فصل من رواية عمار على حسن «بيت السنارى» الفائزة بجائزة «الطيب صالح» تصدر عن «الدار المصرية اللبنانية» خلال أيام (1) رمى بصره، ومد سمعه، نحو شارع «طولون» ليلتقط ما يصرخ

%d8%a8%d9%8a%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a7%d8%b1%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ab%d8%b1%d9%8a

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%b9%d9%85%d8%a7%d8%b1-%d8%b9%d9%84%d9%8a-%d8%ad%d8%b3%d9%86

فصل من رواية عمار على حسن

«بيت السنارى»

الفائزة بجائزة «الطيب صالح»

تصدر عن «الدار المصرية اللبنانية» خلال أيام

%d8%ba%d9%84%d8%a7%d9%81-%d8%a8%d9%8a%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a7%d8%b1%d9%8a

(1)

رمى بصره، ومد سمعه، نحو شارع «طولون» ليلتقط ما يصرخ به مناد يمتطى حمارًا أبيض، يسير فى صهد الظهيرة، والناس يتطلعون إليه مرجفين، ثم يهرولون نحو الشمال، مثيرين غبارًا يصعد إلى النوافذ التى امتلأت بأعناق نسوة متشحات بالسواد، يمددن أعناقهن من خلف المشربيات فى حيرة.

انطلقت خيول نحو «قلعة الجبل» عليها فرسان مدججون بسيوف لامعة، ونقرات أقدامها المطوقة بالحديد ترن فى الآذان، مختلطة بحمحمات راكبيها، الذين راحوا يصغرون كلما تقدموا نحو الأسوار العالية، إلى أن اختفى الركب فى أحد المنعرجات التى تنتهى عند «باب الجبل»، ولم يبق منه سوى غلالة من غبار تدل على هول ما يجري.

سأل أحد خدمه بفم مملوء بدخان النارجيلة:

ـ ما الذى يجرى؟

هز رأسه:

ـ لا أعلم يا سيدي.

وقفت أصغر الجاريات وأحلاهن بعد أن أمسكت الماشة ووضعت جمرتين فوق المعسل، وأرسلت عينيها إلى عمق الشارع الذى يغص بالهاربين، وقالت:

ـ يا ليت ما فى بالى يكون صحيحًا.

قهقه فبانت أسنانه البيضاء فى صفحة وجهه شديد السمار وسألها:

ـ ما الذى فى بالك يا حلوتي؟

جلست ومدت يدها إلى ركبته اليسرى وراحت تدلكها على مهل وهى تنظر فى عينيه الغارقتين بالظلال، وأجابت:

ـ يكون ربنا خلصنا من شر المماليك على يد الفرنسيس.

سحب نفسًا طويلًا، ثم نفخه فى وجهها، وقال لها:

ـ أنسيت أن «مراد بك» له عليَّ أفضال جمة؟

طوحت يدها فجرحت الهواء بأصابعها الخمس، وردت فى غيظ:

ـ أنسيت أنت أنه كان يريد قتلك؟

ـ بلى، لكننى الآن نائبه، والأقرب إليه، وبجواره صرت من أعظم الأعيان فى هذا البلد، أمتلك التزامًا وإيرادًا ومماليك وسرارى وحبوشًا وخشداشية وحاشية وخدمًا، ومما جاد به على بنيت هذا البيت الذى يأوينا.

ضحكت، وداست على ركبته، وقالت:

ـ وهذا ما يخيفني، ما قرَّب منه أحدًا ورفعه إلا وقتله.

تغضن وجهه بمسحة حزن طارئة، وسألها وهو ينظر مليَّا فى عينيها الواسعتين:

ـ كيف يجتمع الحسن والشر معًا فيك يا «زينة»؟

رمت رأسها على فخذه فانداح شعرها الذهبى على ثوبه الأبيض، وقالت:

ـ أنا على درب سيدى «إبراهيم كتخدا السناري».

قرصها فى خدها بلطف، وقال:

ـ أى حسن فى هذا الوجه الأسود؟

رفعت رأسها إلى عينيه من جديد وقالت:

ـ بيضاء مثلى لا يعجبها إلا مثلك، وأراك أجمل من فى الدنيا.

وضع راحته تحت ذقنها وجعل عينيها فى عينيه وسألها:

ـ أتحبيننى أنا حقًا أم تحبين مالي؟

لم تسحب عينيها وقالت فى ثقة متناهية:

ـ هناك فى المحروسة من لديه مال أكثر منك وجرى ورائى حتى انقطعت أنفاسه، وأبعدته عنى كأنه كلب أجرب… كل هذا من أجلك، وأنت تعلم.

