صبار الأمنيات قصة: فاتن شوقى على   (1) بثيابٍ رثة ووجهٍ متسخٍ جدا ولحيةٍ طويلةٍ وشعرٍ أشعث، أخرجُ كل صباحٍ قاصدا سوق قريتنا، أفترشُ الأرض مقرفصا متكوما بجانب القمامة، يحاصرني

%d8%a7%d9%85-%d8%b4%d8%a7%d8%b1%d8%af%d8%a9

صبار الأمنيات

قصة: فاتن شوقى على

 

(1)

بثيابٍ رثة ووجهٍ متسخٍ جدا ولحيةٍ طويلةٍ وشعرٍ أشعث، أخرجُ كل صباحٍ قاصدا سوق قريتنا، أفترشُ الأرض مقرفصا متكوما بجانب القمامة، يحاصرني الذباب من كل فجٍ طمعا في صيد ثمين، أصرخ بصوتٍ أجش وضعفٍ مجروح: «أعطوني مما أعطاكم الله، حسنة قليلة تمنع بلاوي كثيرة».

تهب عليّ رياح التفكير فجأةً، فيتجسد أمامي أبي السيد «محمد عبد القادر» حاملا حزام بنطاله، ويهرع إليّ ليمارس جَلْدي وتأديبي عقابا على أمنيةٍ لطالما تمنيتها، وصرّحت بها أمام المنزل كله، «أتمنى أن أصبح ممثلا مثل «عادل إمام» يا أبي فهوايتي هي الفن» فيرد:

– أنت لا تصلح حتى لأن تكون خادما، فكيف ستصبح فنانا يصدقه الناس؟! أبشر: أنا أول من لا يؤمن بك وبموهبتك، فكيف أصدقك إن لم يصدقك الناس؟! ثم كيف وأنت ابن الحاج «محمد عبد القادر» خطيب الجامع ورجل الأزهر، كيف تتمنى أن تصبح «مشخصاتي»، انس هذا الموضوع تماما، ثم يكمل حديثه بالحزام على جسدي كله.

– «عاجز يا ناس، عاجز يا خلق، ضعيف البصر، أعينوني أعانكم الله»، السوق مزدحمة بالمارة وبأبواق البائعين وعربات الخُضار.

– رجل يقبل بشدة عليّ، يمد يديه بحنانٍ غريبٍ والدموع تملأ عينيه.

– خذ هذه النقود يا شيخ، يشتري لي طعاما ويضعه بنفسه بجواري قائلا: هل هذا الطعام يكفيك آه يا شيخنا؟هل أشتري لك أي شيء تريده؟ اطلب، تمنَّ.. كله من عند الله يا شيخ، «على العموم» إذا احتجت شيئا، أي شيء على الفور اقصد بيتي، قل فقط أريد بيت الحاج « محمد عبد القادر» وسيوصلك إليه أي شخص وسيرافقك ابني بعدها إلى حيث تريد، وتركني وذهب، ضحكتُ، ضحكتُ كثيرا، وفرحتُ أكثر بداخلي، الحمد لله فلقد نجحتُ، نعم نجحتُ في الامتحان، وأقنعتُ أبي الحاج «محمد عبد القادر» بأنني أصلح أن أكون فنانا، أو «مشخصاتي» كما يقول!!!!!

*****

(2)

في معسكرنا، أقصد بيتنا، يعلو صوت الذكر، رجلا كان أم صبيا، والمذهل حتى لو كان رضيعا، ساعتها سيعلو صوته أيضا بالصراخ!!! فالبنات والنساء جميعهن يتأهبن لخدمته، فكلمته مسموعة ورأيه نافذ، وأوامره أوامر قائد عسكري، تأمرني أمي كل يومٍ بإعداد طعامٍ مخصصٍ لأخي «يوسف» الذي يكبرني بدقيقة، فهو توأمي تأمرني بأن أقدمه له وهو في سريره، حتى لا يصاب بالبرد، وتطلب منى أن أُحضّر له الحمّام، وأظل واقفة في الخارج أنتظره، قد يطلب شيئا، أي شيء، أفعلُ هذا يوميا لأخي «يوسف» منذ طفولتي، «فيوسف» الذي يكبرني بدقيقة واحدة فقط، له الحق باستدعائي في أي وقت، فأنا رهن إشارته، آكل بعد أن يتناول طعامه، وأرتّب له سريره وأنظّف له حذاءه، وأعدّ له شايا ولو فجرا، فأمي تقول لي دائما «الرجالُ قوامون على النساء»، وعندما أناقشها في جلال المقصد من هذا، تقول:اصمتي «تربينا، فوجدنا البنت مخلوقة من ضلع الرجل فهي خادمته، ولطالما رددتْ لي هذا القول، حتى ضج السمع» أخوكِ رجل البيت وأنتِ طوع أمره، لا تخرجي إلا بإذنه، ولا تعصيّ له أمرا أبدا» فأبوكِ وأخوكِ جذعان لشجرة البيت، وأنتِ وريقة ضعيفة دونهما… صباحُ اليوم، علت زغاريد جارتنا «أم سعاد» فقد نجحتْ ابنتها «سعاد» في الثانوية العامة بمجموع معقول، وانطلق فرحها يشق سماء البيوت، ويخترق صمتَ من يعيشون فيها، ويحرك راكدهم، وأقامت عائلة «خالتي أم سعاد» حفلة كبيرة دعت إليها جميع الجيران، ووزعت الكاكولا والحلويات، ولم تنس الذين لم يحضروا، فقد أرسلتْ إلى بيوتهم علبا من الحلوى وزجاجاتٍ من العصائر المختلفة، ووعدتْ بنذرٍ كبير أمام الجميع، (الجميع ) في بيتنا حزين، فقد تحول البيت لسرداق عزاءٍ مهول، حزنا على رسوب أخي «يوسف»، فأغلقت أمي جميع الشبابيك، وأقسمت ألا يدخل الزاد معدتها لثلاث ليال حزنا على كارثة رسوب أخي، وأصّرت على أن تلبس ثيابا سوداء حدادا على يوسف، وأغلقت التلفاز لأجل ٍغير معلومٍ، وقررت أن تسد بابها عليها منعا للشماتة، وحفاظا على نفسية أخي «يوسف» من الحاقدين، وطلبت منه أن يسافر بعيدا ليمرح ويفرح وينسى الموضوع تماما، كانت قدماي وقتها تطيران، عندما تركتني أمي هي وأخي «يوسف» صباح نفس اليوم فقد ذهبا معا بسرعةِ جنونيةٍ إلى البيت، وبقيتُ وحدي في المدرسة، فهرعتُ لبيتنا كعصفورةٍ تحملُ فرحا لا تقدّر على حمله:

