سامح فايز هدوء يخيم على قرية البرشا، درجة الحرارة المرتفعة دفعت الجميع لالتزام بيوتهم. خمس ساعات مرت منذ خرجت من محافظة القاهرة متوجها إلى قرية البرشا فى مركز ملوى بمحافظة

يوستينا سمير

 سامح فايز

هدوء يخيم على قرية البرشا، درجة الحرارة المرتفعة دفعت الجميع لالتزام بيوتهم. خمس ساعات مرت منذ خرجت من محافظة القاهرة متوجها إلى قرية البرشا فى مركز ملوى بمحافظة المنيا، بضع خطوات قطعتها داخل القرية حتى ظهرت من احد الشوارع الجانبية مجموعات من الأطفال بمصاحبة فتيات وشباب يغنون فى الشارع، تصحبهم يوستينا سمير مؤسسة فرقة مسرح بانوراما البرشا. خرج المزارعون من بيوتهم يشاهدون الأطفال فى الشارع، ربما منذ أعوام قليلة قبل ثورة يناير 2011 لم يتوقع المزارعون البسطاء فى إحدى القرى الفقيرة فى جنوب مصر أن تأتى عروض المسرح حتى أبواب منازلهم.

بانورما البرشا

يوستينا سمير التى أحبت المسرح منذ طفولتها التحقت بمسرح الكنيسة فى مدينتها، وبعد بضع سنوات انتقلت إلى مسرح خاص لمدة عام تعلمت فيه أكثر عن فنون المسرح، تسرد يوستينا إحدى الجمل التى علقت فى ذهنها لفتاة من احد عروض مسرح الشارع:”أنا نفسى أحب وأتحب بس إزاى وأنا فى قرية بتمنعنى من كده وتحرمنى من أبسط حقوقي، هتحاكموا مين؟ حاكموا القرية اللى أنا فيها” تقول يوستينا:”دايما بفتكر الجملة دي؛ اتقالت فى عرض «محاكمة القرية»، كان عرض عن مشاكل الفتيات بطريقة صريحة ومختلفة، وده كان بداية تفكيرنا فى مسرح الشارع اللى اخترنا من خلاله نتكلم عن قضايا صعب إننا نتكلم فيها فى القرية”.

مسرح الشارع من التجارب الفنية التى انتشرت فى مصر بداية التسعينات من القرن العشرين لمواجهة عجز الامكانات أو وجود المسارح المجهزة وأيضا غياب الجمهور عن المسرح، فكان الانتقال بالعروض إلى الشارع تخطيا للصورة التقليدية للمسرح فى ذلك الوقت، وهى نفس الأسباب التى دفعت يوستينا لتقديم عروضها المسرحية فى شوارع قريتها، وعن ذلك تحكى يوستينا: ”فى فريق بانوراما البرشا كان حلمنا إنه يكون غير مقيد بأى حاجة أو بأى سلطة ويوصل للناس بسهولة خاصة ان الناس فى القرية بسيطة وصعب تقنعها تدفع تمن تذكرة وتيجى تحضر عرض بسبب الظروف المعيشية، لكن سهل إنك تروح للناس وتوفر لهم الفن ده ويأثر فى حياتهم ويناقش مشاكلهم المجتمعية”.

مسرح الشارع

انتقلت بين وسائل نقل مختلفة على مدار خمس ساعات متواصلة حتى أصل إلى قرية البرشا، قرية تقع على أطراف جبال صحراوية تعداد سكانها تجاوز الـ26 ألف شخص، وفى منزل بسيط داخل القرية فى الطابق الثانى غرفة صغيرة هى مقر تدريبات الفرقة، التى تجاوز عدد أعضائها منذ تأسيسها عام 2011 مائة عضو: 50 % منهم أعمارهم أقل من 13 عاما، التقيت بمجموعة منهم كن فتيات، تراوحت أعمارهن ما بين السادسة عشر والعشرين عاما، على أرضية الغرفة جلسن. وبدأن فى الحكي.