لم تكن تكذب عليه، فهى كلما اختلت إلى نفسها قالت فى سرها: «أنا أعشق هذا الرجل»، وتكرر قولها وهى تغتسل بعد المضاجعة التى يتحول فيها إلى شخص غريب تتمزج فيه الرجولة الطاغية بطفولة غضة، ويلهو معها كطفل قد شغف بلعبة لا يريد أن يبرحها. يقلبها ويقبلها فى كل جزء من جسدها، ويمرغ أنفه العريض بين كل حناياه، ويغسله بلسانه الطويل العريض الذى لم تر مثله عند أحد من قبل، ثم يدك حصونها زمنًا يطول، تنسى فيه كل شيء. وحين ينتهى تعرق هى وتبتل كل خلاياها، أما هو فيبقى جسده جافًا ويابسًا كبوصة، لكن تعرق عيناه بدموع غزيرة ساخنة.

تنتابها حيرة شديدة من هذا الرجل الذى يشبعها، ويجعلها تطير كفراشة فى ربيع ندي، ثم يجهش بالبكاء، وكأنه عجز عن إيلاجها. فى هذه اللحظة تبيض عروقه الزرقاء، وتصفو ملامحه، ويتحول شيطان السحر الذى يسكنه إلى ملاك، ويبدو رغم ذكائه الحاد وكثرة الحيلة التى يملكها، غارقًا فى الحيرة والعجز والسذاجة.

هكذا بدا أمامها فى هذه الساعة، رغم أنهما يجلسان سويًا على سطح البيت، وليس فى السرير. فتح عينيه واسعًا، ودلدل لسانه، ونحى قصبة النارجيلة جانبًا، وراح يتابع المنادى الذى كان قد اقترب، لكن صوته ضاع فى زحام الناس عند «بركة الفيل». بدا أنهم يتحاورون، ويرفع بعضهم أكفه إلى السماء، ثم يهرولون صوب الجامع الأزهر.

سحب نفسًا طويلًا من النارجيلة، وغطى وجهها بالدخان، وقال لها:

ـ تظلمين «مراد بك» حين تحملينه مسئولية قتل أبيك.

طوحت يدها فى الهواء باستهانة، وقالت:

ـ ليس هذا فقط: ما يغيظنى منه أنه….

وصمتت، وتاهت فى نفسها طويلًا. نغزها فى خدها الأسيل، وأعادها إليه، وسألها:

ـ أنه ماذا؟

تنهدت ونظرت إلى صفحة وجهه المثلثي، وقالت:

ـ لا يمنع جلوسك على رأس مصر سوى هذا الخائر الجبان المتهور الطائش، الذى هو أعظم الأسباب للخراب الذى حل بالأقاليم المصرية.

قهقه، وهز رأسه، ولمس بيده بشرته السوداء، وسألها:

ـ أنا؟

ابتسمت فى عذوبة وأجابت:

ـ عندك الحكمة والهمة ولك فى السحر باع طويل.

صمت برهة، وترددت فى أذنه أصوات يكرهها طالما كانت تناديه آمرة « يا عبد يا زربون» أيام كان بوابًا فقيرًا فى «المنصورة» ينام بنصف بطن، لكنه طردها سريعًا، وقال لها فى حزن:

ـ يبدو أنك نسيت أن مصر ولاية فى ملك بنى عثمان، والفرنسيس سيأخذون كل شيء، ولن يكون لى مكان فى كل ما هو آت.

اعتدلت فى جلستها، ونظرت إليه مليَّا، ثم قالت:

ـ لن يستغنى عنك الفرنسيس، كما فعل كل من جاءوا قبلهم، وجلسوا على الكرسى الكبير.

لعب الكلام برأسه، فنحى النارجيلة جانبًا، ونظر نحو الأفق المملوء بالهاربين، وقال:

ـ حوله جند، ومعه مال، والباشا العثمانى ترك له كل شيء، هو ومنافسه «إبراهيم بك».

امتقع لونها وقالت فى غيظ:

ـ أجلاف العثمانيين، لا يشغلهم سوى نهب خيرات البلد، ويتركون الناس للمماليك يفعلون بهم ما شاءوا، وآخرهم هذا الوالى الضعيف الذى يسمى «بكر باشا».

ضحك ملء شدقيه وقال:

ـ ماذا يدرينا أن يكون الفرنسيس جاءوا إلى هنا بترتيب مع بنى عثمان.. أليست بينهم مصالح ممتدة كل هذه القرون؟

لكنها، وهى التى عاشت الدسائس فى قصر «مصطفى بك الكبير» قبل أن يهديها إلى «إبراهيم السناري»، هزت رأسها نافية، وقالت:

ـ لا أظن، بل جاء الفرنسيس ليبلعوا ملك الترك الذى يهتز.

