى رآها بنفسه متجسدة أمامه عبر شاشات العرض السينمائى، قياسا إلى الأعمال التى سبقت ذلك.

وفى هذا السياق يمكن ملاحظة تطابق بعض الأعمال السينمائية مع نصوص محفوظ السردية إلى حد كبير مثل الثلاثية والطريق، كما تبتعد بعض الأعمال التى رصدت للحكاية دون إمكانية الإمساك بروح النص، خاصة أن محفوظ كان فيلسوفا يسجل تأملاته الفلسفية فى الرواية، فلم يستطع مثلا فيلم «ثرثرة فوق النيل» الإمساك بروح النص، وأسقط تيارا كاملا كان يمرره نجيب محفوظ عبر النص الروائى وهو تيار حضور التاريخ مصورا إلى خيال «أنيس زكي»، ذلك الحدث الذى كان يتكرر عبر مشاهد الرواية فى العوامة ومع أنفاس الحشيش.

وهناك أعمال لنجيب محفوظ تم اقتباسها فى أعمال درامية عن قصص قصيرة، منها مثلا مسلسل الرجل الآخر من بطولة نور الشريف وميرفت أمين، والمأخوذ عن قصة «أهل الهوى» من مجموعة «رأيت فيما يرى النائم» دون أن يأتى ذكر نجيب محفوظ من قريب أو بعيد، على الرغم من اعتماد المسلسل كلية على القصة، وبذات الأسماء والأحداث التى رسمها محفوظ مع عدم قدرة المسلسل على الإمساك بالروح الفلسفى للنص، وهو ما أشارت إليه دراسة تحليلية ليحيى الرخاوى حول المجموعة القصصية وهذه القصة على وجه الخصوص.

على أية حال حظيت أعمال نجيب محفوظ بالنصيب الأوفر من التمثيل وفنون العرض، إذ بلغت أعماله التى تم تمثيلها ستا وعشرين فيلما بخلاف السهرات التليفزيونية والمسلسلات الدرامية المأخوذة عن أعماله، وذلك من إجمالى ٣٥ رواية، و١٣ مجموعة قصصية، إضافة إلى مصر القديمة لجيمس بيكى، ووطنى مصر الذى يمثل حوارات محمد سلماوى معه.

ويأتى مسلسل أفراح القبة ليمثل مرحلة تالية فى حضور ومنجز نجيب محفوظ، بما يتيحه النص الروائى من إمكانات توسيع الرقعة والإضافة وإعادة الخلق والإنتاج، وغيرها من الإمكانات التى سمح بها النص لانفتاحه على أفق أوسع من عوالم السرد، وعلى تقنيات تقتضى منا الوقوف أمام طرق تشكيلها، كما حدث فى النص.

يتكون النص الروائى من أربعة فصول:

– الأول بعنوان «طارق رمضان» الممثل، الذى يعترض على المسرحية المطروحة لتمثيلها على خشبة المسرح، والذى قام بتأليفها أحد الشباب «عباس يونس» الذين نشئوا وكبروا فى كواليس المسرح بحكم عمل أبويه فيه، ويرى طارق رمضان أنها اعتراف أكثر من كونها مسرحية، لكنه فى النهاية على غضبه يرضخ لرأى سرحان الهلالى مدير الفرقة وصاحب المسرح.

– والثانى بعنوان «كرم يونس» والد عباس، المأزوم فى كل شيء، والمحبط من كل شيء، يطارده ماضى أمه وسيرتها السيئة، ويواصل هو ليصنع تاريخا أسوأ ينتهى به للسجن لتحويل بيته إلى ماخور، ويطارده حلمه المجهض فى كتابة النصوص المسرحية، وينتهى حلمه للعمل ملقنا للفرقة.

– والثالث بعنوان «حليمة الكبش» الملاك الذى تجبره ظروف الحياة والفقر على مسارات لا ترضاها ولكنها تتعايش معها مغصوبة على أمرها، وعندما ترزق بولدها عباس يزيد من لوعتها ومرارتها فى الحياة إضافة لتعرضها للسجن بعد إجبار كرم يونس لها على تقديم الخدمة للزبائن فى ماخوره المنزلى، فتبدو حليمة طوال الوقت وهى شبه محطمة تماما.

