أشباح شكسبير فى “عشيرة ماكبث” و”فينوم هاملت” بالتجريبي هند سلامة   ربما أكثر ما يجذب ويحير مخرج أى عمل من أعمال وليم شكسبير، هو كثافة ما تعانيه أشخاص هذه الأعمال

y_4

أشباح شكسبير فى “عشيرة ماكبث” و”فينوم هاملت” بالتجريبي

هند سلامة

 

ربما أكثر ما يجذب ويحير مخرج أى عمل من أعمال وليم شكسبير، هو كثافة ما تعانيه أشخاص هذه الأعمال من صراعات نفسية وإنسانية، وفى “هاملت“ و”ماكبث” على وجه التحديد، تتسع بؤرة الصراع النفسى للشخصيتين، فكلاهما يمتلكان الطموح والصراع على السلطة والرغبة فى القتل والانتقام ثم صراع الوجود وأزمة البقاء، ففى ماكبث يرتكب أكثر من جريمة قتل بتحريض ومساعدة زوجته، كى يفوز بالسلطة والحكم ويبقى وحده لا ينازعه أحد، وفى هاملت يقتل العم أخاه كى يحصل على الملك خلفا له، ثم يتزوج الملكة وبذلك تكون دوافع الإبن “هاملت” كاملة للانتقام من عمه وقتله واستعادة عرش والده بالتحريض من شبح والده المقتول، يشترك العملان فى الطمع والطموح والحقد والانتقام والتحريض على القتل والكراهية، ليفتح النصان مجال وخيال مخرجى العالم على تأمل النفس البشرية أكثر من التعمق فى تقديم نص شكسبير الأصلي، وهو ما حدث فى العرض الإيطالى “clan Macbeth” أو “عشيرة ماكبث” إخراج دانيال سكاتينا الذى قدمته الفرقة الإيطالية ضمن فعاليات مهرجان القاهرة الدولى للمسرح المعاصر والتجريبي، والعرض المكسيكى “venom hamlet” أو “حقد هاملت” إخراج ألبيرتو سانتياجو.

اشترك العملان فى تكثيف الصراع بحذف شخصيات كثيرة من النص الأصلي، ففى “ماكبث” اقتصر الصراع بينه وبين زوجته، بإضافة شخصية المهرج الذى يأتى على لسانه طوال العرض تتبع ماكبث فى أفكاره وطموحه والسخرية منه ومن قدره الذى ينتظره، وفى العرض الثانى تم تكثيف الصراع أيضا بين هاملت والشبح وجرترود الملكة أم هاملت وكلوديوس العم، وهكذا نحن أمام عملين تشابها فى تناول نصى شكسبير لكن اختلف كل منهما فى عناصر عرضه وتعبيره عن النص الأصلي، وبدت الشخصيات وكأنها أشباح شخصيات شكسبير الأصلية، وذلك بتخلى صناع العملين عن معظم شخصيات المسرحيات الأساسية.

فى العرض الإيطالى “clan Macbeth” أو “عشيرة ماكبث”، قدم المخرج النص بشكل ساخر على لسان المهرج الذى يسخر من ماكبث وطموحه وتحريض زوجته، ثم السخرية مما يعانيه ماكبث فى نهاية العرض من شعوره بالذنب الذى سيؤدى به إلى الجنون، وكما ذكرنا حصر المخرج الصراع  والقضية بينه وبين زوجته وطموحه وغروره، فالعرض عبارة عن ثلاث شخصيات فقط، ماكبث وزوجته والمهرج الذى يصاحبهما طوال العرض والذى يأتى على لسانه حكى الأحداث، أما ما يستحق الإشادة الحقيقية بهذا العمل فهو قدرة الممثلين بما يحملونه من طاقة تمثيلية هائلة على إيضاح وتوصيل رسالة العرض، برغم الحاجز اللغوى بينهم وبين الجمهور خاصة الممثل صاحب شخصية المهرج الذى استطاع جذب انتباه الجمهور إليه ومداعبته بالإيطالية ومن ثم الاندماج معه والانفعال به وبشخصيته خلال العمل وهو ما كان ممتعا للغاية، فالعمل قدم باللغة الإيطالية مع غياب الترجمة الإنجليزية بعكس ما حدث بالعروض الأخرى، وهو ما يؤكد مهارة وتميز الممثلين بالأداء التمثيلى والحركى على خشبة المسرح ومهارة الإعداد المسرحى العميق والمكثف.