– أمي، أبي، أخي. أنا الأولى على المدرسة يا ماما، كلية الطب إن شاء الله يا بابا. سحبتني أمي من يدي بقوةٍ أدمت معصمي، ورمت بي داخل غرفتي، فاصطدم رأسي بحافة السرير، وأغلقت عليّ باب الغرفة بالمفتاح، وتركتني وحدي، وقالت بصراخ وعصبية:

– اسكتي أنتِ عاوزة تفضحينا، حد يسمع خبر نجاحك يشمت في أخيك «يوسف»، ادخلي ونامي، ولا تردي على أحد. صافحتْ دموعي زغرودة انطلقت من بيت «أم سعاد» عبر شرفة الغرفة، يا إلهي! ما زالت الزغاريد تنطلق من بيت جارتنا « خالتي أم سعاد» شق نور فرحهم ظلام شرفة غرفتي، فناجيته بلهف ظمئ، فانطلقتُ عبر سور شرفتي، وتسلقتُ الفتحات المؤدية لشرفة الشقة التي تلينا شقة جيراننا، ففتحوا لي الباب باستغراب وذهول، فعبرتُ وعدوتُ إلى باب شقتهم وفتحته، وذهبت كريح أمشير التي سكن هبوبها في بيت جارتنا «أم سعاد» جئت أرتمي في حضن فرحتها وأبحثُ في بيتها عن فرحٍ يحتويني.

*****

(3)

تدور البنت ذات السنوات السبع في المنزل كالساقية، تستقبل صرخاتهم وأوامرهم بجسدها النحيل، وقدرتها الضعيفة، فتتوزع بين أركان المطبخ، وبين وجع تنظيف المنزل الكبير ومتاهات الباعة عند شراء الخضراوات، تنطلق الصرخات المعتادة

– يا هدى: أعدي لي الفطور، أريد شايا؟، هل نظّفتِ غرفتي اليوم؟- هيا يا هدى فلديكِ الكثير من الأعمال ولا وقت لدينا….

آه نسيتُ: غدا ستستيقظين مبكرا، مبكرا جدا، فسيدكُ سيصل غدا من السفر وعليكِ أعباء كثيرة. هل تفهمين؟

تصحو «هدى» وتستقبل يومها حاملة هموم العالم على ظهرها، وها قد وصل رب الأسرة، وعليها تحمل عبء فردٍ جديدٍ، ها.. يا هدى هيا أدخلي الحقائب كلها، التف الجميع حوله يقبلونه ويروون شوق السنين، بينما تولت «هدى» أمر الحقائب اللعينة.

– يا هدى… احملي هذا الكيس الكبير من سيدك، يبدو أنه متعب.. هيا.

التفتت «هدى» فأطلتْ عليها من داخل الكيس دمية كبيرة «عروسة» ذات شعر ذهبي وعينين زرقاوين، تلبس فستانا بلون السماء وتحمل في يدها حقيبة وردية ويزين قدمها حذاء أحمر جميل، الدمية تنظر إلى «هدى» وتناديها كي تخرجها من حبستها من داخل العلبة الكبيرة المزركشة، لم تتفاجأ «هدى» بالعروسة وكأنها كانت على موعدٍ معها، نعم كانت تنتظرها، رأتها كثيرا في أحلامها، وداعبتها ولعبت معها وأطعمتها بيدها، سحبتها «هدى برفق» من داخل العلبة، وأخذتها ومشطت شعرها، ووضعتها في بطانية صغيرة صنعتها من قماش المطبخ، وأخذتها معها إلى سريرها المفروش على الأرض، وظلت تتأمل ملامحها كثيرا وتحادثها وتتلمسها، واستمرت «هدى» تقص عليها حكايات ما قبل النوم حتى نامت، وركبا معا قطار النوم في رحلةٍ إلى القمر حيث الفضاء الساحر، نامت «هدى» نوما عميقا، بينما استمر صراخ من في المنزل:

– يا «هدى أنتِ يا بنت»، أين أنتِ، لماذا تركت الحقائب هكذا؟! هيا لتعدي الطعام والحمّام لبابا، بينما انطلق «شخير هدى» وهي تحتضن «دميتها الجميلة» يواجه قذائف صرخاتهم التي لا تزال مدّوية!