حكايات القاهرة وشوارعها عمرو عاشور   «للأماكن ذاكرة تحوى بداخلها تاريخ البشر» عن تلك الإشكالية يتحدث كتاب «القاهرة شوارع وحكايات» لمؤلفه الكاتب والروائى حمدى أبو جُليل، والذى يستعرض فيه تاريخ

777

حكايات القاهرة وشوارعها

عمرو عاشور

 

«للأماكن ذاكرة تحوى بداخلها تاريخ البشر» عن تلك الإشكالية يتحدث كتاب «القاهرة شوارع وحكايات» لمؤلفه الكاتب والروائى حمدى أبو جُليل، والذى يستعرض فيه تاريخ القاهرة منذ انشائها مع فتح العرب لمصر وحتى ثورة يوليو فى خمسة أبواب رئيسية سنقوم بعرضها لنتعرف على تاريخ القاهرة وأحيائها وأغرب ما جرى لها… وعن كتاب «القاهرة شوارع وحكايات» يصرح أبو جُليل لجريدة القاهرة… «عملت على هذا الكتاب لمدة ثلاث سنوات متواصلة، فى البداية كان عبارة عن تقارير تُنشر بشكل دورى بجريدة الاتحاد الإماراتية، بعدها بأعوام وخلال قراءة أخرى لتلك التقارير وجدت أننى أمام كتاب أعتقد أنه مهم يرصد تاريخ تلك المدينة العريقة، فأنا لم اكتفِ بالكتب والمصادر فى جمع المعلومات بل أثرت النزول إلى الأماكن المراد الكتابة عنها بصحبة الفنان أحمد اللباد الذى أخذ على عاتقه مهمة التصوير الفوتوغرافي، ليكتمل الكتاب ويأخذ طريقه إلى النشر، وقد تم طباعته بهيئة الكتاب ونفذ منه طبعتين لتستعد الهيئة لإصدار طبعة جديدة هذا العام» وكان نجاح الكتاب متوقع، فإن كاتبه روائى محترف قد استطاع أن يسخر موهبته فى الحكى ليسرد لنا التاريخ بشكل قصصى وممتع، ويبدأ الكتاب من قاهرة الولاة حيث كانت البداية…

قاهرة الولاة: عن قناة عمر وحمام عمرو..

فى عام 641م، ويقال فى 20 أو 21 هجريًا فتح عمرو بن العاص مصر، واستقر بالفسطاط جنوب «خليج أمير المؤمنين»، ولخليج أمير المؤمنين حكاية، فقديمًا كان الفراعنة قد شقوا أول مجرى ملاحى بمصر، وكان يشق القاهرة من شارع بورسعيد حاليًا ويمتد إلى السويس. غير أن عوامل المناخ والزمن جعلته جافًا لا يعمل، فلما استقر عمرو بن العاص ورأى ذلك المجرى الغريب شيع فى إبلاغ عمر بن الخطاب، فأمره عمر أن يعيد إعماله، ولكن ابن العاص اعترض، فتلك الطريقة سوف تشق البلد، غير أن أمير المؤمنين أصر فتم فتحه من جديد، وشهد السفن والبواخر ليكون أول قناة بمصر تحمل اسم عمر بن الخطاب. فى الجانب الجنوبى للخليج استقر عمرو بن العاص مع جنوده، وكانت تلك المنطقة تجمع أجناس مختلفة من البشر، فنجد الرومان والأقباط والشركس بجانب العرب، والرومان وكذلك الأقباط المصريون والشركس كان لهم باع فى فن العمارة بعكس البدو العرب الذين لا يعرفون شيئًا عن هذا الفن، بدءوا فى تقليد من حولهم، وبنى عمرو بن العاص أول عمارة له، وهى تعد أول مبنى انشأه العرب فى تاريخهم، وقد عرف العرب الحمامات أيضًا لأول مرة، فقرر ابن العاص أن يبنى حماما بداخل بيته، وكان الحمام صغير الحجم جدًا لقلة خبرة من بناه، فأطلق عليه المصريون «حمام الفقر» كناية عن بؤسه! ويُقال أيضًا ان أول منبر عرفه العرب كان بالفسطاط، فقد كان ابن العاص – كعادة الولاة – يخطب بالناس ولكن الناس بتلك المنطقة كانوا كثر فاضطر عمرو أن يعتلى جذع نخلة لتكون أول منبر أسلامي! واستمرت الفسطاط مركزا للخلافة حتى ظهور الدولة الفاطمية…

قاهرة الفاطميين: أول كمباوند تشهده مصر!