تنهد فى حرقة، ورنا إلى البعيد، حيث كان الناس يتزاحمون هناك، وجلبتهم تنتهى هنا همهمات لا يتبين منها شيء.

تابعت شروده، ثم ابتسمت وقالت:

ـ جئت إليك بالبُشرى.. رأيت الليلة أن نهايته قد اقتربت، وأنت تعرف أن ما أراه فى منام الليل ترونه أنتم بالنهار.

وضع يده على كتفها وقال:

ـ إياك أن تقصَّى رؤياك على أحد.

(2)

قبل مدة ليست بالبعيدة كان الناس يجرون فى الاتجاه المضاد، وأقدامهم تغوص فى سرسوب ماء ضحل، يلثم جدران البيوت. رآهم من جلسته تلك، ولم يحرك ساكنًا، وهو غارق بين سحابات الدخان الأسود، وتحت لسانه قطعة أفيون من أفخر الأنواع.

كانوا يحملون ألواحًا ثخينة كبوابات عالية، وخوابير متينة طويلة من الأخشاب، وتجرى خلفهم عربات كارو تجرها خيول مجهدة، حاملة ألواحًا وخوابيرَ أطول، وأخرى تحمل صفائح حديد مثقوبة، وجوابى صيد هائلة، وغلقانا فارغة، وأحجارا صلدة كبيرة الحجم، وظهرت حمير عليها لفائف من القش، يسوقها رجال حفاة.

ونادى المنادي:

ـ فاض النيل فالحقوه.

وجاء وقتها الخادم إليه وهو جالس فى مكانه، وقال وهو يلهث:

هناك أمر بخلع الطواحين فى البلاد القريبة، وهدم الأبنية القديمة، حتى الجوامع التى فى الساحل.

شفط «السناري» الدخان وسأل فى حنق:

ـ وهل هذا يكفي؟

يكفي، المد ليس هائلًا كالذى جاء قبل ثمانى عشرة سنة.. كان فظيعًا، غلب الرجال، وقهر السواتر، وغرَّق البيوت، وجعل الغلة تعز حتى أن إردب القمح سعروه أيامها بعشرة ريالات.

ضحك حتى لمعت أسنانه البيضاء فى خيط من شعاع شمس العصر، وسأل فجأة:

ـ هل حواصلنا مملوءة؟

وقف الخادم صامتًا، وتطوعت «زينة» وقالت:

ـ هو لا يعرف، لكننى سمعت الخدم يقولون بالأمس إنها عمرانة بالقمح والفول والسمن والزيت والعسل والملوخية الجافة.. مملوءة عن آخرها من أرضيتها إلى سقفها، وسمعت وأنا قادمة صوت الطاحون يهرس الحبوب.

هز رأسه وقال للخادم:

ـ لا تنسوا الحبوب المجروشة للدواب.

ملأنا طوالة الخيل بالعليق.

هذه المرة لم يكن فيضانًا، ولا حتى زلزالًا كذلك الذى ضرب البيوت فرقصت وترنحت وخرج الناس إلى الشوارع مذعورين، كان فيضانًا وزلزالًا من نوع آخر لم يألفه الجالس على أريكته اللينة مغمورًا بالدخان، والأفيون يسرى فى عروقه، فيتصلب ذكره، ويرفع ثوبه فى عينيَّ «زينة» وهى تبتسم فى دلال.

هكذا عرف كل شيء، فمات الدخان، وغاب أثر الأفيون، وهب هو مذعورًا فى مكانه، يملأ عينيه من الزحام عند «بركة الفيل» وتقاطر الناس فى الشوارع، مهرولين نحو الأزهر، وصوت همهماتهم يتصاعد.

لقد جاء أحد حراسه وألقى فى وجهه الخبر الذى ظن أنه لن يسمعه أبدًا:

ـ الفرنسيس على باب القاهرة، والناس يتجمعون فى كل الساحات.. «بركة الفيل» و«قراميدان» و«الأزبكية» و«الرميلة» و«بيت القاضي».

وأدهشه أن «مراد بك» لم يرسل فى طلبه، ليقول له فى نبرة تمزج الأمر بالرجاء:

ـ افعل شيئًا.

ثم ينظر إلى عينيه حين تغيمان، بينما العرق يتفصد من جبينه، وهو يتابع وحده الأشباح التى تهل فى المكان، وتضع نفسها تحت مشيئته.

