تصدر قريبًا عن سلسلة الجوائز «نوتردام النيل» رواية عن الحرب الأهلية فى رواندا قبل ربع قرن ترجمة وتقديم: لطفى السيد   المقدمة ولدت سكولاستيك موكاسونجا عام 1956فى رواندا لعائلة تنتمى

24

تصدر قريبًا عن سلسلة الجوائز

«نوتردام النيل» رواية عن الحرب الأهلية فى رواندا قبل ربع قرن

  • ترجمة وتقديم: لطفى السيد

 

المقدمة

ولدت سكولاستيك موكاسونجا عام 1956فى رواندا لعائلة تنتمى لعرق التوتسي، وهى تعيش وتعمل حاليا فى باس- نورماندي. فى عام 1960، انتقلت عائلتها إلى منطقة غير آمنة من رواندا، نياماتا فى بوجيسيرا. فى عام 1973، طردت من المدرسة وتم نفيها إلى بوروندي. استقرت فى فرنسا عام 1992. وفى عام 1994 (عام التطهير العرقى للتوتسى من قبل الهوتو) حيث قتل أكثر من مليون شخص فى مائة يوم ، علمت أن سبعة وعشرين من عائلتها كانوا قد ذبحوا، من بينهم أمها.

وبعد ذلك باثنى عشر عاما دخلت إلى عالم الكتابة بعملها الذى نشر فى جاليمار كباقى أعمالها فى سلسلة «continents noirs» «النيانزى أو الصراصير» الذى كان بمثابة سيرة ذاتية. وفى عام 2008 نشرت «امرأة عارية القدمين» ويعتبر هذا الكتاب تكريما لأمها ولكل الأمهات الشجاعات. وحصلت بها على جائزة «seligman» وهى جائزة ضد التمييز العنصري. ثم مجموعة «البطن النهم» «L`Iguifou» وهى مجموعة قصص رواندية تؤكد شعرية حقيقية: فمع كل صفحة ينفتح أفق من الألوان، الزهور، الأشجار، من العصافير، من الأحاسيس اللمسية؛ باختصار، مقتطفات من الجمال تقف أمام قسوة الإنسان لتحدث التوازن فى هذا العالم بين الجمال والقبح وبين الإنسانية واللاإنسانية.

ثم تأتى روايتها التى بين أيدينا «نوتردام النيل» فى عام 2012 لتتوج فى نفس العام بجائزة أمادو كوروما وجائزة الروندو المرموقة.

وعن هذه الرواية تقول موكاسونجا «كنت قد كتبت هذه الرواية حتى لا أنسى. كنت أقول لنفسى ماذا لو استيقظت ذات صباح ووجدتنى عاجزة عن حكى هذا التاريخ، سيكون كل هؤلاء الناس قد ماتوا بالفعل».

لكنها ماذا سجلت من هذا التاريخ وهذه القصة وهى التى طردت من المدرسة لانها توتسي، والتى ماتت أمها ضمن قرابة الثلاثين من أهلها؟

هل كتبت مشاهد القتل والذبح لتغلف قلبها بالكراهية ولتغرقنا فى هذه البحار الدموية التى مات فيها ما يقرب من مليون فى مائة يوم؟

لا لم تفعل ذلك؛ لأن ذلك لن ينتج أدبا ولا حتى تأريخا. فالأدب لا ينتجه الدم ولا الكراهية والتأريخ ليس ابن الذاتية أحادية النظرة حتى وإن كانت من وجهة نظر المظلوم/ المقتول/ المضطهد…

لقد حاولت موكاسونجا – كما قالت- خشية أن تنسى الكارثة التى حلت برواندا وبعرقها وعائلتها أن تدونها، كما أظن أنها حاولت التطهر- مم تطهر وهى المقتولة لا القاتلة؟- من الكراهية؛ الكراهية التى ستكون أشد فتكًا من الهوتو.

تدور أحداث الرواية فى وحول ليسيه «نوتردام النيل» التى تطل على البحيرة والمنبع المفترض للنهر وتطفو فوق قمة صخرية ارتفاعها 2500 متر «أقرب ما نكون من السماء» كما تحب أن تذكر الأم الرئيسة. وهذه المدرسة الداخلية الكاثوليكية للبنات تشكل النخبة النسوية الجديدة لرواندا. ففيها نجد فخر ذرية الدبلوماسيين، والشخصيات الشهيرة والعسكريين من ذوى النفوذ وحيث الغالب الأعم منهم من الهوتو، بعضهم توتسي، قليلون للغاية أو حصة ضئيلة. وبالفعل تم تنفيذ نظام الكوتة وعلى نحو صارم بداية من سنوات السبعينات، فنجد 90 % من تلاميذها من الهوتو أو الغالبية العظمى للشعب و10 % فقط للتوتسي.

