وزير الثقافة الفلسطينى: نحن لم نخترع النكبة حوار: رشا حسنى   تبدو للوهلة الأولى خيارات الدكتور إيهاب بسيسو، وزير الثقافة الفلسطينى محيرة. ربما يراها البعض «متناقضات»، لكنها سرعان ما تنصهر

770088

وزير الثقافة الفلسطينى: نحن لم نخترع النكبة

حوار: رشا حسنى

 

تبدو للوهلة الأولى خيارات الدكتور إيهاب بسيسو، وزير الثقافة الفلسطينى محيرة. ربما يراها البعض «متناقضات»، لكنها سرعان ما تنصهر فى بوتقة واحدة لتقدم مثقفا موسوعيا قادرا على قراءة المشهد العربى بدقة والمساهمة فى رسم ملامحه.

بعد أن أتم بسيسو دراسته الثانوية بغزة حصل على بكالوريوس الهندسة المعمارية من بريطانيا وبعدها بسنوات نال درجتى الماجستير والدكتوراه فى الإعلام، وتولى عدة مهام ومناصب، حتى اختير فى ديسمبر الماضى وزيرا لثقافة دولة فلسطين.

لم يتخل بسيسو عن هويته كشاعر، اعتبرها الأبقى واستمر فى كتابة الشعر حتى أنجز أربع مجموعات شعرية.

هنا حوار معه على خلفية مشاركته فى عدة فعاليات بالقاهرة والاسكندرية، مهمة نشطت الحضور الفلسطينى بالساحة المصرية.

= درست الهندسة ثم اخترت استكمال الدراسات العليا فى الإعلام.. ما الرابط بينهما؟

– دراسة الهندسة المعمارية شكلت مدخلا أساسيا بتقديرى إلى عالم الابداع المعمارى وفنون العمارة التى لا تبتعد كثيرا عن الابداع الادبى وعن الحراك الاجتماعى والسياسى.

الهندسة كانت المدخل لى من خلال العمارة وما درسته من علومها وفنونها لكن كان هناك شغف داخلى يوازى هذا الشغف بالعمارة له علاقة بالاعلام والثقافة مما جعلنى أدخل عالم الاعلام بشكل مدروس فنلت الماجستير فى الاعلام الدولى ثم الدكتوراه عن الاستراجيات الإعلامية فى العلاقات الدولية.

الاحتفاء بالفنون والابداع والجمال تمثل القواسم المشتركة بين هذه السياقات المختلفة.

لم أعد أمارس الهندسة كمهنة ربما بقى منها رؤية فلسفية وحالة تمثل لى الكثير الاطلاع العمارة مهمة فى ترتيب الافكار والنظر للاشياء.

= مصر كانت احدى المحطات التى مررت بها.. هل اختلف المناخ العام عما كان عليه من قبل؟

– كنت ازور مصر كثيرا فهى بالنسبة لنا هى القلب النابض بكل المعانى فى الثقافة وبكل اشكال الفنون، هذا شكل جزءا من رؤيتى الثقافية نحن جيل نشأ على الأدب المصرى والابداع والسينما المصرية التى شكلت مدخلا لكثير من الفنون والتجارب على صعيد معرفة الأدباء.

كانت زياراتى دائمة لمصر لكن بحكم العمل فى بريطانيا كنت آتى لمصر باعتبارى مستشارا للصندوق الانمائى فى البى بى سى الدولى وكنا نعقد الندوات ودورات التدريب الاعلامية بخلاف الزيارات التى كنت أقوم بها للقاء أصدقائى فى مصر والاطلاع على الجديد فى النشر.. هى علاقة مستمرة لا يكاد يمر وقت دون أن اعود لمصر.

= الى اى حد اختلف المناخ العام عن الخمسينات مثلا، هناك تجربة ما زالت حاضرة للشاعر معين بسيسو، حيث كان ملتحما بالمشهد فى مصر سياسيا وثقافيا، حتى أنه كان شريكا فى تجربة الاعتقال التى عانها الشيوعيون المصريون وقتها؟

– حضور الشاعر الكبير معين بسيسو فى المشهد الثقافى الفلسطيني، بقامته الكبيرة واسهاماته المميزة على صعيد الشعر والمسرح كان هو النافذة الابرز للاطلاع على تجربة شعر المقاومة والالتحام بين السياسة والشعر. فى كل خطوة أخطوها يحضر معين وقد ارتبط بمصر ارتباطا وثيقا، فهو خريج الجامعة الامريكية قسم صحافة، وطبع ديوانه الاول «المعركة» فى مصر مطلع الخمسينات، وشكل – ليس فقط – حضورا شخصيا، وانما كان حضورا لفلسطين وأعماله المسرحية قدمها كبار الفنانين المصريين، هذا الحضور المميز والطاقة المتجددة كانت بالنسبة لى مصدر الهام على صعيدى الشخصى وعلى الصعيد الفلسطيني.