(3)

كلما خلت «زينة» إلى نفسها استعادت كل ما سمعته من أمها، التى لا تدرى عنها شيئًا الآن. كانت سيدة حسناء الوجه، ممشوقة القوام، لينة الجسد حتى بعد أن طالها الكبر، وأورثت ابنتها كل شيء، بما فى هذا رخامة الصوت، ونعومة الشعر واسترساله، والطلة الناعسة لعينين نجلاوين.

كانت الأم تقول لها فى ثقة تامة:

ـ أبوك قتله كبير المماليك.

فى البداية ظنت البنت أن هذا الكبير قد جز رقبة أبيها بسيفه، أو طعنه بخنجر، أو رماه برمح، أو أمر جنده بأن يسحلوه فى شوارع المحروسة، لكنها فهمت فيما بعد أن أباها غرق فى النيل.

«وهل النيل «ملك مراد بك» ليأمره بقتل أبي؟»

سألت أمها وعلى وجهها دهشة، وانتظرت الإجابة، فقالت لها وهى تغالب دموعها:

ـ قتلوه فى سنة الفيضان الكبير.

ذبحوه؟

ـ أغرقوه فى النيل، غرسوا رأسه فى الطين الخفيف، رفرف كفرخ حمام مذبوح، ثم سكن بلا حراك.

كيف عرفت كل هذا؟

ـ أحد الجنود كان يعرفه، وطالما جلس معه على عتبة دارنا البسيط لشرب شاى بالقرنفل أعددته أنا بيدي، وحين عاد زارنى سرًا، وحكى لى ما جرى. كان يقول له دومًا: «قلبى انفتح لك يا «عبد الرحمن» بلا حدود، وبلا سبب.. وربك رب قلوب»، وكان أبوك يقول له فى امتنان: «الحال من بعضه أيها الجندى الهمام».

كان «مراد بك» على رأس تجريدة لقطع الطريق فى «بنى سويف» وكان أبوك يعمل على مركب لتاجر غلال، نهبوا كل ما عليه، وحمَّلُوه على الجِمال، قاومهم، لأنه كان أمينًا على مال التاجر، فغرسوا رأسه فى الطين، كأنه فسيلة بصل.

هل فعل «مراد» هذا بنفسه؟

ـ لا، جنوده… هو لم يكن معهم لحظة موت أبيك، كان يطارد عصابة من العربان خطفت بعض ما نهبه المماليك من القرى، وهربت نحو الجبل.

داست «زينة» على أضراسها وقالت فى غيظ:

ـ هذا الجندى عبد مأمور، وثأرى مع آمره.

(4)

كان «السناري» واثقًا بأنهم سيلجئون إليه، ولذا راح يستعد لهذه اللحظة. هبط من فوق سطح بيته، الذى صار حديث أهل المحروسة، ودخل إلى الحمام، وخلفه المكيساتي، وخادم يحمل أوانى مملوء بالماء الساخن، وخرج البخار من النوافذ العلوية نحو الأفق الملبد بسحاب أسود، هب فجأة، وحجب زرقة السماء.

شرد والماء الساخن يصب فوق رأسه فيما سمعه عن استهانة «مراد بك» بخبر الفرنسيس، وقوله لمن أنبأه بأن أسطولهم أبحر منذ أيام قاصدًا الشرق:

ـ نحن خير من ركب الجياد ولعب بالسيوف… فرسانى أجلوا أسنانهم وينتظرونهم لينهشوا لحمهم الأبيض الطري.

وكان يعرف أيضًا أمر السلسلة الغليظة التى أغلق بها المماليك بوغاز «رشيد» فى وجه السفن الغازية. وقال له من نقل إليه الخبر:

ـ لن يتمكنوا من النزول على اليابسة، وإن نزلوا لن يتقدموا شِبرًا واحدًا.

لكنهم نزلوا، وعرف هو بما فعلوا، لكنه أيقن أنهم سيخفقون فى مواصلة الزحف إلى هنا، وإن زحفوا فإن هذا سيستغرق وقتا طويلًا، إلا أن الحارس رمى الخبر على رأسه كالصاعقة:

ـ أصبحوا على أبواب المحروسة.

ارتدى ملابسه على عجل، وجلس على أريكة فى التختبوش، ولم يمض وقت طويل حتى جاء الرسول إليه:

ـ أسرع يا سيدي، فالأمر جلل.