وعبر هذا السياق قدمت موكاسونجا كتابة وصفية على نحو دقيق، شعرية ولاذعة فى آن، تستنطق موكاسونجا من خلال عالم الليسيه توترات بلد فى حالة معاناة.

كما أنها تبنت السرد العليم حتى تتمكن من تناول جميع أدوار الموجودين فى الليسيه سواء بنات أو مدرسين أو القس أو الأم الرئيسة… وكذلك من هم على علاقة بكل هؤلاء الأشخاص لتشكل فى النهاية أنطولوجيا للذاكرة.

فالرواية على الرغم من حجمها الصغير إلى حدٍ ما ، إلا انها ترسم بمهارة فائقة وبلغة مشفاة غير مترهلة لوحة جدارية ضخمة لعدد كبير من الشخصيات والعادات والتقاليد والأساطير وجغرافيا المكان بتلالها وجبالها وأشجارها وحتى لمواسم المطر فيها.

إن رواية نوتردام النيل تحكى التفاهات التى تشكل الدراما اليومية لهؤلاء المراهقات: منافسات البنات، اختيار أفضل كريم « مبيض»، ركوب دراجة بخارية مع صبي، أينبغى أم لا ينبغى السماح له بمداعبة نهديها؟

لقد قامت الكاتبة بتعرية كل المجتمع: الأم الرئيسة بكل صرامتها أو فلنقل قسوتها تغض الطرف عن ذلك السفير الذى يأتى ليضاجع خطيبته فى الليسيه وتحمل منه. والأب هيرمينيجيلد القس المقيم يستغل سلطته ليقيم علاقات مع البنات. والمدرسون سواء الفرنسيون أو البلجيك يغضون الطرف عن أى شيء – حتى لو كان قتلًا أو إبادة- لتظل العلاقات السياسية على ما يرام. فساد السلطة العسكرية التى تفيد بناتها سواء بمراكز آبائهم أو بسيارات الجيش وإمكاناته. الرئيس الديكتاتور الذى يجب أن تعلق صورته حتى فى أحقر دكان……

كما انها تناولت التراث الرواندى أو فلنقل الأفريقى دون تقديسه فتقف عنده فى حالة من النوستالجيا ودون سخرية منه لصالح الحداثة. فنجدها تضفر أسطورة إيزيس والملكات كانداس وأوصول التوتسى وصانعة المطر والسحرة أو المشعوذين والأساطير حول أرواح الموتى بلغة فنية رائعة وشعرية فائقة عبر مشهدية دقيقة تجعلنا نرى، نحس، نشم، نمسك، نعايش هذه الحكاية/ التاريخ التى صارت بمثابة أسطورة تمجد الإنسان والإنسانية.

الحياة فى هذه المدرسة الداخلية صارمة، لأن هذه المدرسة هى حاضنة تفريخ النخبة النسوية الرواندية، كما أنها تمنح فرصة الحصول على زيجة رائعة» إنهن لسن مجرد زوجات صالحات، أمهات صالحات بل أيضًا مواطنات ومسيحيات صالحات، ولا تكون الأولى دون الأخرى.

نعم المدرسة صارمة لكن بنات المدرسة كما قلنا هن بنات كبار رجال الجيش ورجال الأعمال والنافذين فى الدولة لذا نجدهن يصنعن قانونهن الخاص: واحدة تُدخل إلى المدرسة خطيبها بل تحمل منه، وأخرى تجعل من نفسها زعيمة فتشكل مجموعة من الشباب (الشبيبة) للقضاء على التوتسى خاصة البنات الموجودات فى المدرسة؛ بينما الأم الرئيسة عاجزة، المدرسون عاجزون، حتى نوتردام النيل (مادونا رواندا) عاجزة لدرجة أن انكسر أنف التمثال وتهمش بعض أجزائه بل سلطة الله نفسها عاجزة، بل غابت عن رواندا التى صارت مملكة الموت لا مملكة الرب: «لم أعد أريد البقاء فى هذا البلد. رواندا، إنها بلد الموت. أتذكرين ما كنا نقوله عن التعاليم المسيحية: طوال اليوم، يجوب الله العالم، كل مساء، يعود إلى بلده، يعود إلى منزله فى رواندا. حسنًا، فيما كان الله يتجول، استولى الموت على مكانه، عندما عاد، صفق الباب فى أنفه. أقام الموت مملكته فوق بلدنا رواندا المسكين. لديه مشروعه: قرر أن ينجزه حتى النهاية. سوف أعود عندما تعاود شمس الحياة شروقها من جديد على رواندانا».

