مستويات التعامل مع نصوص الفلسفة السياسية تأملات سارتر لليهودية نموذجا د. حاتم الجوهرى   قرأت عرضا نقديا جيدا، للصديق العزيز أ. طلعت رضوان فى جريدة «القاهرة» عدد 9 أغسطس الماضى

255-5e31937446eb891c914d3992a6763ec6

مستويات التعامل مع نصوص الفلسفة السياسية

تأملات سارتر لليهودية نموذجا

د. حاتم الجوهرى

 

قرأت عرضا نقديا جيدا، للصديق العزيز أ. طلعت رضوان فى جريدة «القاهرة» عدد 9 أغسطس الماضى يتناول فيه ترجمتى لكتاب سارتر «تأملات فى المسألة اليهودية»، ودراستى النقدية له المعنونة بـ«سارتر بين الصهيونية وسلب الحق الوجودى للفلسطينيين» التى اعتمدت على المصادر والمراجع العبرية والعربية والإنجليزية، وفى واقع الأمر أجد مقالته المعنونة بسارتر ودفاعه عن الصهيونية، جيدة إلى حد بعيد إلا أنه أهمل طبيعة متن الكتاب كنص كلاسيكى ينتمى للفلسفة السياسية، ونصا تاريخيا له سياق مؤسس لموقف أوروبا المبكر الداعم للصهيونية.

إسقاط مستوى الفلسفة من النص

أهم ما وقع فيه كاتب المقال أنه أراد التعامل مع متن الكتاب وخطابه العام معتمدا على المستوى والفهم اللغوى المباشر فقط لنقلى محتواه «مهملا مستويات التلقى الأخرى وطبقات النص»! وهذا بالطبع سقطة كبرى فى تناول نصوص الفلسفة السياسية، بما تحتويه من مصطلحات فلسفية وسياسية تكون لها دلالاتها الخاصة فى مقاربة النص! فبداية توقف المقال أمام فقرة من متن الكتاب تتحدث عن «الأصالة اليهودية» وشعر حيالها بالارتباك وعدم استيعاب المقصود من سارتر!

هذا لأنه تعامل مع «الأصالة» على مستواها اللغوى فقط، دون دلالتها الفلسفية فى مجمل مقاربة سارتر للمسألة اليهودية! استخدم سارتر على مدار النص «الجدل» الذى يقوم على استخدام فكرة ونقيضها لإبراز المعنى المراد، ومن ضمن ثنائيات الجدل التى طرحها سارتر ليدفع اليهودى نحو التحرر من أسر الاضطهاد الأوروبى التاريخى؛ كانت ثنائية أو جدل: الأصالة/ عدم الأصالة، حيث يرى سارتر أن اليهودى الأصيل هو الذى سيواجه العالم بحقيقته اليهودية، فى حين أن اليهودى غير الأصيل سيتنكر لطبيعته ويحاول إخفاء هويته، حيث ستؤدى الأصالة والبحث عن الذات اليهودية فى النهاية لموقف جماعى عبرت عنه الصهيونية من وجهة نظر سارتر.

إهمال السياق التاريخى للنص

ولأن المقالة وقفت عند المستوى اللغوى المباشر للنص، ولم تتعمق فى المستويات الأخرى، التى من أهمها مستوى السياق التاريخى والظروف التى كتب فيها! يقف كاتب المقالة عاجزا إزاء فهم تناقضات «الأصالة» وانعكاسها على موقف اليهودى الفرنسى «الذى كان الدافع المباشر لكتابة سارتر للكتاب»، فيقول سارتر فى فقرة اجتزأ منها المقال ولم يوردها كاملة؛ إن أزمة اليهودى الفرنسى عميقة لدرجة أن أى قرار سيأخذه قد ينقلب ضده! فإذا أراد البقاء فى فرنسا بقية اليهود الصهاينة سوف يتهمونه بعدم «الأصالة»! كما أن وجود المشروع الصهيونى ذاته سيكون مبررا للفرنسيين المعادين لليهود لتأكيد أن فرنسا ليست وطنا أصيلا لهم! هنا يقول سارتر فى التدليل على أزمة اليهودى الفرنسى إن اليهودى الفرنسى الذى يريد البقاء فى فرنسا أرض آبائه سيكره الصهيونية، لما أعطته من مبرر للفرنسيين المعادين لليهود من حجة لطردهم نحو فلسطين! ناهيك عن كراهية اليهود الصهاينة لهم بدعوى عدم الأصالة وعدم تبنيهم المشرع الجماعى المحرر ليهود أوروبا من وجهة نظر سارتر!