ركب عربته التى تجرها أربعة خيول، وتوزع الخدم أمامه فى الطريق: «وسع يا عم. وسع يا خال. على جنب يا ست». «افتح عينك يا ولد»، فانزاحت جانبًا نسوة يحملن فوق رءوسهن صوانى عليها أصناف من الطعام جانبا، وجرى سقاء يحمل قربتين على ظهره، فانسكب الماء من إحداها، وجرى كثيرون يرتدون جلابيب زرقاء والتصقوا بجدر الحوائط، فاتسع الطريق أمام الدوكار.

ووقف أناس كانوا يجلسون على المقهى يدخنون القنب ويحتسون القهوة والسوربيت، ويلعبون الشطرنج والمنجلة والضامة، وسكتت الربابة التى كانوا ينصتون إليها، وبقى الراوى الجالس فى صدر المقهى فاتحًا فمه، وناظرًا إلى الأمام.

غمزه النادل فى كتفه وصاح فيه:

هل رأيت عجبًا؟ هذا الدوكار مر من هنا مرات ومرات.

ابتسم الراوى عن أسنان مثرمة وقال وهو يشخص ببصره بعيدًا:

ـ هل نسيت أننى قادم إلى المحروسة من أيام قلائل؟

وصمت برهة ثم قال:

كأنى رأيت الرجل الذى يركب الدوكار يباع يومًا فى سوق «الجلابة» عبدًا من بين المخطفوفين من إفريقيا.

كادت الصينية التى تتراص عليها فناجين القهوة تسقط من يده، فعدلها وقال فى فزع:

ـ أنت مجنون.. هذا بك، وإن سمعك أحد من المقربين إليه وأخبره، سيأمر بقطع لسانك، فلا ترو شيئًا بعدها، وتعود إلى بلدك حافيًا، وربما يقطع رأسك فتخمد إلى الأبد.

كتخدا!.. كبار المماليك بيض وشقر، والترك كذلك، فمن أين لهذا بتلك المكانة؟

رد النادل وهو يهم منصرفًا نحو رجلين يستعجلانه على القهوة:

ـ هى إرادة الله.

فأمسك الراوى فنجانه، وشفط رشفة طويلة، وقال:

ـ فى الأمر سر.

رد عليه شاب يدعى «حسن جعيدي» فى غيظ:

ـ لا سر ولا يحزنون، الرجل أفاق، يسحر وينجم ويضرب الودع ويقرأ الكف ويزعم أنه يعرف الغيب، وهذا جعل له مالًا ومكانة.

وابتسم صاحبه الذى لا يفارقه كلما جاء إلى هذا المكان، وقال:

ـ ربما كان الراوى يقصد السر الذى جئت أنت من أجله إلى هنا.

فطوح «جعيدي» يده فى الهواء، ورد عليه بصوت خفيض:

ـ لا يعرف ما فى قلبى إلا الله وأنت يا صاحبي.

ووضع يده على جيبه، وتحسس الخنجر المسموم الذى كلفه الكثير، وواصل:

ـ لو أضمن حتى مجرد الوصول إلى شريان فى إحدى قدميه قبل أن يقطع الحرسجية رقبتى لانطلقت إليه، ولا أعود إلا وقد دفعت السم فى دمه… لكن ستأتى هذه اللحظة مهما كلفنى هذا من انتظار.

كان الجالسون على المقهى غير مبالين بما يجرى حولهم، وربما لم يسمع أى منهم أن الناس يتجمعون هناك فى الساحات، ويجرون نحو الأزهر، وربما سمعوا فضربوا عما سمعوه صفحًا، لكن الشيء الوحيد الذى جعلهم ينتبهون هو مرور الدوكار الهائل، ونقرات الجياد الأربعة أمامه، واللمعان الخاطف من سقوط الشمس على سواد «إبراهيم السناري» عبر فتحة واسعة فى الستائر المزركشة التى تظلله.

لم تكن «زينة» معه كما اعتاد أن يصطحبها فى نزهاته، فهو لم يكن ذاهبًا فى نزهة، إنما فى كرب عظيم.

وحتى حين كان يذهب إلى سهرات فى قصر «مراد بك» لم يكن يأخذها معه، خوفًا من أن تلتقى عيناها الغاضبتان بعينيه، وهو داهية ماكر، فيرى كل ما تخفيه من غل. أو تقع عيناه على وجهها الساحر وهى رائقة صافية ناسية فيطمع فيها.

لا ينسى أن «مراد» خان سيده من أجل امرأة. كانت سيدة شركسية فى حرم «على بك الكبير» فاتنة بلا حد، رآها مرة واحدة فوقع فى هواها، حاول أن يتناسها فلم يقدر، شغلته ليل نهار، فضحى بمن كان له عليه عظيم فضل من أجل أن يظفر بها، فاشترط على «محمد بك أبو الدهب» أن تكون من حريمه إن فاز فى المعركة.