نوتردام النيل

سكولاستيك موكاسونجا

ترجمة وتقديم: لطفى السيد

24

 

1 – نوتردام النيل

ليس هناك مدرسة ليسيه أفضل من ليسيه نوتردام النيل. وليس هناك أعلى منها كذلك. 2500 متر، يعلن المعلمون البيض بفخر. 2493، تصحح الأخت «ليدوين» معلمة الجغرافيا. «نحن أقرب ما نكون إلى السماء» همست الأم الرئيسة وهى تشبك اليدين.

يتزامن العام الدراسى مع موسم الأمطار، فى أغلب الأحيان يُظلِّلُ الغيم الليسيه. وفى بعض الأحيان الأخرى، النادرة جدا، يكون الجو صحوًا. حينئذ نلمح- فى الأسفل تمامًا- البحيرة الكبيرة كغدير ماء صغير من الضوء الأزرق.

الليسيه هى للبنات. أما الأولاد فيبقون فى الأسفل، فى العاصمة. لقد شُيدت الليسيه من أجل البنات، عالية جدا، بعيدة جدًا؛ لإبعادهن، ولحمايتهن من الأذى، ومن إغواءات المدينة الواسعة؛ ولذا تكون آنسات الليسيه موعودات بزواج رائع. يجب أن يبلغن ذلك عذارى، على الأقل لا يقعن فى الحمل قبل ذلك. عذارى، هذا أفضل. الزواج، مسألة خطيرة. فالمقيمات فى الليسيه بنات وزراء، وكبار ضباط الجيش، ورجال أعمال، وأثرياء التجار. زواج بناتهم، مسألة سياسية. الآنسات يشعرن بالفخر: يعرفن ما يستحققنه. لا يزال الوقت طويلًا حتى يعتمد الأمر على الجمال فقط. بالنسبة للمهر، لا تحصل عائلاتهن إلا على الأبقار وأباريق الجعة التقليدية. كما سيكون هناك حقائب مملوءة بالأوراق المالية، حساب وفير فى بنك بيلجوليز، فى نيروبي، فى بروكسل. فبفضلهن، ستُثرى الأسرة، ستؤكد العشيرة سلطتها، ويبسط النسب نفوذه. تعرف آنسات ليسيه نوتردام النيل ما هن جديرات به.

الليسيه قريبة جدًا من النيل. من منبعه كما يظهر. ولكى نذهب إليها، نتخذ مدقًا حصويًا يقتفى طريق التلال. يؤدى المدق لأرض مسطحة حيث تركن «اللاند روفر» النادرة، سيارات السائحين الذين يجازفون للوصول إلى هنا. لافتة إرشادية: منابع النيل ←200 م. درب شديد الوعورة يؤدى إلى ركام من الحصى، حيث ينبجس من بين صخرتين جدول ماء رفيع. بداية تُحجز مياه المنبع فى حوض أسمنتيٍّ قبل أن تَصُب عبر شلال صغير فى جدول غير محدد، حيث نفقد أثره عبر أعشاب المصب وتحت أشجار السرخس التى يمتلئ بها الوادي. على يمين المصب، شُيد هرم نُقش عليه:«منبع النيل. بعثة كوك 1924» الهرم ليس شاهقًا: تلمس بنات الليسيه دون مجهود قمته المتكسرة، يقلن إن ذلك يجلب لهن سعادة. لكن ليس من أجل الهرم تأتى بنات الليسيه إلى المنبع. لا تذهبن هناك فى نزهة جبلية، بل تذهبن هناك للحج. يقع نصب نوتردام النيل بين الصخور الضخمة التى تطل على المنبع. ليس كهفًا على الإطلاق. كان التمثال مصونًا داخل محرس من الصفائح المعدنية. وعلى القاعدة، نقش: «نوتردام النيل، 1953». إنه «المونسينيور» النائب الرسولى الذى قرر تشييد التمثال. كان قد نال الملك من البابا المباركة بتكريس البلد للملك المسيح. ولقد أراد المطران أن يكرس النيل للعذراء.