عودة لإسقاط الفلسفى

وفى فقرة أخرى أوردها كاتب المقال مجتزأة أيضا، حاول تطبيق الدلالة الدينية وما ورد فى «العهد القديم» لمقاربة البعد السياسى الفلسفى لخطاب سارتر، والحقيقة أن تداخل المستويات والدلالات فى النصوص الفلسفية، يكون فى حاجة لتأن وبعض الروية فى الانتقال بين مستوياتها! ففى هذه الفقرة التى أشار لها المقال يقدم سارتر مقارنة بين مجتمع يهود فرنسا وبين عودتهم لمجتمع «إسرائيل» «فلسطين»، فى مشروع صهيونى يقوم «موقف» جماعى فى مواجهة الاضطهاد الأوروبى، ويؤكد سارتر على فكرة «الموقف» كفعل وجودى يجمع يهود الصهيونية؛ مؤكدا أهمية هذا «الموقف» كمحدد للهوية الصهيونية فى مواجهة محددات موروثة أخرى لا يعطيها أهمية مثل: الأمة، والأرض، والدين، والمصالح المادية!

وهنا لم يتواصل كاتب المقال مع الفقرة لأنه لم يعط لفلسفة سارتر حقها فى خلفية النص! «الموقف» و«الاختيار الحر» هما أساس الفلسفة الوجودية كما يراها سارتر الذى يرى أن الوجود الحقيقى لا يستسلم للموروثات الجاهزة والأطر المسبقة والأنماط الشائعة التى تفرضها الجماعة «كالدين والعرق واللغة أو المصلحة»، بل يرى أن اختيارات الفرد ومسئوليته و«موقفه» هى محدد الهوية الأول فى العالم، وهو ما طبقه على تصوره للصهيونية الوجودية، وما لم يستطع كاتب المقال التواصل معه فى النص.

الارتباك فى توظيف الفهم الدينى مع السياسى فى النص

وفى الفقرة نفسها، يتساءل المقال عن استخدام سارتر كلمة «إسرائيل» وقت كتابة الكتاب وقبل إعلان الدولة عام 1948 وقرار التقسيم عام 1947! وهو هنا يهمل السياق والبعد السياسى للمشروع الصهيونى الذى طرح عدة أسماء للدولة المتصورة على أرض فلسطين العربية منها: عيبر، صهيون، أرض إسرائيل، يهودا.. واستقر الاختيار على «أرض إسرائيل»! لذا فاستخدام سارتر اسم «إسرائيل» يتماشى مع البعد والسياق السياسى للمسألة! ويقوم فى الفقرة نفسها بالاستشهاد بالعهد القديم وتفرقته بين اسم «فلسطين» و«إسرائيل» وذكره الفلسطينيين وبنى إسرائيل والصراعات بينهما، كدليل على ارتباك سارتر من ناحية، وعلى ارتباكى – كمترجم – من ناحية أخرى خاصة حينما استخدمت هذه الفقرة وأشرت فى الهامش لأنها تدل على موقف سارتر من الصهيونية وعودة اليهود لاحتلال فلسطين! ناقدا استخدامى لاسم فلسطين.. ليستشهد أن ذلك خلط عندى من جهة ومن جهة أخرى يعد ارتباكا فى الترجمة وركاكة فى صياغة الفقرة!! والحقيقة أن عدم قدرة كاتب المقال على تلقى النص وتوظيفه لمستويات التلقى المتعددة وطبقات النص أوقعته فيما ذهب إليه!

مقاربة سارتر للمسألة اليهودية

كتب سارتر الكتاب وهو وثيقة مهمة للغاية فى فهم تاريخ التعاطف الأوروبى مع الصهيونية ودوافعه ومنطلقاته التاريخية والفلسفية، كتبه قرب نهاية الحرب العالمية الثانية، دعما ليهود فرنسا الذين لم يعطهم المجتمع حقهم بالشكل الأمثل عند الحديث عن عودة اللاجئين الفرنسيين لبلادهم. والكتاب فى مجمله رد فعل على أزمة أوروبا مع الوجود اليهودى على أرضها انطلاقا من العصور الوسطى، وقد صور سارتر المسالة اليهودية على أنها أزمة «صورة نمطية» موروثة عند الأوروبيين، واعتبر أن المشكلة اليهودية مرجعها غياب «الحرية الوجودية» وحرية الاختيار ليهود أوروبا والعالم، التى وضعهتهم فى «قالب نمطى»! فهو يرى أن العالم هو الذى يعامل اليهود بشكل يجبرهم على التصرف كيهود، هو يرى أن المشكلة فى العالم وليست فى اليهود!

التحرر اليهودى الوجودى والصهيونية

من ثم اعتبر سارتر أن التحرر الوجودى لليهود سيتمثل فى «موقف جماعى حر» إزاء العالم، هذا الموقف الفاعل المسئول مثلته الصهيونية من وجهة نظر سارتر واحتلال فلسطين! التى اعتبر أنها الموقف الأصيل والذاتى والعاطفة الحق ليهود أوروبا والعالم. واعتقد سارتر كذلك فى جدلية «العبد والسيد» عند هيجل وضرورة تمرد اليهود بالقوة والعنف حتى يكتسبوا سمات «السيد» ويتخلصوا من طباع «العبد»!