مارتينا حنا انضمت للفرقة بعد ثورة يناير 2011، لم تكمل تعليمها الجامعى وهو شىء طبيعى فى القرى المصرية خاصة فى الجنوب، لا تهتم الأسر بتعليم الفتيات، والزواج فى سن صغيرة هو مصيرهن الدائم – تجيب عن سؤال حول سبب انضمامها لفرقة مسرح البرشا قائلة:”الفضفضة، بقدر أقول على المسرح اللى بخاف أقوله فى الحقيقة، بتكلم براحتى بدون خوف”.

مارينا سمير وماجدة مسعود ومارتينا جرجيوس ومونيكا حنا جميعهن قلنا كلاما مشابها، اختلفت العبارات لكن المعنى واحد: ”نستطيع أن نقول فى عروضنا المسرحية فى الشارع ما نخاف أن نقوله فى حضرة العائلة والأصدقاء”. كان أول عروضهن فى مسرح الشارع بعنوان “محاكمة القرية” قدمنه فى شوارع قرية البرشا، تحدثون فيه عن زواج الفتيات فى سن صغيرة وعن ختان الإناث وحاكمون فيه القرية عن كل ما يسىء للفتاة، عن العرض الأول تقول يوستينا:” أحدث العرض ردود فعل متفاوته خاصة أنه اتسم بالجرأة وهوجم بشدة فى ذلك الوقت من أهل القرية، لكن الهجوم فى أغلبه كان سببه أن مسرح الشارع ليس مألوفا لأهل القرية، بمرور الوقت عرف الناس ذلك الفن، وتقبلوه”.

مونيكا حنا فتاة فى الثامنة عشر من عمرها كان لها حلم مع المسرح أكبر من مجرد الفضفضة، تقول:”نفسى أسافر القاهرة وأمثل فى أفلام مع نجوم معروفين”. ابتسامة وجرأة تميزت بهما مونيكا، نفس الابتسامة والجرأة اللتين تظهران على وجوه جميع فتيات الفرقة، يقلن عن ذلك: ”كلنا كنا بنتكسف نتكلم عن نفسنا قدام حد، أو نتعرف على ناس جديدة، لكن بعد ما اتعرفنا على المسرح الوضع اختلف، بنقدر نقول ونعبر عن كل اللى عاوزينه”.

الفضفضة

فرقة مسرح بانوراما البرشا ليست مجرد فرقة مسرحية، لكنها سبيل فتيات وشباب القرية لأن يغيروا من ذاتهم إلى الأفضل، ربما أصبح علاجا، فى الطب النفسى يستخدم المسرح كعلاج أو ما يطلق عليه السيكو دراما، وهو مصطلح يطلق على نوع من أنواع العلاج النفسى الذى يجمع بين الدراما كنوع من أنواع الفنون وعلم النفس. تقوم على مساعدة الشخص أن يخرج مشاعره وانفعالاته خلال أداء أدوار تمثيلية لها علاقة بالمواقف التى يعايشها حاضرا أو عايشها فى الماضى أو من الممكن أن يعايشها فى المستقبل. ربما لا يتعامل أطفال قرية البرشا مع فرقتهم بهذا المعنى، هم فقط يحبون المسرح كوسيلة للفضفضة، وتساعدهم فى العروض بالتدريب يوستينا سمير كوسيلة لمناقشة قضايا مجتمعية تهم القرية بطريقة غير مكلفة، لكن السيكو دراما فى طبيعتها تستخدم لعلاج الصدمات العاطفية للأطفال الذين تعرضوا للعنف أو لمواقف شبيهة. فالهدف من السيكو دراما هو إيجاد حلول للمشاكل عن طريق مساعدة الشخص فى فهم مشاعره عبر تجسيد الواقع بشكل تمثيلى تحاول إخراج الشخص من عزلته النفسية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كُتِبَت هذه المقالة في إطار مشروع (فوتور بيرفيكت)، الذي ينظمه معهد جوته، المعهد الثقافي الألماني ، بالتعاون مع مؤسسة (فوتور 2) والجريدة (القاهرة).

لمزيد من المعلومات عن المشروع، ولمزيد من قصص النجاح من كل أنحاء العالم www.goethe.de/futureperfect

 

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 842 الثلاثاء 30 أغسطس 2016