لا نزال نتذكر مراسم الافتتاح. الأخت «كيزيتو» الطباخة العجوز شبه العاجزة، كانت هناك. كل عام، تصنع من ذلك حكاية للتلميذات الجدد. نعم، إنها مراسم رائعة، كالتى نراها فى الكنيسة، فى العاصمة، فى عيد الميلاد، أو فى الإستاد، يوم العيد الوطني.

لقد كان المندوب المقيم ممثلًا، بينما كان المدير موجودًا، تحوطه حاشية من عشرة جنود. أحدهم كان معه بوق، وآخر يحمل علم بلجيكا. كان هناك الرؤساء ونواب الرؤساء وزعماء القبائل المجاورة، يصطحبون نساءهم وبناتهم بتسريحات شعر عالية مزدانة باللؤلؤ، وراقصيهم الذين يحركون أعرافهم كالأسود البواسل، وبشكل خاص قطعانهم من أبقار النيامبو طويلة القرون التى كانت قد زُينت بأكاليل الزهور. كان يغطى المنحدر حشد من الفلاحين. ما كان ليخاطر بِيْضُ العاصمة بالسير فى هذا المدق السيئ الذى يؤدى إلى المنبع. لم نلحظ سوى السيد «فونتوناي»، يجلس بجانب المدير، أتى صاحب مزرعة البن يجاورهما. إنه الموسم الجاف. السماء صافية. فوق القمم ليس هناك أتربة.

انتظرنا وقتًا طويلًا. أخيرًا لمحنا، على درب التل، طابورًا طويلًا حيث تعلو همهمة من الصلوات والتراتيل. شيئًا فشيئًا أخذنا نميز النائب الرسولى الذى تعرفنا عليه من قلنسوته وصولجانه. بدا كأحد ملوك المجوس الذين يظهرون فى كتاب تعليم الدين المسيحي. يتوالى التبشيريون: كانوا يعتمرون، كحال كل البِيض فى تلك الفترة، خوذة المستعمر، لكن كانت لهم لحًى ويرتدون أثوابًا طويلة بيضاء مرصعة بمسبحة كبيرة. فرقة أطفال فيلق مريم فرشت المدق بأوراق الزهور الصفراء. ثم أتت العذراء. كان يحملها أربعة من الإكليريكيين، بسروال قصير وقميص أبيض، على محفة من شرائح البامبو المجدولة والتى ينقل عليها الزوجة الشابة لأسرتها الجديدة أو الموتى نحو مثواهم الأخير. لكننا لم نتمكن من رؤية المادونا (1) التى كانت متدثرة بحجابٍ أزرق وأبيض. فى الخلف يتدافع «رجال الدين الأصليون» ثم، يسبقها رايتها وعلم البابا الأصفر والأبيض، تتشاجر جماعة تعليم الكتاب المسيحى التي، على الرغم من عصيّ الموجهين، تشتتت على المنحدرات خارج الدرب.

وصلت المسيرة إلى الوادي، حيث ينبجس المنبع. نستودع محمل المادونا التى لا تزال مخفية تحت الحجاب بالقرب من غدير الماء الصغير. وصل المدير أمام النائب الرسولى وأدى تحية عسكرية. تبادلا بضع كلمات فيما كان الموكب يستقر حول المنبع وحول التمثال الذى كان قد رُفع على قاعدة عمود صغيرة. النائب الرسولى واثنان من الكهنة التبشيريين صعدوا خمس خطوات. بارك المطران الجمع ثم استدار نحو التمثال، وتلا صلاة باللغة اللاتينية التى يردد بها الكاهنان. حينئذ، إثر إشارة من المطران، أماط أحد المساعدين اللثام فجأة عن التمثال. جلجل البوق، انخفض العلم. جلبة كبيرة اجتازت الحشد. ملأت النساء بصرخات الفرح الحادة الوادي، حرك الراقصون أجراس كواحلهم. العذراء التى بزغت من الحجاب كانت تشبه بالفعل عذراء لورد (2) وفقًا لصورة العذراء التى استطعنا رؤيتها فى كنيسة الإرسالية، نفس الحجاب الأزرق، نفس النطاق اللازوردي، نفس الثوب الضارب فى الصفرة، لكن نوتردام النيل كانت سوداء، وجهها أسود، يداها سوداوين، قدماها سوداوين، نوتردام النيل كانت سيدة سوداء، افريقية، رواندية، لم لا؟ « إنها إيزيس، صاح السيد «فونتوناي»، لقد عادت!»