لم يكن «السناري» معه فى هذه الأيام، لكن تلك الحكايات رواها المماليك فى الطرقات، وتندر بها الأغاوات، وضرب بها الأمراء مثلًا على نزق الرجل وشهوانيته المفرطة.

استعاد هذه الحكاية، وهو غارق فى وجه «زينة» يراه مرسومًا أمامه على الطرقات، بينما الحوذى يفرقع سوطه فوق آذان الجياد لتجرى مسرعة نحو «الجيزة»، وبانت البرك الصغيرة التى انحسر عنها جريان النيل، تحط على أطرافها غربان سوداء، راحت تنعق وترفرف، وتحوم فى الهواء، ثم تعود.

رآها «السناري» من الفتحة التى كانت لا تزال تشاكس الهواء الطري، وقال لنفسه بقلب منقبض:

ـ منظر لا يبشر بخير.

لم يكن الطريق ممهدًا، فالأحجار التى تم وضعها أيام الفيضان تناثرت بعد أن رحلت المياه، وتلال قصيرة من التراب ظلت مكانها، تهب الريح شيئًا لتكنسه كلما هبت، وأكوام من القمامة تتابعت، وانبعثت منها روائح عفنة، وانتشرت فوقها الكلاب والقطط، تبحث عما يقيم أودها، وحام فوقها الذباب، يأزر مقتربًا من الدوكار، ثم يهرب فزعًا من نقرات الخيول. ذبابتان تمكنتا من الدخول خلف الستائر، وحامتا حول وجه «السناري»، فراح يضربهما بمذبة كانت ملقاة أمامه، وينفخ وهو يلعن كل شيء، لاسيما أن العجلات كانت تعلو وتهبط فتقلقله يمينًا ويسارًا بلا رحمة، إلى أن وصل إلى مركب كبير حمله هو ودوكاره إلى الضفة الغربية من النيل.

وأخيرًا انعطفت الخيول نحو قصر «مراد بك»، وبدا من الخارج كالحًا، ووقف على سوره الأمامى غراب ضخم، كان يمد عنقه إلى الأمام، وينعق بلا توقف.

فجأة سقط الغراب فوق الدوكار، وفى عنقه سهم، وتناثرت الدماء على رأس الحوذى ومؤخرات الجياد، ونقطة وحيدة لوثت الجلباب الأبيض للسيد الجالس فى الخلف يتقلب من فرط القلق.

همَّ الحوذى أن يرمى الغراب، بعد أن قبض عليه من ريشه، لكن «السناري» أمره:

ـ لا ترمه، هاته.

أعطاه إياه، فنزل ممسكًا به، ودخل القصر الكبير.

(5)

لم تدع «زينة» سيدها يمضى إلى حيث تم استدعاؤه دون أن توصه، وهى تضع عينيها النجلاوين فى عينيه:

ـ ما الذى يجرى لو لم تذهب؟

لسعه سؤالها فأجاب على الفور:

ـ هذا مستحيل.

حكت ذقنها بأطراف أصابعها وقالت بصوت مفعم بالرجاء:

ـ لا تدعهم يورطونك.

نظر إليها فى استغراب، وقال:

ـ طريقى طريقهم.

لكنها كانت مصرة على رأيها القديم:

هم ذاهبون ومجدك آت.

أبدى ضجره من حديثها، وقال لها وهو يدوس على كتفها بأصابعه المسنونة القوية:

ـ أنت واهمة.

ثم وهو يلبس مركوبه الأسود النظيف:

ـ إن كنت تحلمين فى الليل، فلا تنسى أننى ساحر وعرَّاف فى الليل والنهار، يمكننى أن أعرف الخبر قبل أن يأتي.

وتركها واقفة مكانها حائرة، ومضى، فجلست شاردة فى كل ما رأته بالليل، وهى تغط فى سبات عميق.

كذبت عليه، إذ إن ما رأته لم يكن خيرًا، بل كل الشر، وهل هناك أشر من القتل؟ لقد رأته قتيلًا، رأسه مفصول عن جسده، وصنابير الدم تندفع من عنقه، وتطير نحو صارية عريضة عالية، ثم تنكسب ليأكلها الماء الذى يبدو بلا نهاية، فلا يبقى منها أثر.

قالت لنفسها:

ـ سيقتلونه هناك.

لكنها تصبرت حين تذكرت الصارية والماء الذى لا حد له، وقالت بصوت مسموع، لم ينتبه له أحد من الخدم: «للنيل شاطئان يراهما حتى الكليل، وصوارى مراكبه صغيرة».

