شريف صالح وجدتها انقراض الفلاح المصرى   فتحت عينّى فى بيت فلاحين على رائحة الخبيز وخوار البقر. وكان خلف بيتنا زريبة بها عدد لا بأس به من رءوس الماشية. وأذكر

8887

شريف صالح

وجدتها

انقراض الفلاح المصرى

 

فتحت عينّى فى بيت فلاحين على رائحة الخبيز وخوار البقر. وكان خلف بيتنا زريبة بها عدد لا بأس به من رءوس الماشية. وأذكر أن جدى كان يوزع ما تنتجه من لبن إلى ثلاثة أقسام، قسم يُباع للحصول على نقود وقسم لاستهلاك البيت أما الثالث فيرسله للجيران ممن لا يملكون ماشية.

وكان لدى جدتى “بهية” غرفة تبدو باتساع العالم.. تحت السرير تربى الأرانب.. كما توجد طواجن اللبن حيث تستخلص القشطة وتصنع الجبن والسمن. ولا بأس من مرور بضع دجاجات.. بينما تتدلى من السقف “طباقة العيش” «الخبز الجاف»، فلا تصل إليه أية حشرات.

ولا يستغنى أى بيت عن “غرفة المعاش” أو “الخزين” حيث تتراص أجولة الأرز والقمح والدقيق، لاستهلاك العام.

وفى جانب من الزريبة يوجد الفرن البلدي، حيث تقوم الجدات وزوجات الأعمام بخبز أصناف متنوعة منها الخبز المقدد الخفيف والرقاق ونوع يسمى “الكماج” يستعمل فيه السمن البلدي، وبعد الخبيز يتم “شوي” البلطى الذى يصيده الأعمام من مساقى أرضنا. وإذا لم يوجد سمك يمكن صنع أرز باللبن فى الفرن «الأرز المعمر» وهو أطيب مذاقًا من أرز الفنادق، ويؤكل غالبًا بالعسل. كما كان من أهم فوائد الفرن شوى البطاطا والبطاطس أو كيزان الذرة.

كل من كان فى البيت، لابد أن لديه عملًا، لا فرق بين رجل وامرأة، ولا بين طفل ورجل.. فساعة العمل تدق مع أذان الفجر.. ما بين الحقل والزريبة.. ثم ينتهى كل شيء مع غروب الشمس وقرآن الراديو.

لا أقصد هنا الكتابة عن أسرتي.. بل قصدت فقط الإشارة إلى مفهوم “الإنتاج”.. فكل فرد فى العائلة كان منتجًا.. صحيح معظم النساء بل الرجال لم يحصلوا على أى قسط من التعليم.. لكنهم جميعًا كانوا “فلاحين” حقيقيين.. أيدى عاملة شريفة وماهرة.. حتى جدى العجوز السبعينى كان يقضى سنواته الأخيرة فى نسج المقاطف والطواقى من الخوص والصوف، ويظل بالساعات على رصيف الدار والمغزل فى يده لا يتركه إلا لأداء الصلاة.

كنا لا نرى النقود إلا فى الأعياد.. ولا تشكل لنا أية أهمية.. ولا يفرق معنا ارتفاع ولا انخفاض “الدولار”. لأن معادلتنا الإنتاجية كانت أفضل من معادلة الحكومة نفسها.. فالفرد “ينتج” ما يفوق احتياجاته. وكان لدينا ما يسميه الاقتصاديون “الاكتفاء الذاتي”.. ولو جاع أحدنا يكفى أن يصعد على السطح للحصول على بيضة أى دجاجة.. أو يصب القليل من “زلعة” المش. وأحيانًا نلجأ إلى نظام المقايضة العتيق مع الجيران، فنأخذ منهم الذرة ونعطيهم القمح.

أيامها كان عدد الزرائب أكبر من عدد البيوت فى القرية.. وكانت التليفزيونات نادرة.. والسهر خارج البيت أقرب للعار الاجتماعي.

أما الآن فالقرية المصرية أصبحت مشوهة.. عدد المقاهى فيها أكثر من عدد البيوت.. والفلاح نفسه شبه انقرض.. والطوابير تقف أمام المخابز الآلية.. وربة البيت التى حصلت على “شهادة جامعية” لا تجيد تربية دجاجة.. وأصبح غالبية أهل القرية من الموظفين والمدرسين الذين يعيشون على رواتب الحكومة بلا قيمة إنتاجية.. فلا يحتاج الأمر إلى مرجع اقتصادى لندرك أن قطاع الزراعة الذى كان يساهم بأكثر من 30 % من اقتصادنا لن يتعدى إسهامه حاليًا 15 % فهل نحن تطورنا حقًا؟

أزمتنا ليست فى “الدولار” بل فى أن الشعب الفلاح المنتج البناء.. تم تدميره عبر أربعين عامًا وتعويده على الاغتراب والسمسرة وليس “الإنتاج”.. وما حدث مع فلاحينا تكرر مع عمالنا فى المصانع.

فما المتوقع من شعب يقضى أيامه على المقاهي.. أو فى السخرية والتنكيت على الفيس بوك؟!