بقارورة مفعمة بالحيوية بارك النائب الرسولى التمثال، بارك المنبع، بارك الحشد. ألقى عظته. لم نفهم كل شيء. كان يتحدث عن العذراء المقدسة التى تُدعى هنا نوتردام النيل. قال: «قطرات هذا الماء المقدس تمتزج بالمياه المنبثقة من النيل، تمتزج بتدفقات المجارى المائية الأخرى لتصبح نهرًا، عابر البحيرات، عابر المستنقعات، متدحرجًا عبر الشلالات، مقتحمًا رمال الصحراء، راويًا صوامع الرهبان القدماء، واصلًا إلى قدم أبى الهول المدهوش، إنها كما لو كانت هذه القطرات المقدسة، بنعمة نوتردام النيل، سوف تُعمّد افريقيا كلها وإنها، افريقيا التى أصبحت مسيحية، سوف تنقذ هذا العالم من الهلاك. وأنا أرى، نعم أنا أرى، هذه الحشود من كل الأمم ستأتى للحج، ستأتى للحج فى جبالنا، لتقدم الشكر لنوتردام النيل».

بدوره تقدم الزعيم «كياتار» أمام قاعدة التمثال واستدعى بقرته «روماتو» التى قدمها لملكة رواندا الجديدة. لقد مزج مديحها بمديح مريم قائلًا إنها سوف تجلب اللبن والعسل الوفير. صيحات سرور النساء وصلصلة الأجراس تنسجم مع الهبة كفأل حسن.

بعد بضعة أيام، أتى عدة عمال من الإرسالية لتشييد منصة بين الصخرتين الضخمتين، فوق المنبع. ولقد وضع عليها التمثال وحُفظ فى محراب من الصفيح. وبعد ذلك بكثير، على بعد كيلومترين من هنا، شُيدت الليسيه. بالضبط للاستقلال.

ماء المنبع المقدس، ربما تمنى النائب الرسولى أن يصبح إعجازيًا، كماء كنيسة لورد. لكن لا يحدث أى شيء هناك. ليس هناك سوى «كاجابو» المعالج والسمام- إنه كما نريد- الذى يملأ أباريق صغيرة سوداء على شكل القرع. يغمس فيها جذور ذات أشكال مثيرة للقلق، جلود ثعبان مسحوقة، خصلات من شعر أطفال ولدوا ميتين، دم جاف من حيض البنات الأول. إنه من أجل الشفاء، إنه من أجل الموت. إنه على حسب.

لفترة طويلة، زينت صور مراسم تنصيب التمثال الردهة الطويلة التى كانت بمثابة غرفة انتظار الزوار أو أولياء أمور التلميذات الذين كانوا قد طلبوا لقاء الأم الرئيسة. الآن لم يعد يتبقى منها سوى واحدة: تلك التى نرى فيها النائب الرسولى وهو يبارك التمثال. والأخريات لم نعد نستدل منها إلا على آثار الرسومات المستطيلة، وتقريبًا باهتة جدًا، حيث إنها كانت قد تركت خلف الكنبة المصنوعة من الخشب الصلب، دون وسائد، والتى كانت تستدعى إليها التلميذات التعسات من قبل المرعبة الأم الرئيسة دون أن يجرؤن حتى على الجلوس. ومع ذلك لم تكن قد دمرت الصور. كان قد عثر عليها كل من «جلوريوزا» و«موديستا» و«فيرونيكا» يوم أن كن قد كلفن بإزالة التراب عن المكان، فى طرف المكتبة، حيث تتكدس السجلات. هناك، تحت كومة من الجرائد والمجلات القديمة «كينياماتيكا، كوريريرا، إيمانا، لامي، جراند لاك،.. إلخ» اكتشفن الصور، إلى حدٍ ما صفراء اللون، ومكرمشة، بعضها لا يزال تحت لوح زجاج مكسور. كانت هناك صورة المدير وهو يؤدى التحية العسكرية أمام التمثال بينما، خلفه، ثمة جندى كان يخفض العلم البلجيكي. كانت توجد صور راقصى الأنتور (3)، ضبابية بعض الشيء، لأن المصور، غير البارع، كان يريد أن يلتقط قفزتهم المدهشة فى الجو، على الرغم من أن العُرف الليفى وجلد النمر كانا يلفانهم بهالة شبحية. ثم كانت هناك صور الزعماء وزوجاتهم فى أبهة كبيرة. كانت معظم هذه الشخصيات الرفيعة موضوع عليها علامة ضخمة بالحبر الأحمر وبعضها تخفيه علامة استفهام بالحبر االأسود.