وفكرت فى هذه اللحظة أن تفعل معه كل ما يؤجل اللحظة التى رأتها فى المنام، وكتمتها عنه، حتى لا يعيش لحظة واحدة فى كدر.

قالت لنفسها من جديد:

ـ لن أدعه يذهب أبدًا إلى البحر.

وزفرت فى أسى: «أبى مات فى النهر، وحبيبى سيموت فى البحر، لم يكن بوسعى أن أنقذ الأول، لكن يمكننى أن أنقذ الثاني. لن أدعه يذهب إلى ذات الصوارى العالية، وسأدعو الله ألا يتحقق ما رأيته فى المنام».

كانت صغيرة، أصغر منه بكثير، لكنها كانت تجد فى كنفه أبوة افتقدتها، وحين يعطف عليها، ويسكب حنانه فوق رأسها الملقى على كتفه، تشعر أنه أمها التى لا تعرف أين هى الآن. لكنها حين تخلع ملابسها كاملة فى سريره، تجد نفسها فى أحضان شاب فى العشرينات من عمره، وحين تقارن بينه وبين «مصطفى بك» تضحك من أعماقها وتقول: «لم أعرف المتعة إلا معه، وقبله كنت أظن أن النساء يتعرين كى يتعذبن فى فرش الرجال، يلهون بهن، ويفرغون فيهن شهواتهم ثم يتركوهن يتوجعن ويمنعن أنفسهن غصبًا من التقيؤ».

وسألته ذات يوم:

ـ أين تعلمت كل هذه الفنون؟

فضحك عن أسنانه البيضاء، وقال:

ـ فى أحراش «سنار» كانت لى صولات وجولات.

ومع الأيام لم يعد يطلب غيرها للمضاجعة، وتعلمت هى كيف تجعله لا يفكر إلا فيها، ويلين بين يديها كطفل، ويبوح لها بدفائن أسراره.

(6)

قبل أن تنهض من مكانها وتعود إلى جناح الحريم، جاءها خادم مسرع، وهو يلهث، وقال:

ـ أبلغنى الحارس أن رجلًا غريبًا بالباب.

ماذا يريد؟

ـ يقول إن معه رسالة لسيدى «إبراهيم».

أى رسالة؟

ـ لا أعرف.

هزت رأسها، وقالت:

ـ دعه يدخل.

مشى خطوتين، ثم توقف، وقال:

ملامحه تشبهنا، لكن لكنته غريبة، ليقابله أحد من الخشداشية، أو الحارس نفسه.

طوحت يدها فى ضجر وقالت له:

ـ بل سأقابله أنا.

وانفتح الباب عن رجل نحيل طويل القامة، أسمر الوجه، له أنف مخروطي، وعينان ضيقتان، تنفتحان على مكر شديد ممزوج بمسكنة. مشى من أمام مصطبة الحارس ودخل من باب صغير ينفتح على الساحة التى يطل عليها التختبوش والحرملك. كان يرفع وجهه ويطالع جدران البيت ونوافذه، ويتوقف عند المشربيات البديعة، والشخشيخات النفيسة، ويمصمص شفتيه. لكنه ما إن رأى «زينة»، التى رفعت اليشمك عن وجهها، حتى اتسعت حدقتاه عن آخرهما، وبدا مخطوفًا بجمالها.

اقتربت هى منه، وسألته بغتة:

ـ أيعجبك البيت؟

ابتسم فى هدوء وقال:

ـ هو حديث الناس فى المحروسة، وقد كنت هنا قبل أربع سنوات حين اكتمل بناؤه، رأيته من الخارج، لكن هذه هى المرة الأولى التى أرى داخله.

تفرست فى ملامحه لبرهة ثم قالت:

ـ أنت لا تزال خارجه، يا هذا.

عاجلها بالرد:

ـ تأسرنى روعته.

ثم تمتم بصوت لا يسمعه أحد:

ـ وروعتك أنت أيضًا.

ابتسمت وسألته فى استخفاف:

ـ أجئت لشرائه؟

قبض ملامحه المنبسطة، وقال:

ـ وهل بوسع مثلى أن يقدر على ثمنه!

تجهمت وتساءلت فى استنكار :

ـ وهل صاحبه فى حاجة إلى بيعه، لا قدر الله؟

ابتسم فى خبث، وقال:

ـ املئى عينيك من كل ركن فيه، فلا يدرى أحد ما الذى سيجرى فى الغد.

وبينما هى مشدوهة من قوله، عاجلها حين دخل فى الموضوع مباشرة:

ـ أنا رسول إلى «كتخدا».