أما الحكم الفاطمى لمصر فقد امتد نحو 200 عام، وقد كانوا – الفاطميين – أكثر من أثر فى حياة المصريين من حيث العادات والتوجهات الفكرية، وقد استقروا على الجانب الغربى من «خليج أمير المؤمنين» فشيدوا قلعة للخليفة وجامع الأزهر وعدة قصور تخص الأمراء، ثم أحاطوا دولتهم بسور وبوابات عملاقة، وهى المدينة التى أسسها جوهر الصقلى على عهد الخليفة المعز لدين الله الفاطمي. ومن الجدير بالذكر أنهم منعوا الشعب من دخول تلك البقعة تحت أية ظروف، ليكون الشعب مكانه الطبيعى عند الفسطاط بينما الحُكام بداخل مدينتهم الصغيرة منعزلين، وقد أصبحت الفسطاط فى ذلك العهد مدينة للفنون والبهجة.

ومصر فى عهد الفاطميين اتخذت مكانة مختلفة تمامًا، فسابقًا كانت ولاية ضمن ولايات تابعة لمركز الحكم بالمدينة المكرمة مرة وبدمشق مرة ثم ببغداد أخيرًا. أما فى عهد الفاطميين فقد أصبحت مصر هى مركز الحكم وباقى الولايات من الشام للمغرب تابعة لها، ولعل ذلك ما جعل الفاطميين يعتبرون أن مصر موطنهم، فنبشوا قبور أجدادهم، واستخرجوا منها الرفات، وقاموا بدفنها مرة أخرى بمصر، لتكون أضرحة لا تزال منتشرة حتى اليوم بكل بقاع مصر، ولا يزال التبرك بها قائمًا من وقتها لوقتنا هذا!

الأيوبيون: مشروع طموح لم يكتمل..

ضعفت دولة الفاطميين وترهل حكمها كعادة الإمبراطوريات، وفقد الخليفة هبيته تاركًا الحكم لوزيره أسد الدين شيركوه، وقد كان صلاح الدين وقتها فارسا فى بلاط الخليفة، وكانت لأسرته دراية بالحكم لكن بلا شرعية، فوالده كان حاكمًا على ولاية بالشام. ومات أسد الدين ليبقى مكانه شاغرًا، فعين الخليفة صلاح الدين كوزير وأطلق عليه العاضد غير أن صلاح الدين انقلب على حكم الفاطميين، واقتحم مدينتهم الصغيرة مع جنوده، ودخل الأزهر بخيله فحبس الأسرة الحاكمة لينتهى عصر الفاطميين ويبدأ عهد الأيوبيين الذى استمر لـ 80 سنة…

وصلاح الدين كغيره من الحكام السابقين، ما إن تولى الحكم حتى شرع فى بناء سور يضم قاهرة المعز من القلعة للماكس – ميدان رمسيس حاليًا – وقد استعان بأمهر الخبراء، وقد وضعوا معايير للقلعة وتجارب منها أنهم علقوا لحما على بابها لمدة ثلاثة أيام دون أن يمسه العفن! كما أنهم راعوا أن يكون مكانا استراتيجيا ومحصنا لتكون أول قلعة حقيقية يتم بناؤها فى مصر! غير أن حكم الأيوبيين ولى دون أن يكتمل مشروع السور الذى ظل بقاياه موجودة حتى الآن..

وعن تلك الواقعة يوضح أبو جليل للقاهرة… «كل الحكام اهتموا بأماكن معيشتهم أكثر من اهتمامهم بالحكم ذاته، فأول ما يبادر ذهن الحاكم فور تملكه للحكم المكان الذى سوف يعيش فيه، كما أنهم كانوا يهتمون ببناء الأسوار ليس خوفًا من الأعداء فحسب لكن أيضًا لحماية أنفسهم من ثورة الشعوب، رغم أن الشعب المصرى تحديدًا لم يثر على حكامه غير مؤخرًا. غير أن هلع الحاكم من الشعب متلازمة تصيب من يجلس على العرش»..

المماليك: وأول منتجع رياضي!

وتمكن مماليك الملك الصالح من اعتلاء العرش بعد الحرب ضد التتار وموقعة عين جالوت الشهيرة، وقتها كانت الخلافة قد بدأت فى الانهيار الفعلى خصوصًا بعد الحروب الطاحنة مع التتار التى فتكت بدول الخلافة. وقد حكم المماليك مصر فى حدود الـ 500 عام، منذ عام 1250م تقريبًا، وهى أطول فترة حكم فى تاريخ تلك البلد، منها ما كان حكما من الباطن، ومنها ما كان بشكل مباشر، فمصر وحتى عهد المماليك كانت ضمن الخلافة الإسلامية، والخلافة تعنى أن الخليفة لا بد وأن يكون من نسل قريش إما عباسى أو فاطمى أو له نسب من آل البيت. غير أن المماليك فى الأصل مجهولى النسب! فكيف يحكمون إذن؟ وكانت تلك المشكلة تؤرق حكم المماليك من البداية، ولحل تلك المعضلة فقد استعان قطز – وهو المنقلب على توران شاه بعد حربه مع لويس التاسع – بأمير من نسل توران شاه، وعينه خليفة بشكل صوري، وترك له القلعة ليعيش فيها، وهو نفس ما فعله بيبرس، فالدولة لها خليفة لا علاقة له بالدولة، وعمله قاصر على خطبة العيدين بينما الحاكم الفعلى للبلاد هو السلطان المملوك، وظلت تلك الطريقة متبعة مع المماليك فيما بعد…