– عانت صور الزعماء «الثورة الاجتماعية»، قالت «جلوريوزا» وهى تضحك. جرة قلم، ضربة ساطور ثم تفو… انتهى التوتسي. (4)

– وهؤلاء الذين عليهم علامة استفهام؟ سألت «موديستا».

لابد أنهم من نجحوا فى الهرب، للأسف! لكنهم الآن فى «بوجومبورا» أو فى «كمبالا» حيث الزعماء الكبار فقدوا أبقارهم، ولم يعودوا فخورين، إنهم يشربون الماء كالمنبوذين الذين أضحوهم. فلآخذ الصور. سوف يستطيع أبى بالفعل إخبارى من سادة السوط هؤلاء.

سألت «فيرونيكا» متى- حول صورة الفصل التى تؤخذ كل عام عند العودة- سوف يوضع عليها هى أيضًا علامة حمراء.

بالنسبة لتلميذات نوتردام النيل، الحج الأعظم، فى مايو. شهر مريم. إنه يوم طويل ورائع، يوم الحج. تستعد له الليسيه قبله بفترة طويلة. ندعو حتى تكون السماء رءوفًا. الأم الرئيسة والأب «هيرمينيجيلد»، القس المقيم بالليسيه، أصدرا أمرًا بالعبادة التاسوعية. دعيت كل الفصول للانتقال بالتناوب إلى المصلى للابتهال إلى السيدة العذراء المباركة: حيث فى ذلك اليوم، طردت الغيوم! على أى حال، فى مايو، من الممكن، أن تتباعد الأمطار قليلًا، يقترب موسم الجفاف. الأخ «أوزيل» إذا (هو الذى ينحنى عند الحاجة على الأمعاء الزيتية للمولدات ومحركات شاحنتى التموين، والذى يجعجع بلهجته الغنتية فى صبيان الميكانيكية أو السائقين، والذى يعزف آلة الأرغن ويقود الكورس)، الأخ «أوزيل» ، منذ شهر، يردد التراتيل التى ألفها على شرف نوتردام النيل. المعلمون البلجيكيون والشبان الفرنسيون الثلاثة المتعاونون تضرعوا بلجاجة للمشاركة فى المراسم. أخبرت الأم الرئيسة سرًا هؤلاء الأخيرين بأنهم سوف ينالون الكثير من الاحترام بارتدائهم بدلة وربطات عنق، وسوف يكونون متوافقين مع احتفالية اليوم أكثر دون هذه البناطيل ذات النسيج الخشن التى تسمى بلو جينز، وإنها تعتمد على هيئتهم المحترمة لتضرب المثل الرائع للتلميذات. الأخت المديرة- والتى نسمع جلجلة صرة المفاتيح المعلقة بحزامها الجلدي– ذهبت لتختار من المخزن علب الأطعمة المحفوظة من أجل النزهة الخلوية: بيفي، سردين، مربات، جبنة الكرافت. وأخذ ذلك منها جزءًا كبيرًا من الليل. وأحصت بدقة صناديق فانتا البرتقال بالنسبة للتلميذات وبعض زجاجات البريموس المخصصة للقس المقيم، وللأخ «أوزيل»، وللأب «أنجلو»، أب الإرسالية المجاورة الذى كان قد دُعي. أما بالنسبة للأخوات الروانديات، المعلمات والمشرفات فقد خصص لهن قنينات مكسوة بالقش من نبيذ الأناناس، وشيء خصوصى للأخت «كيزيتو» التى حفظت بعناية قصوى سر قائمة الطعام.