اشعر بالفخر عندما احضر لقاءات مع شعراء ومفكرين ويكون السؤال الأبرز عن معين بسيسو، حتى بعد مرور حوالى ثلاثين عاما على رحيله ما زال حاضرا فى المشهد الثقافى المصري، من خلال هؤلاء المبدعين الذين يحملون آيات الوفاء لهذا الرجل الذى قدم للثقافة العربية الكثير.

هناك آخرون أيضا قدموا للثقافة العربية الكثير وتوقفوا فى مصر منهم الشعراء الكبار: محمود درويش، هارون هاشم رشيد، ابو الصادق الحسيني، الموسيقى الكبير مهدى سردانة وغيرهم.

هناك كثير من الأسماء البارزة شكلت حالة فى مصر فى الخمسينات والستينات والسبعينات واستمرت.

المشهد اختلف الآن فهناك تحولات وتطورات واسماء جديدة تبلورت لكن طبيعة المشهد الثقافى والحالة السياسية أحيانا تشهد مدا ثقافيا مهما يبرز من خلاله اعلام فلسطينية المهم بالنسبة لنا الحفاظ على هذا الارث الفلسطينى المميز بمصر بل والبناء عليه لأن مصر هى الحاضنة الأساس للابداع عربيا وفلسطينيا.

7711

= تنتمى لعائلة عريقة وفاعلة على المستويين الوطنى والابداعي.. إلى أى حد أفدت من ذلك وهل مثّل قيدا لك فى بعض الأحيان؟

– أفادنى بشكل كبير جدا؛ خرجت من بيت المكتبة المنزلية كانت فيه أساسية والعائلة أسهمت فى صقل الاهتمام بالثقافة وبشكل عام كان هذا بالنسبة لى مصدر الهام لم تشكل قيدا وانما حافز على المستوى الشخصى والعائلى لاستمرار هذه الرسالة التى عملنا من خلالها على تعزيز حضور فلسطين فى المشهد الثقافى والوطنى بل فى بعض الأحيان كان انتمائى لهذه العائلة منقذا من الاحباط أتذكر ما قدموه وأسهم فى دعم الحضور الفلسطيني.

= عائلة بسيسو أخرجت قياديين على طرفى نقيض فبينما كان معين بسيسو قياديا يساريا كان هانى بسيسو قياديا اخوانيا.. ما دلالة ذلك وما انعكاساته على اختياراتك؟

– معين بسيسو كان أحد أبرز القيادات اليسارية عربيا وفلسطينا، بالاضافة للشهيد هانى بسيسو الذى كان احد اهم الرموز الاسلامية لكن نحن نتحدث عن حقبة الخمسينات، باعتقادى ان هذا يمثل التنوع حتى فى داخل العائلة الواحدة والمساهمة فى صقل التجربة الوطنية بتعدداتها.

هؤلاء القادة على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية افادوا التجربة الوطنية والتنوع الوطنى وخلقوا هذه المساحة بعد رحيلهم للمراجعة والقراءة والاستفادة والنقد أيضا بما يفيد، ليس على المستوى العائلى فقط وانما على مستويات فكرية وثقافية وفلسفية.

الاتجاه السياسى والبوصلة فى اتجاه فلسطين لكن ذلك التنوع شكل أمامى اقتراحات افادتنى فى البحث، لكن ما مثلوه وما مثله آخرون من حركة فتح خلق داخلى هذا التنوع والايمان بان العمل من اجل فلسطين يجب ان نتطلع اليه بغض النظر عن الايديولوجية السياسية التى تعد مجرد اقتراح للآلية التى تحقق حرية الوطن ليس مرهونا بخيار فردى لكن مهم الاطلاع على هذا التعدد لنؤكد أنه برغم اى اختلاف سياسى يجب ان تظل فلسطين هى الحاضرة وهى البوصلة للوصولة للدولة المستقلة

= بخلاف كثير من الأدباء كيف تجد وقتا للشعر؟

– بالأساس هويتى الشخصية هى شاعر وأكاديمى وشغفى الخاص بالاطلاع والكتابة هو الأصل وبسببه اخترت وزيرا للثقافة.