ودولة المماليك تبدأ من ميدان الرماية للقلعة وتصل إلى شارع الصليبة، تلك المنطقة كانت خالية تمامًا من أية معالم باستثناء جامع أحمد بن طولون فشيدوا فيها الجوامع والقصور، وكان لكل مملوك جامع باسمه. وعن سبب كثرة الجوامع فى عهد المماليك رغم أنهم لم يعرفوا بالتقوى إنما كانوا رجال حرب، يقول حمدى «أعتقد أن السبب فى بناء تلك الجوامع هو البحث عن الشرعية، فالمملوك يعلم جيدًا أنه حاكم غير شرعي، ولعل ذلك ما دفعهم أن يكثروا من بناء المساجد ويطلقون عليها أسماءهم! ولكن ما يحسب لهم أنهم أول من تجاوزوا خليج «أمير المؤمنين» وزرعوا بتلك المنطقة – وهى منطقة باب اللوق حاليًا – بستان يسمى بستان الدكة، وكان يعتبر أول منتجع رياضى خاص بالمماليك، فقد كانوا يمارسون رياضة تشبه الهوكى كثيرًا غير أنهم كانوا يمارسونها من فوق أحصنتهم!»…

الحملة الفرنسية بداية دولة القانون..

فى الوقت الذى كان فيه الاحتلال العثمانى لم يقدم أية شىء لذلك البلد، وأعتبر أن دوره قاصر على إخراج الدية والضرائب، كانت الحملة الفرنسية لمصر والتى استمرت لثلاث سنوات أو أقل قدمت الكثير والكثير، فـ «نابليون» حين دخل مصر كان على رأس حملته المئات من العلماء فى ميادين العلم المختلفة، وقد بدأ إقامته ببناء المجمع العلمى الفرنسى – المجمع العلمى حاليًا، والذى تم حرقه منذ سنوات – الذى كان يضم مجلسى الشورى والحكم… ويوضح أبو جليل قائلا: «الحملة الفرنسية غيرت من الشخصية المصرية، ولك وقعة توضح كم كان هذا الشعب مستعبدا ومُسخرا وتابعا. كان المواطن المصرى بمثابة حشرة يمكن أن يموت لأتفه سبب دون يسأل عليه أحد! لدرجة أن أول محكمة يشهدها المواطن المصرى منذ فتح عمرو بن العاص لمصر كان محاكمة سليمان الحلبى عقب قتله لكليبر، وقد كانت المحكمة وقتها مقامة فى المنيرة – حديقة دار العلوم حاليًا – وأن الناس احتشدت بدافع الفضول، إنها المرة الأولى التى يرون فيها محاكمة تُنصب وقاضيا ومحاميا ومتهما يدافع عن نفسه، حتى أنه كان لسان حالهم وقتها (يعنى إيه يحاكموه؟! ما يعدموه على طول وخلاص)!

إسماعيل: مؤسس القاهرة الأوروبية..

إسماعيل هو من ردم قناة أمير المؤمنين! وهو أيضًا من شق قناة السويس، وأنشأ مدينة الإسماعيلية، أما عن تأثيره على القاهرة فقد كان عظيمًا، فهو من ردم قناة أمير المؤمنين لتتسع القاهرة وتصل إلى قصر عابدين، وقصر عابدين كان يمتلكه مملوك فاشتراه إسماعيل، ولم يكن شيئًا حول القصر غير المقابر – شارع عبد العزيز حاليًا- وقرر إعمار تلك المنطقة، فتم نقل القبور، وتكومت عظامها بالمسجد حتى سُمى الجامع بـجامع العظام – وهو اسمه الحالي – ثم أسس ميدان إسماعيل باشا – ميدان التحرير حاليًا – وألحقها بدار الأوبرا المصرية، لتبدأ القاهرة عهدا جديدا بتخطيط من المهندس الفرنسى «هوسمان مان» الذى نقل أحياء أوروبا إلى وسط البلد.