العرب بين نكسة المبادرة.. ونكبة كامب ديفيد صلاح عيسى   لأن كل شىء فى عالمنا العربى ينسى بعد حين، لم ينتبه أحد فى الأسبوع الماضي، إلى مرور 39 عاما على

العرب بين نكسة المبادرة.. ونكبة كامب ديفيد

العرب بين نكسة المبادرة.. ونكبة كامب ديفيد

صلاح عيسى

 

لأن كل شىء فى عالمنا العربى ينسى بعد حين، لم ينتبه أحد فى الأسبوع الماضي، إلى مرور 39 عاما على توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، التى وُقعت فى 18 سبتمبر 1978 فى احتفال تاريخي، عقد فى حديقة البيت الأبيض بالعاصمة الأمريكية واشنطن، وحضره الرئيس الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلى «مناحم بيجين».. اللذان وقعا عليها، بصفتهما ممثلين للدولتين المتعاقدتين.. كما وقع عليها – بعدهما – الرئيس الأمريكى «جيمى كارتر» بصفته شاهدا وراعيا وضامنا.

نسى الجميع التاريخ الذى وقعت فيه هذه الاتفاقية، على الرغم من أنها كانت مرحلة فاصلة فى تاريخ الأمة العربية، شأنها فى ذلك شأن الحملة الفرنسية على مصر، التى يصفها المؤرخ «عبد الرحمن بن حسن الجبرتي» بأنها كانت «أولى سِنى للجمع أى سنوات الملاحم العظيمة، والحوادث الجسيمة، والوقائع النازلة، والنوازل الهائلة، وتدافع الشرور، ونوازل الأمور، وتوالى المحن، واختلال الزمن، وانعكاس المطبوع وانقلاب الموضوع، وتتابع الأهوال واختلاف الأحوال، وفساد التدبير وحصول التدمير، وعموم الخراب وترادف الأسباب، وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون».

وهناك مبررات كثيرة وراء نسيان العرب ذكرى اتفاقيتى كامب ديفيد، لعل من أهمها أنهما لم تعودا قائمتين من الناحية العملية، إذ كانتا مجرد «إطار للسلام» يجرى تطبيقه عبر معاهدات سلام ثنائية بين إسرائيل وبين كل طرف من الأطراف العربية التى احتلت إسرائيل بعض أراضيها فى عدوان 1967، وهو ما حدث جزئيا إذ وقعت مصر معاهدة سلام مع إسرائيل عام1979، وتوقفت المفاوضات حول الشق الفلسطينى من هذا الإطار، بسبب رفض منظمة التحرير الفلسطينية له، إلى أن فاجأت المنظمة كل الأطراف العربية والدولية، بتوقيعها معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1993، بعد مفاوضات سرية بين الطرفين جرت فى أوسلو، وفشلت محاولة التفاوض بين سوريا وإسرائيل، كما فشلت محاولة أخرى – بعد حرب الخليج الثانية – لإجراء المفاوضات على مستويين أحدهما إقليمى يشمل الدول العربية كلها، والآخر ثنائى يجمع بينها وبين الدول التى لا تزال تحتل أراضيها.. إلى أن استقرت الأمور عند شاطئ المبادرة العربية للسلام، التى أقرها الملوك والرؤساء العرب جميعا فى قمة بيروت العربية عام 2003 وهى تقوم على مبادلة الأرض العربية المحتلة عام 1967، والدولة الفلسطينية على حدود 4 يونيو 1967، بالسلام والاعتراف والتطبيع بين كل الدول العربية وإسرائيل، وهى مبادرة رفضها الإسرائيليون بكل إباء وشمم.

ولأن الضرب فى الميت حرام، فإن الضرب فى جثة «كامب ديفيد» – بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين لتوقيعها – لا جدوى منه، ليس فقط لأنها قد أصبحت هى والعدم سواء، أو لأن أحدا لم يعد يحتكم إليها، لكن – كذلك- لأن الأمة العربية – بصفتها أمة – لم يعد لها وجود، يسمح بأن تتفق أو تختلف مع إسرائيل.

ولأننى كنت – ولا أزال – من بين الذين عارضوا اتفاقيتى كامب ديفيد وما تنسّل منهما وترتب عليهما، ووضعوا فأس خطيئة توقيعهما فى عنق الرئيس الراحل أنور السادات، فقد ظللت لسنوات طويلة، أتابع كل ما ينشر عنهما، خاصة مذكرات الشخصيات المصرية والإسرائيلية والأمريكية التى تشكلت منها وفود المفاوضات التى مثلت الأطراف الثلاثة، واعتزلت العالم لمدة 13 يوما فى منتجع كامب ديفيد، قبل أن تلد هذا المولود المشوه، وقادنى ذلك إلى سلسلة من الأسئلة.. ربما تتعلق بالمستقبل أكثر مما تتعلق بالماضي.