أما “venom hamlet” فكانت له قصة أخرى فى الإبهار والإبداع المسرحي، حيث تناول مخرج هذا العرض وفريق العمل مسرحية هاملت كما لم تشاهدها من قبل، فاعتمد المخرج على إبراز الصراع الأساسى للمسرحية المتمثل فى كراهية هاملت لعمه ورغبته الشديدة فى الانتقام منه بعدما تأكد من شكوكه حول مقتل والده، وسبق وشاهدنا جميعا نفس الصراع بأكثر من رؤية إخراجية وإعداد مسرحى مختلف سواء من خلال العروض المصرية أو من خلال استضافات لأعمال أجنبية، لكن هاملت المكسيكى كان مختلفا على الإطلاق، فلم يشبه هذا العمل أى تناول سابق لهاملت، بجانب أنه جاء مخالفا لكل التوقعات، فمن الوهلة الأولى لدخول قاعة المسرح ورؤية المذبح الذى وضعه فريق العمل بمقدمة الخشبة، ثم تقسيم خشبة المسرح لشاشة فيديو بروجيكتور ومكان لجلوس عدد من الموسييقين ثم وضع ميكرفوون بجهة اليمين واليسار من المسرح، وهيكل لشخص ملقى على الأرض قبل بداية العرض، مع كل هذه التفاصيل والعناصر المستخدمة فى التشكيل، كان من الصعب على جمهور مسرح ميامى توقع ما الذى سيحدث فى الدقيقة المقبلة وكيف سيأخذنا هؤلاء إلى عالم هاملت.

بعد سيطرة حالة من الدهشة والترقب على الحاضرين خاصة مع ترجمة كلمة المخرج لأكثر من لغة: العربية والإنجليزية والمكسيكية، بدأ العرض المسرحى الأغرب والأمتع، ففى “venom hamlet”، لم يكتف المخرج بحصر الصراع بين الأبطال الرئيسيين فقط، بل قدم هذا الصراع بفكرة مبتكرة وهى إحياء هاملت بعد الموت، او بعث هاملت كى ينتقم من جديد، فبدلا من تناول العمل بشكله المسرحى التقيلدي، قام بتفكيك العرض ذهنيا وفلسفيا كى يجعله صراعا على البقاء والوجود أكثر منه صراعا انتقاميا بين أشخاص المسرحية، ففى هذا التناول جاء هاملت عبارة عن عروسة متحركة وكأنه شبح إنسان بعث من مرقده كى يقلق راحة قاتله، ومن خلال هذا الشبح والشبح الرئيسى للعرض يستعرض أحداث المسرحية بين هاملت وأوفليا وعلاقتهما المعقدة معا، ثم شبح هاملت الذى يطارد عمه وأمه بفعلتيهما ومحاولة انتقام هذا الشبح منهما وتعكير صفو حياتهما معا، فبدا ظهور هاملت وغيابه ككابوس يطارد حبيبته فى منامها وكذلك الأم والعم، وكأنه مات ولحق بوالده ثم عاد ليظهر شبحه مصاحبا لشبح والده.

استخدم فريق العمل عرائس ضخمة متحركة بواسطة الممثلين، بجانب استخدام اغان من الفلكلور المكسيكى والرقصات المكسيكية المختلفة التى جمعت الأم والعم فى حالة ترفهما معا، ثم انعكاس صورة ما يقدم على المسرح بشاشة الفيديو بروجيكتور وكأنك تعيش هذا الحلم أو الكابوس المزعج مع أبطال العمل جميعا، ويعتبر هذا العمل من أدق المسرحيات تعبيرا عن الصراع النفسى والذهنى وأزمة الوجود باستخدام عبارة “أكون أو لا أكون” التى تكررت كثيرا على لسان هاملت، فدخل العمل فى عمق النص الفلسفى مباشرة بفكرة ارتباط وجود هاملت وبقائه حتى ولو كان شبحا، إلى أن يتمكن من تحقيق رغبته فى الانتقام، وفى نهاية العرض وبعد انقضاء مهمته الانتقامية يموت هاملت أو شبحه، ويحمل على الأعناق وكأنه محارب وبطل كما يشبهه صناع العمل..!!

يعد “فينوم هاملت”، من أغرب الأعمال المسرحية التى تناولت “هاملت” خاصة فى طريقة تتابع الأحداث التى تصدمك فى بداية العرض بعدم وجود رابط بينها فكأنك تشاهد كل فصل من المسرحية بأسلوب وتناول مختلف ففى البداية تخرج العروسة، “شبح هاملت” ثم “شبح الأب” ليتصارعا ويتفقا على قرار الإنتقام، ثم يدخل مشهد فلكلورى راقص للأم والعم وكأنك ذهبت إلى مسرحية أخرى مبهجة بعكس ما كان يقدم امامك منذ لحظات، فلم يعتمد المخرج على تكنيك واحد فى تناول العرض بل استخدم أكثر من تكنيك فى اللعب بهاملت الحكى والغناء والرقص وتحريك العرائس على خشبة المسرح أمام الجمهور وشاشة السينما التى تداخلت مع أحداث العرض، وديكور المذبح الذى قتل عليه الجميع، ساهم هذا التنوع فى ابهار الجمهور، وحتى وإن كانت الترجمة الإنجليزية سيئة للغاية، إلا أن ما فعله الفريق المكسيكى بـ”فينوم هاملت” فى طريقة إبراز آلام النفس الإنسانية وهمومها يغنى عن ألف ترجمة عربية وإنجليزية.