رسول؟.. من أرسلك؟ ولماذا؟

سكت مدة، وبلع ريقه، وأرسل ناظريه تجوبان الجدران، ثم أعادهما إلى وجه «زينة» وقال بصوت هامس:

ـ رسول الفرنسيس.

(7)

لم يكن «إبراهيم السناري» يدرى حقيقة ما يجرى فى الخارج حين وصل إلى قصر «مراد بك» على عجل. لم تسعفه تعاويذه أن يعرف ما يخفى على عموم الناس، ولا يمكنه أن يكذب على نفسه ويوهمها، كما يوهم نفوسا كثيرة بأنه يعرف الغيب، أو طرفًا عريضًا منه.

كل ما سمعه هو قول خادمه إن الفرنسيس على الأبواب، لكن ما سمعه قبل أيام هو أن كاشف البحيرة، وعربانها يتصدون لهم، ويحرزون ضدهم انتصارات، وأنهم سيدحرونهم، ويجبرونهم على أن يعودوا من حيث أتوا.

فهم هذا من «مراد بك» نفسه، لكنه هاهو يقابله فور دخوله البهو:

ـ نحن فى محنة يا «إبراهيم».

كان وجهه مخطوفًا، وكثير من التجبر الذى يسكن ملامحه قد تراخى، وبدا رجلًا مقبلًا على أخطر مُلِّمة فى حياته، حتى أن صوته قد زالت عنه حشرجته، التى تصاحب صراخه وهو يأمر ويزجر وينفخ دومًا.

ولم ينتبه للغراب النازف فى يد «السناري» إلا حين رماه على البلاط، فتناثر منه زغب ملطخ بالدم، وقال:

ـ استبشر خيرًا، طالما توقف هذا الملعون عن النعيق.

بدت عليه حيرة، ولاذ بالصمت، مسترجعًا كل التمائم والتعاويذ التى صنعها «السناري» من أجله، ولم يكن أمامه من سبيل سوى تصديقه، كما اعتاد.

وقرأ السنارى عودة بعض الارتياح إلى وجه «مراد بك»، فأراد أن يخفف عنه كربه تمامًا، فقال له وهو يبتسم:

ـ «ياما دقت على الراس طبول».

لكن رفع إصبعه الذى يزينه خاتم الزمرد، وقال فى فتور:

ـ الطبول هذه المرة مختلفة.. الأخبار التى تأتينا من «البحيرة» ليست على ما يرام، لا بد أن نستعد بكل ما لدينا من قوة لمعركة فاصلة.

كان كثيرون مجتمعين عنده، أمراء، وعلماء من الأزهر، ومشايخ الطرق الصوفية، وأرباب الأشاير، والقاضي، وبعض رءوس الناس.

وقبل أن يجلس «السناري» قال له «مراد بك»:

ـ ليس لدينا وقت، لا بد أن نذهب لاجتماع، نحسم فيه أمرنا، فى «قصر العيني».. سيكون هناك «إبراهيم بك» ورجاله، وسينزل إلينا «بكر باشا» من القلعة، ويأتى نقيب الأشراف.. لا توجد لحظة أعز من تلك لتوحدنا جميعا فى وجه الغزاة.

وبينما كانوا يستعدون للخروج دخل الخدم حاملين صناديق، ووضعوها أمام «مراد بك»، فمد يده على الفور ورفع أغطيتها، فبانت قطع السكين المحبوب والنصف سكين والربع سكين، وأنصاف الفضة والبارات والحلي، ثم ارتسمت ابتسامة رضا على شفتيه، ونسى للحظة همومه، لكنها داهمته، فنظر حوله وقال:

ـ هذا ما جمعناه من التجار وأصحاب الدكاكين والأهالي، الخزائن خاوية، ونحتاج إلى شراء أسلحة وبارود وخيام ومؤن، واستمالة العربان بالمال.

ثم نظر إلى أحد الأمراء وقال:

ـ لا بد من إنهاء الهرج والإرجاف، فلتضربوا بشدة على قطاع الطرق الذين استغلوا خوف الناس وعاثوا فى المحروسة وغيرها فسادًا. افتحوا الأسواق والقهاوي، وعلقوا القناديل على البيوت والدكاكين.

هز الأمير رأسه ورد:

ـ سمعت أن الوالى أمر بذلك، ليستأنس الناس بعضهم ببعض.

ابتسم «مراد بك» فى سخرية وقال:

ـ أخيرًا فعل والى بنى عثمان شيئًا مفيدًا.

وغمغم وهو يهم ليركب فرسه:

ـ أقطع ذراعى إن لم يكن الترك قد باعونا لـ «بونابرته».