كان قرار الرئيس السادات المفاجئ بالسفر إلى القدس المحتلة هو الخطوة الأولى التى انتهت به إلى «كامب ديفيد» وكان وراء القرار – كما يجمع كل الشهود – مظاهرات الطعام فى 18 و19 يناير 1977 التى خرج خلالها المصريون يهتفون بسقوط نظامه ويحطمون صوره، بعد أقل من أربع سنوات من انتصاره فى حرب أكتوبر، ليكتشف بمرارة أن هذا النصر لم يوفر الطعام لشعبه، الذى لم يحصل على الحد الأدنى من احتياجاته، فى الوقت الذى أسفرت الحرب عن رفع سعر برميل البترول من 6 إلى 30 دولارا، وأنه لم يقطف أية ثمرة سياسية من ثمار النصر بسبب إصرار إسرائيل على أن تتفاوض مباشرة وعلى حدة، مع كل دولة عربية احتلت أراضيها عام 1967، وإصرار العرب على أن تكون المفاوضات غير مباشرة، وأن تجرى فى إطار الأمم المتحدة، وهو أمر بدا له مستحيلا فى ظل التوازنات الدولية، التى كانت قائمة آنذاك، ولخشيته من أن تتآكل ثمار النصر، وأن تستغل إسرائيل لعبة المفاوضات لتغيير التركيبة السكانية للأرض المحتلة بإنشاء المستوطنات، بدأ فى أعقاب مظاهرات يناير 1977، الاتصالات السرية التى انتهت بزيارته للقدس، دون أن يخطر أحدا من شركائه فى الحرب – خاصة سوريا – أو يضع فى اعتباره رد فعل الأنظمة العربية، أو الشعوب، خاصة الفلسطينيين أصحاب القضية الأصلية.

وكان ذلك هو الخطأ الكبير الأول الذى وقع فيه السادات، وكان الخطأ الكبير الثانى الذى وقع فيه، أنه لم يطلب أثناء الاتصالات السرية التى أجراها مع الإسرائيليين، ثمنا مسبقا لزيارته للقدس المحتلة، وهو ما دفعهم للإعلان أثناء الزيارة وبعدها أنهم لم يتعهدوا بشىء مقابلها، وأن كل شىء قابل للتفاوض.

أما الخطأ الأكبر الذى وقع فيه العرب، فهو أن إجراءات الإعداد للزيارة ما كادت تبدأ، حتى فتحوا النيران بشكل عشوائى ومن كل اتجاه على السادات، وتتالت الخطوات العصابية التى يتخذونها ضده، ومنها قطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر، وطردها من الجامعة العربية، ونقل مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس، وتوزيع المنظمات المتخصصة التابعة لها بين عدة عواصم عربية، وعقد قمم عربية محدودة وعامة، اتخذت قرارا بإفشال أية تسوية تسفر عنها المبادرة.

ومع أن السادات استقبل العاصفة فى البداية بهدوء، وأعلن أنه لا يسعى إلى صلح منفرد مع إسرائيل، لكن إلى سلام شامل معها، يشمل حق الفلسطينيين فى إقامة دولة لهم، وأن ما يقوم به هو اجتهاد يتحمل مسئوليته، وأنه إذا فشل فسوف يستقيل من منصبه ويعتزل السياسة، إلا أن المحاولات العربية لإفشال مسعاه تواصلت، فبدأ يرد عليها بلهجة خشنة وبإجراءات عصبية.

واستغل الإسرائيليون حالة التشرذم التى أصابت العالم العربي، وأضعفت من قدرة السادات التفاوضية، طوال الشهور العشرة التى فصلت بين الزيارة وبين سفره إلى كامب ديفيد وأدركوا أنه وصل من الناحية السيكولوجية إلى حالة أصبح فيها جاهزا لكى يقبل بأى حل، وبأدنى المكاسب، حتى لا يشمت فيه خصومه من العرب.

وبعد 39 عاما من توقيع اتفاقية كامب ديفيد.. يثور السؤال: من الذى يتحمل مسئولية ما جرى بعد ذلك؟

والإجابة هى: نعم إن السادات مسئول عن نكسة المبادرة.. ولكن العرب مسئولون معه وقبله عن نكبة كامب ديفيد.