أحرص فى برنامجى اليومى على القراءة رغم المسئوليات التى يلقيها المنصب الرسمي.

والاطلاع على التجارب الأدبية المختلفة ومواكبتها، عندما اكتب استحضر حالة الشاعر فى الكتابة وأكون حريصا على أن يبقى «ايهاب الشاعر» فى تجربته الشعرية والتجربة الثقافية العامة.

نقدم ما نستطيع من خلال العمل الرسمى لن يكون هناك وزير مدى الحياة بينما يبقى الابداع حتى يتوقف القلب عن النبض.

= هل يمكن اعتبار الثقافة هما ثانويا بالمقارنة بهموم المواطن الفلسطيني؟

– على مستوى الابداع الفردى لا.. فالمشروع الفلسطينى حريص على الثقافة باعتبارها جزءا من مقاومة الرواية النقيضة للاحتلال الاسرائيلى الذى يحاول طمس الهوية والوعى والذاكرة.

الثقافة فعل ابداعى مقاوم ترينه فى الأدب وفى المسرح والفن التشكيلى والموسيقى والسينما وهذا ما يفسر الحضور الفلسطينى المميز فى خارطة الابداع العربى والدولى.

على صعيد آخر الثقافة تصبح هامشا اذا ما نظرنا للميزاينات المطلوبة والشراكات العربية لتعزيز حضورها كحالة مؤسساتية، المهم كيفية البناء عليه ببناء الشراكات الدولية والعربية وهو ما يحتاج إضافة للموازنات استراتيجية. والسياسة الثقافية هى عصب المسألة وهو أمر ليس سهلا فى ظل الاحتلال بمؤسساته الثقافية والاكاديمية لكننا نحاول اختراق هذا الحصار.

= ربما يمهد التعليم البيئة الملائمة لدعم دور الثقافة.. فالمعروف أن الفلسطينى يحرص على تعليم أبنائه بشتى المراحل مهما كانت الصعوبات.

– التعليم والثقافة ركيزتان أساسيتان فى مواجهة رواية الاحتلال الاسرائيلى.

كانت هناك حملة ضد ادوار سعيد لنزع مقدسيته عنه رغم انه من مواليد حى الطالبية بالقدس عام 1935. صحيح أنه عاش فى مصر بعد النكبة قبل ان ينتقل للولايات المتحدة الامريكية لكنه ظل فلسطينيا وهذا جزء من حرب الرواية. وفى كتابه المهم «خارج المكان» يقدم سعيد هذا التناغم بين مصر وفلسطين من خلال تجربته الذاتية.. هذه تجربة على غرارها يسعى الاحتلال طوال الوقت لتزييفها وتشويه الرموز. الثقافة والتعليم ركيزتان أساسيتان لمواجهة التزييف والطمس اللذين يحاولهما الاسرائيلى بأكثر من مجال.

= 7 أفلام فلسطينية تشارك فى الدورة الحالية لمهرجان الاسكندرية السينمائي.. هل يعد ذلك مؤشرا على انتعاشة سينمائية قادمة؟

– هو بالأساس مؤشر للاصرار؛ فصناعة السينما ليست سهلة على صعيد اللوجستيات والتقنيات بسبب التضييق الذى يقوم به الاحتلال لكن استمرار المبدعين فى تحدى تلك الظروف مؤشر للاصرار الفلسطينى واهمية السينما كأداة لطرح الرواية الفلسطينية من جهة وهى أيضا رسالة تحد.

ما حدث مؤخرا من مشاركة فى مهرجان الاسكندرية السينمائى مهم جدا وكذلك تخصيص عام 2017 عام القدس فى السينما العربية. القدس برمزيتها وهى جوهر وجودنا الفلسطينى بكل ما تمثله من بعد ثقافى وسياسى ودينى بشقيه الاسلامى والمسيحى. هذا يمثل رافعة اضافية للحضور الفلسطينى فضلا عن خلق حالة سينمائية ابداعية حوارية بين السينمائيين العرب.

= كيف نضمن تفعيل هذ القرار؟

– هذا مرتبط بالآليات التنفيذية وهنا أتوجه صادقا بالشكر لوزير الثقافة حلمى النمنم ولرئيس مهرجان الاسكندرية الامير اباظة، التقيت برؤساء المهرجانات السينمائية العربية وتحدثنا فى اجتماع مطول حول ضمان الحضور الفلسطينى فى المهرجانات العربية وكان هناك تجاوب منحنا طاقة للعمل والتنسيق والمتابعة مع الاشقاء العرب. ان كلا من هذا التنسيق وتخصيص جائزة باسم القدس للفيلم والسيناريو مهم جدا. كذلك هناك مشروع لجمع الارشيف السينمائى الفلسطينى والعربى عن فلسطين.

