«روج».. لقاء قصير آخر فى «الإسكندرية» فكرة جيدة وتجربة جادة نالت منها أخطاء البدايات وعيوب البناء الدرامى و«الرقابة الذاتية» بقلم : أسامة عبد الفتاح       كان غياب

778

 

أسامة عبد الفتاح

«روج».. لقاء قصير آخر فى «الإسكندرية»

فكرة جيدة وتجربة جادة نالت منها أخطاء البدايات وعيوب البناء الدرامى و«الرقابة الذاتية»

بقلم : أسامة عبد الفتاح

 

 

 

كان غياب المشاركة المصرية – كالعادة – أكبر مشكلة تواجه إدارة الدورة 32 من مهرجان الإسكندرية السينمائى لدول البحر المتوسط، والتى اُفتتحت الأربعاء الماضى واُختتمت مساء أمس الاثنين.. ففى ظل انقسام صناع الأفلام المصرية بين حالمين بملايين موسم عيد الأضحى السينمائى و«ملزمين» بالمشاركة فى المهرجانات العربية التى ساهمت فى تمويل أفلامهم، ضاقت دائرة اختيار فيلم لتمثيل مصر – على الأقل فى المسابقة الرسمية – إلى أبعد حد، حتى أقدم منتجو فيلم «روح» على تأجيل عرضه التجاري، الذى كان مقررا فى 3 أغسطس الماضي، ليشارك فى المهرجان ويبعد عنه شبح إقامة مسابقته الرئيسية دون فيلم مصري.

فى ظل هذا كله، وفى ظل أن الفيلم ينتمى إلى نوعية الإنتاج الصغير ويُعد التجربة الأولى لمخرجه جون إكرام ويقوم ببطولته مجموعة من الشباب الذين لا يكاد الجمهور العادى يعرفهم، كانت توقعاتى له محدودة، لكنه – فى الحقيقة – فاق هذه التوقعات بعض الشيء، وإن كان لا يخلو بالطبع من أخطاء البدايات وعيوب البناء الدرامى و«الرقابة الذاتية».

ينتمى الفيلم إلى نوعية ابتكرها المخرج الكبير ديفيد لين عندما قدم فيلمه الشهير «لقاء قصير» (بريف إنكاونتر) الذى تتلخص فكرته الرئيسية فى لقاء يتم بالصدفة بين رجل وامرأة لا تربط بينهما أى علاقة ويعيش كل منهما حياة مستقلة، ورغم قصر مدة هذا اللقاء، إلا أنه يكون كافيا لتغيير حياتيهما إلى الأبد.

768-350

هنا ترتب الدراما لقاء قصيرا بين عاملة مركز تجميل محبطة وتمر بأزمة كبيرة تجعلها تفكر فى الانتحار «فاطمة ناصر»، وبين عامل توصيل طلبات إلى المنازل يعانى قمع رئيسه المباشر ويتسم ببعض السذاجة والبراءة «أمير صلاح الدين»، ولا ينتهى لقاؤهما قبل أن يتمرد كل منهما على وضعه وحياته، وقبل أن يميل كل منهما إلى الآخر.

إلى هنا، الفكرة جيدة وكافية جدا لعمل دراما متماسكة وفيلم متميز، بشرط البناء الجيد والتركيز فى التفاصيل والحوار وإيجاد الدوافع المقنعة ودفع الأحداث منطقيا وتطوير الدراما بالطريقة الصحيحة حتى الوصول للنهاية، وهذا كله لم يحدث للأسف بالشكل المأمول فى فيلمنا، فنحن لا نعرف ما يكفى عن الشخصيتين الرئيسيتين لتبرير تصرفاتهما وتحولاتهما الدرامية.

وإذا كان حمل البطلة سفاحا من رجل متزوج وإصرار الأخير على أن تتخلص منه مبررا دراميا مقنعا لتفكيرها فى الانتحار – رغم أن مجتمع هذه الأيام لم يعد يفكر ولا يتصرف بهذه الطريقة، وإذا كان لقاؤها بالبطل وميلها إليه مبررا مقنعا بدوره لكى تعدل عن إنهاء حياتها وترفض فكرة الإجهاض، فإنه لا يوجد أى مبرر درامى مقنع لقرار البطل المفاجئ بسب رئيسه والاستقالة من عمله فى ظل البطالة التى يعانيها الكثيرون، لأن كل ما قاله عن رئيسه هذا أنه حريص على موتوسيكل توصيل الطلبات أكثر من العاملين عليه، وهذا ليس كافيا لثورة البطل العارمة.. فضلا عن أن شخصية هذا البطل لم تحظ برسم جيد، ولم نعرف عنها إلا القليل الذى لا يكفى لتبرير ما تفعله وتقدم عليه.

وكما قال بعض الأصدقاء النقاد بعد أن شاهدنا الفيلم فى الإسكندرية، من الصعب ألا تكون عاملة فى مركز تجميل قد وضعت «روج» على شفتيها على الإطلاق، فالعاملات فى أصغر محلات الكوافير أمامهن دائما الفرصة لكى يضعن ما يردن من مساحيق التجميل، بعلم أو بغير علم رؤسائهن.. وبشكل عام، كانت فكرة الربط بين الروج وبين تحقق البطلة فى حاجة للمزيد من التوضيح والتعميق الدرامي.

وقد أعجبتنى فكرة المشهد الذى تضع فيه البطلة الروج فلا يصبغ شفتيها ولا يظهر عليهما رغم أنه سليم، فى رمز لأزمتها التى نالت من أنوثتها، وإحساسها بالقهر والعجز وانعدام الوجود، لكن أداء فاطمة ناصر المبالغ فيه – فى هذا المشهد تحديدا – أفسده ونال من تأثيره.

وعلى جانب آخر، يرتقى غياب الجانب الحسى لأن يكون أحد عيوب الفيلم، فليس من المعقول أن ينفرد البطل بالبطلة فى مكان مغلق ليلة كاملة، مع ميل كل منهما إلى الآخر، ورغم ذلك لا يتلامسان، وتقف «النظافة الفنية» بينهما.. ولا أدعو بالطبع للفسق والفجور، أو لإثارة غرائز المشاهدين دون مبرر، لكن السياق الدرامى كان يقتضى تلاقيا حسيا بين الشخصيتين، حتى لو بالإيحاء، ولعن الله الرقابة الذاتية التى أصبح كل فنان يمارسها على نفسه خوفا من الرقابة العامة.

ورغم هذه الملاحظات، يظل الفيلم تجربة جادة جديرة بالتشجيع فى ظل طوفان الابتذال والسطحية والسخافة والاستسهال الذى يغرقنا فى السينما وفى غيرها، وتظل عيوبه وأخطاؤه مقبولة فى إطار أنه العمل الأول لمخرجه ولمعظم من شاركوا فيه.

666