«أنا وأنت وأمى وأبى».. مخرج موهوب وخطاب دعائي أحمد شوقى   قبل حوالى أربع سنوات، وبالتحديد خلال سبتمبر وأكتوبر 2012، تعرض المخرج السورى الكبير عبد اللطيف عبد الحميد لحملة هجوم

6611

«أنا وأنت وأمى وأبى».. مخرج موهوب وخطاب دعائي

أحمد شوقى

 

قبل حوالى أربع سنوات، وبالتحديد خلال سبتمبر وأكتوبر 2012، تعرض المخرج السورى الكبير عبد اللطيف عبد الحميد لحملة هجوم ضخمة من بعض المثقفين المصريين، وأصبح طرفا فى مشكلة  لم يسع لها عندما اشترط مخرجون سوريون على مهرجان القاهرة السينمائى الدولى أن يستبعد فيلم عبد الحميد «العاشق» من برنامج المهرجان وإلا سيقومون بسحب أفلامهم المشاركة، باعتبار أنه لا يجب أن يُعرض فى مصر فيلم من إنتاج المؤسسة السورية العامة للسينما، وهو التهديد الذى استجابت له للأسف الشديد إدارة مهرجان القاهرة آنذاك!

الغريب أن «العاشق» كان فيلما جريئا فى انتقاده، حاسما فى سخريته من النظام السياسى السورى وبالتحديد شيخوخة الحزب الذى صار نشاطه ترديد شعارات جوفاء تحمل فى داخلها تعاسة للبسطاء وتسلطا مقيتا من جانب كل من سلك سلم الصعود بالشعارات حتى صار مسئولا كبيرا. لكن أحد وقتها شاهد الفيلم من الأساس، وكان كافيا أن يأتى من عبد الحميد والمؤسسة حتى تتحرك الأقلام والتهديدات ضده، ولولا أن قام كاتب هذه السطور بمبادرة لعرض الفيلم فى جمعية نقاد السينما المصريين بعد منعه فى القاهرة لما سمح أحد له بالوصول للشاشات المصرية.

هذا العام يعود المخرج الكبير بفيلمه الجديد «أنا وأنت وأمى وأبى» للمشاركة الرسمية فى المهرجانات المصرية، باختياره ممثلا لسوريا فى مسابقة البحر المتوسط بمهرجان الإسكندرية السينمائى الدولى الثانى والثلاثين. لتكون مشاركته توكيدا لقيمة الاختلاف، ومنح المبدع لاسيما حينما يكون بقيمة عبد اللطيف عبد الحميد حقه فى طرح رؤيته الفنية لما يحدث حوله، فنناقشها ونبحثها بعد أن نشاهدها، لا أن نحجر عليها ونمنعها من الخروج للنور. وفى المسافة بين رؤية عبد الحميد للوضع السورى قبل أربعة أعوام وموقف الفيلم الجديد، نلمس تغيرا واضحا فى رؤية المخرج الكبير للوضع فى بلده العزيز.

6622

رأى يتطور لمخرج موهوب

عبد الحميد الذى وجه رسالة لوم كما أوضحنا فى «العاشق» لحزب البعث، مفادها أنه صار حزبا شائخا لا يصلح لإدارة عالم بمعطيات معاصرة، ومشهد النهاية الذى يردد فيه الأب العجوز الشعارات المحفوظة فلا يستجيب له أهالى البلدة كما اعتادوا طوال سنين، هو مشهد لا يدع مجالا للشك فى موقف صانع الفيلم. إلا ان الوضع يتغير كثيرا فى «أنا وأنت وأبى وأمي»، والذى لا يفكر صاحبه كثيرا فى هوية المخطئ أو من كان سبب اشتعال الأوضاع، لكنه يفكر من زاوية أخرى: هناك أزمة وشرخ مجتمعى لا يريد البعض لهما أن يلتئم.

الأبطال فى الفيلم هم أفراد عائلة يقرر الأب فيها أن يقاطع الجميع، فهو أستاذ جامعة معارض للنظام السوري، يأخذ موقفا من زوجته وابنه لأنهما من الموالين للنظام، خاصة الابن المجند فى الجيش العربى السوري. الابن والأم ووالدها ووالد الزوج، جميعهم يسعون لرأب الصدع واستعادة العلاقات الإنسانية بغض النظر عن الآراء السياسية، بينما يرفض الأب ذلك بسبب سخطه على كل شيء حوله، داخل المنزل وخارجه. الفيلم هنا يوجه أصابع اللوم إلى المعارضين الجامدين، الذى يرفضون التراجع عن مواقفهم الاجتماعية، حتى لو كان ثمن هذا تعاستهم وتعاسة من حولهم.

عبد الحميد مخرج موهوب حقا، بإمكانه أن يصيغ أفكاره شخصيات ويحرك العلاقات بينها بمهارة مدهشة فى قدرتها على التنقل بين الواقعية والفانتازيا، وفى تأثيرها على الجمهور بالضحك تارة والبكاء تارة. الحرفة التى يوظفها فى الفيلم بما يجعل المشاهد حقا يتعاطف مع تفاصيل قصة الحب المضحكة التى تنشأ بين الابن المجند والفتاة التى ترفض الزواج بقريبها أو الهجرة مع أهلها إلى تركيا، ويجعل الدموع تنزل فى تتابع ذهاب الابن لإحضار جده من الضيعة ليتعرف على حبيبته، ومروره على حطام المدن السورية التى كانت عامرة فصارت خرابا. مشاعر متناقضة لا يجيد التنقل بينها بهذه الصورة سوى صانع أفلام كبير.

الدعائية تفسد أحيانا

غير أن ما يُعكر صفو الفيلم هو كيفية تعامل المخرج مع انحيازاته السياسية والاجتماعية. عبد الحميد صار بمرور السنوات يؤمن بالرغبة فى الحياة، فى التواصل الإنسانى مع الأسرة والحبيبة، رافضا أن تكون السياسة سببا فى القطيعة والتعاسة، وهى قناعة يصعب أن نجد من يخالفها، لكنه ينسب وقوع القطيعة بوضوح إلى المعارضة ممثلة فى الأب، الذى يظهر قدرا هائلا من الجمود وتحجر الرأى حتى تجاه أقرب الناس إليه، بما يخلق مشكلة مزدوجة: فمن ناحية نرى كل الإنسانية لدى من حوله فى مثابل كل الصلف عنده بما يُشكل انحيازا مسبقا، ومن جهة أخرى يصعب إنسانيا ألا يرق قلب رجل مثله ولو مرة لكل ما سمعه من عبارات مؤثرة.

هذه العبارات هى الأخرى تشكل عبئا على الفيلم، وأقصد مشاهد المواجهة المتكررة التى يقف الأب فيها صامتا أمام زوجته وابنته ووالده وحماه، كل منهم يكيل له الكلمات ويظهر إنسانيته وإنسانية انتمائه مقارنة بقناعات الأب. هذا الشكل من الأحادية التى تصل لحدود الدعاية هو بحق أضعف ما فى الفيلم، لأن الأحادية تهدر فرصة ذهبية لصناعة عمل لا يُنسى، عمل لو قُدم كما هو بحذافيره دون هذا القدر من المواجهات التى يتكرر فيها الرأى نفسه مرارا، لكنا أمام واحد من أمتع الأفلام التى تناولت الوضع السوري، لكن الدعائية تفسد أحيانا.