= الموقف الملتبس للمثقف الفلسطينى من عرب 1948 يجعله متهما بالتطبيع من طرف وبالإرهاب من طرف آخر.. كيف تتعاطى مع تلك الإشكالية؟

– ولاية وزارة الثقافة لا تخضع للحدود السياسية وانما تستجيب لنداء الثقافة للفلسطينى أينما وجد. نحن لم نخترع النكبة كى نميز بين جغرافيا 1948وجغرافيا 1967، النكبة جريمة فى حق شعبى أدت إلى تشريد مليون فلسطينى وتشظى الشعب وشتاته حتى من بقى فى فلسطين عانى الحكم الاسرائيلى العسكرى فى الداخل.

وبرغم تلك التحديات هناك رموز من الداخل الفلسطينى كانوا أعمدة المشهد الثقافى الفلسطينى: محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، اميل حبيبى راشد حسين، سلمان ناطور وغيرهم.

اميل حبيبى اوصى ان يكتب على شاهد قبره: «اميل حبيبي.. باق فى حيفا»، وإزاء الفهم الملتبس تجاه فلسطينيى الداخل نقول: الشعب الفلسطينى لا يمكن تجزئة ثقافته ووجوده لا يمكن تجزئة ذاكرته. علينا ان نعى ان هناك حراكا ثقافيا وسياسيا قويا وعلينا ان نوفر الدعم لهؤلاء المبدعين وقد ذكرت الجيل المؤسس ما بعد النكبة. لكن هناك ايضا اجيالا جديدة تقدم مبدعين فى شتى المجالات، يجب ان تكون هناك رؤية شاملة عربية لانريد ان نعزل انفسنا بأنفسنا عن أنفسنا.

الثقافة الفلسطينية فى الداخل هى جزء فاعل فى الثقافة الفلسطينية لا بد ان ننتبه إلى الحالة الثقافية الوطنية فى الداخل وألا نهرب للأمام والقول بأن التواصل مع هؤلاء المبدعين نوع من التطبيع، لأن هؤلاء هم مثقفون عرب يقدمون للثقافة العربية والانساية الفلسطينية الكثير. اطمح لفهم هذه الثقافة وحالة المبدعين الفلسطينيين ونحن نحاول ان نفتت المعضلات لمواجهة الالتباس بما يخدم قضيتنا الوطنية وحضورها على المستوى الانساني.

= دفعت القضية الفلسطينية فى الحقبة الأخيرة ثمنا باهظا بعد الثورات والانقسامات التى اعترت الوطن العربى فهمشت أحيانا وشوهت فى أحيان أخرى.. كيف تستعيد القضية مكانتها فى الوعى العربي؟

– باعتقادى الثقافة هى المدخل لاعادة الاعتبار لحضور فلسطين فى المشهد العربى من خلال ابراز الارادة الفلسطينية والألم والأمل.. هناك ألم يومى نعيشه بسبب سياسات الاحتلال وجرائمه اليومية. جهدنا ينصب حول تحفيز الفعاليات الثقافية العربية لاحتضان ونشر الرواية الفلسطينية. ندرك تماما حجم التحديات والصعوبات التى تعانيها الدول العربية لكن علينا ألا ننسى أن حرية فلسطين هى مفتاح المستقبل العربى ودعم صمود الشعب من خلال التواجد على خارطة الابداع والفعل الثقافى ونحن من جهتنا فى فلسطين نشكل جسرا دائما.

من المهم لفت الانتباه للدور الاعلامي، لا نريد للاعلام العربى ان ينزلق الى مفردات الانقسام. هذه حالة سياسية حتى ان طالت والاسمى هى فلسطين التى نسعى لأن تبقى موحدة مهما طال الأمر ورغم ما يعترى الحالة السياسية هناك ارادة للتوحد ومواجهة الاحتلال.

طبيعة الحراك السياسى بكل مفرداته تخلق الكثيرمن التأويلات وفلسطين ليست استثناء لكن يجب الا يكون ذلك على حساب فلسطين. الرهان على الشراكة العربية وتعزيز حضور فلسطين برؤية استراتيجية شاملة وتذكر أن الاحتلال هو الخطر الاساسي.