نقد مقاربة سارتر

كان علىّ أن أقف كثيرا أمام الأطروحة، وأسعى لامتلاك الخلفية المعرفية الكافية لنقل النص للعربية من جهة ونقده من جهة أخرى، فوقفت كثيرا لفهم أبنية سارتر فى الوجودية وعلاقتها بالسياق الأوروبى بمختلف أنساقه، وقدمت تحقيقا للترجمة ومصطلحاتها وأحداثها وأسماء الأعلام الواردة فيها، بذلت فيه جهدا قد يوازى الترجمة نفسها لاعتماد سارتر على بنية الثقافة الفرنسية فى تقديم استشهاداته ومضرب أمثلته! ورأيت أن أطروحة سارتر ومقاربته للمسألة من الخطورة بما يستلزم مواجهتها بخطاب معرفى مضاد يقف على المستوى نفسه، من خلال عدة مصادر متنوعة؛ أولا: موقفه فى كتابه، ثانيا: ما ذُكر فى المصادر العربية، ثالثا: ما وَرد فى المصادر الصهيونية العبرية، رابعا: ما جاء فى المصادر والدراسات الغربية المكتوبة باللغة الإنجليزية. أردت أن أضع كل الأطراف فى المواجهة، وأقارنها ببعضها البعض، لأخرج بالحقيقة الموثقة التى تبين موقف سارتر باستخدام المنهج النقدى التحليلى المقارن.

سارتر بين الصهيونية وسلب الحق الوجودى للفلسطينيين

من هنا اهتمت دراستى – بدورها – بجانب فلسفى كان هو المدخل النظرى الرئيسى لها، و«الفرضية المضادة» لأطروحة سارتر التى تفترض أن الصهيونية هى الموقف الوجودى الحر المشترك ليهود العالم! من خلال الكشف عن: «السلب الوجودى» الذى تعرض له الفلسطينيون، وحجم المأساة الوجودية التى تسبب فيها «اختيار دعم الصهيونية» للفلسطينيين، من جانب أوروبا وسارتر.. من هنا أخذت الدراسة اسمها الذى يعبر عن الفرضية المضادة لأطروحة سارتر، والمدخل النظرى للدراسة النقدية للترجمة، تحت مسمى: «سارتر بين الصهيونية وسلب الحق الوجوى للفلسطينيين».

موقف سارتر من العرب والقضية الفلسطينية

وبعد بحث وفى خاتمة الدراسة أجملت موقف سارتر من الصراع العربى الصهيونى، وموقفه من العربى الفلسطينى إلى ثلاث مراحل: الإنكار والتجاهل – المضْطَهِد العدوانى – الضحية المظلوم، المرحلة الأولى: مرحلة الإنكار والتجاهل، وهى فترة تأليف الكتاب حيث كان مدفوعا بأحداث الاضطهاد النازى، وإحساس الذنب تجاه اليهود الذى أعماه عن رؤية حقيقة موقفه المتحيز الذى ينصر اليهود على حساب جماعة إنسانية أخرى سلبها حقها الوجودى الحر. المرحلة الثانية: المضْطَهِد العدوانى وهى مرحلة الصدام والمواجهات وإعلان الدولة الصهيونية، التى ظل متأثرا فيها بأحداث اضطهاد اليهود فى أوروبا من جانب النازى، فأسقط صورة النازى على العربى، رغم أن العربى كان يدافع عن أرضه ووجوده الإنسانى. المرحلة الثالثة: الضحية المظلوم وهى المرحلة المتأخرة من حياة سارتر، التى أصبح فيها تجاهل الحق والوجود العربى حرجا إنسانيا لا يستطيع تجاهله، ولا يستطيع فى الوقت نفسه الاعتراف الكامل بالظلم البين الذى وقع عليه، حين سلبه حقه فى الوجود الحر! فاصطك لنفسه موقفا توفيقيا يحفظ ماء وجهه – نوعا – معتبرا أن العربى قد وقع عليه الظلم مثله مثل اليهودى فى أوروبا؛ لكن عليه ان يقبل بنوع من الوجود يكون فيه لـ«إسرائيل» الهيمنة الوجودية!

مشروع عربى غائب

وفى النهاية لا يسعنى سوى تأكيد أهمية مشروع علمى عربى جاد قادر على أن يقدم «الظهير الثقافى» لموقف الحق العربى، من خلال ترجمة النصوص المؤسسة للموقف الغربى الداعم للصهيونية، وأن تصحب هذه الترجمات بدراسات محققة؛ نقف على ما أسميه تخوم «دراسات التدافع الحضارى» وتستطلع إمكانياتنا وتستبصر المستقبل وسيناريوهاته. ولا يفوتنى أن أشكر الأستاذ طلعت رضوان على جهده فى محاولة التواصل مع متن الكتاب، وإنما أدعوه لقراءة أخرى مدققة وأكثر انفتاحا على النص ومستوياته الثرية المضمرة، وعلى أطروحتى المضادة والمقابلة لأطروحة سارتر فى «النص النقدى الموازى» الذى سبقت به الترجمة.