– والرابع بعنوان «عباس كرم يونس» الذى يعيش المثالية ثم عندما يطبقها يجد أنها الجحيم ذاته، فهو كتب المسرحية بصدق مدفوعا بالرغبة فى الطهر وهكذا عاش حياته، لكنه اكتشف فى النهاية أن الحقائق أمر من أن تذكر.

ويحكى كل فصل من الفصول الأربعة سيرة الزمان والمكان باعتماد محور حركة الشخص صاحب الفعل أو المشهد الروائى، وقد تلتقى الشخصيات الثلاث فى ذات الأماكن، وتعيش ذات الأحداث زمانيا، لكنها يحتكم كل منها إلى فلسفة وجوده، ورؤيته للكون من حوله، وبالتالى لمفردات هذا الكون الروحية والمادية، وعبر هذه الشخصيات الثلاثة بتحركاتها وما ينتج عنه من تأثير لوجودها فى الحياة، عبر ذلك كله تتقاطع شخصيات أخرى عديدة، بعضها يحضر جسدا وروحا، وبعضها يحضر روحا دون الجسد.

إلا أن جميعهم يؤكد نظرية «جناح الفراشة»، التى ترى أن أى حركة فى الجانب الأيمن من الكون تؤثر على الجانب الأيسر بفعل الموجات التى تحدثها الحركة وانتقالها عبر موجات الكون الأكبر، حتى ولو كانت هذه الحركات جناح فراشة.

هنا يستطيع كل منا أن يرى نفسه وأن يراقب وجوده، وأفعاله، وحركته المستمرة فى الكون.. فكيف سيكون تأثيرنا على العالم؟ وماذا نفعل من أجل هذه الحياة التى نعيشها؟

هكذا ينفتح النص الروائى فى أفراح القبة ليحيل إلى الإنسان وفلسفة وجوده، والطبيعة وقوانين الحركة فيها.

من هنا سمح النص الروائى لمبدع/ مبدعى السيناريو أن يتم اعتماد ما يمكن تسميته استراتيجية التشبيك، وهى طريقة لم نعهدها منذ «ألف ليلة وليلة» التى كانت تعتمد التشبيك فى ربط حكايات على مر التاريخ، كما حدث مع كل الشعوب القادرة على الإضافة، ومنها الحضور الفرعونى، والحضور الأوروبى، فى القصص التى تمت إضافتها بعد قرون من ظهور ألف ليلة وليلة الأصلية.

استطاع مؤلفو السيناريو فى مسلسل «أفراح القبة» أن يربطوا حكايات لا وجود لها فى النص الأصلى، مثل حكاية «فتنة»، وحكاية «أبو تحية»، وحكاية الميكانيكى الذى تحول إلى عازف أوكورديون لزوجته فى النوادى الليلية، وغيرها من الحكايات الفرعية.

علما بأن السيناريو كان يكتب على طريقة ورش العمل، وليس عبر سيناريست واحد ووجهة نظر واحدة، وهى طريقة معاصرة تثبت نجاحها وفاعليتها يوما بعد يوم «وتشير كثير من الكتابات إلى أن الكاتب محمد أمين راضى كتب ما يقرب من نصف سيناريو المسلسل، ثم اعتذر فأكملت نشوى زايد مع ورشة العمل».

وتأتى تقنية خشبة المسرح لتضيف إلى العمل الفنى «المسلسل التليفزيوني» مساحة من الحرية والحركة بما يعد توظيفا جديدا للمسرح والمزج بينه وبين الحياة خارج المسرح، فاختلط التمثيلى بالواقعى، إذ لم تعد المساحة المكانية لخشبة المسرح هى الحدود التى يتم التحرك فيها، فقد يبدأ المشهد على خشبة المسرح لينتقل إلى الشارع، والعكس، وبالتالى تتماهى الحدود الزمانية والمكانية وتتداخل الخطوط والحركات والمصائر، والحكاية نفسها «الخط العام فى الرواية» تؤكد ذلك وتساعد عليه، فالممثلون سيؤدون مسرحية يكتشفون منذ بدايتها أنهم أبطالها، وأنها تحكى عنهم هم أنفسهم من سيمثلونها، وكلهم سيمثل دوره الذى عاشه فى الحياة، وسيمتلك الفرصة لرؤية نفسه تؤدى أفعالها التى فعلتها بالفعل من قبل، وهنا تنفجر مرة أخرى الأسئلة الفلسفية، فيقف كل منا أمام ذاته ليسألها:

هل أنا أحيا فى عرض تمثيلى؟ أم أننى فى الحقيقة؟ وهل هناك فى الأساس فارق يذكر بين التمثيل والحقيقة؟

هل جميعنا نحن البشر ـ يمثل؟ هل نقف جميعا على خشبة مسرح مهما تصورنا أننا نبتعد أو نغادر؟

هل ما يراه الناس عنا، وفينا، هو ما نراه نحن ونتصوره عن أنفسنا؟ وهل ما نراه فى الآخرين هو فعلا ما نفهمه ونعيه؟

وهكذا ينفتح باب السؤال، كل حسب مستوى وعيه وإدراكه وثقافته.

فى العرض التمثيلى يبدو الزمن متداخلا، إذ يختلط بين الحاضر والماضى، وبين الواقعى والمتخيل، وبين الإدراك والجهل، وبين المسرح بخشبته المحدودة والحياة بخشبتها الأكثر اتساعا.

نجح العرض التمثيلى إذا فى أن يعيد صياغة حكايات محفوظ عن شخصياته الأربع، ليستنبت منها حكايات شخصيات أخرى بعضهم مر ذكره عرضا فى نص محفوظ «مثل حكاية أبو تحية، وأختيها»، وبعضهم لم تكن حكايته قد استكملت «مثل حكاية أم تحية»، وبعضهم لم يكن له وجود فى النص المحفوظى «مثل حكاية فتنة أخت درية»، غير أن سياق النص الروائى كان يحتمل كل هذه الإضافات ويستطيع استيعابها، خاصة لمن استطاع الوقوف على روح النص واستبطان أبعاده الفلسفية، وقدرته على تصوير حالة الروح الكامنة وراء كل الشخصيات، وهو ما استطاعه فريق العمل كله، بدءا من السيناريو والتصوير والتمثيل والإضاءة والديكور والملابس والإخراج والمونتاج مرورا بالإعداد والموسيقى التصويرية، حيث يستطيع المشاهد المتأمل أن يشهد ويتلمس روح النص، وكأن فريق العمل جميعه قد قرأ رواية نجيب محفوظ الأصلية ووقف على مضامينها وأبعادها الفلسفية.

لقد استطاع المسلسل أن يصل إلى العالمية فى قدرته على رسم سيناريو أضاف للعمل الروائى الأصلى، دون أن يقلل من قيمته، وإنما ليفتح من آفاقه، ويعمل على إثرائه، مستفيدا فى ذلك كله من تقنيات حركة كاميرا، وتكنيكات إضاءة، وقدرة ممثلين، وإتقان ديكور مقنع تماما بالعودة إلى الزمن الماضى فى الستينات من القرن الماضى، وتحديدا عقب هزيمة يونيو ١٩٦٧م، والحالة العامة التى كان يعيشها المجتمع المصرى والعربى من مشاعر مأزومة وحالة ثقافية أكثر تأزما.

فهل نستطيع استيعاب التجربة، وننتبه لأعمال كتابنا الكبار لإنتاجها عبر فنون العرض المختلفة، لكى نتمكن مرة أخرى من استثمار طاقاتنا الفنية ونعود بها لمكانتنا عالميا، ولأعمال كتابنا المعاصرين، التى يجود بعضها فعلا بقيمة فنية وكتابة متميزة.

الأدب والفن مفتاح للوعى وطريق للتقدم، والدلائل على ذلك كثير بين الدول التى أدركت ذلك، ومنها فرنسا، واليونان سابقا، والصين وكوريا وكوستاريكا الآن.