بين مصر والمغرب.. لا تزال قصيدة النثر تبحث عن مكان بقلم : وائل سعيد   تواطأت البشرية عبر تاريخها على استهجان كل ما هو جديد والتشكيك فيما يحمل من مغايرة

9998

بين مصر والمغرب.. لا تزال قصيدة النثر تبحث عن مكان

بقلم : وائل سعيد

 

تواطأت البشرية عبر تاريخها على استهجان كل ما هو جديد والتشكيك فيما يحمل من مغايرة وعدم الاعتراف به بطبيعة الحال؛ فرُفضت عوليس جويس؛ الرواية التى ستقسم تاريخ الكتابة لاحقًا. ماركيز وهيمنجواى وميلر وغيرهم كثيرون داروا بأعمالهم الأولى على دور النشر بلا طائل.. حتى العندليب حدفوه بالطماطم فى أول ظهور له. كذلك قصيدة النثر جرى عليها ما جرى من سنن المغايرة، حيث قوبلت بهجوم ضارى لم يخمد وطيسه إلى الآن.

تحت عنوان «فى الإبداع متسع للجميع» انطلقت فعاليات الدورة الثالثة لمؤتمر قصيدة النثر فى الفترة من 18 إلى 21 سبتمبر فى مقر أتيليه القاهرة بوسط القاهرة، والذى تحل المملكة المغربية ضيف الشرف عليه، وقد أعقبها أمسية ختامية فى محبة الشعر بالمركز الدولى للكتاب مساء الخميس 22 سبتمبر.. شارك فى المؤتمر عدد كبير من شعراء قصيدة النثر من مصر من مختلف المحافظات ومن المغرب فى لقاء تباينت فيه أجيال مختلفة، وتخللت أيام المؤتمر أربع جلسات بحثية ناقشت إشكاليات النوع وبُنيته وتشكيلاته الجمالية بين التلقى وحالة الإبداع نفسها.

جاءت هذه الدورة تحت رعاية هيئة الكتاب وهيئة قصور الثقافة ومؤسسة المحكى بتنسيق الشاعر عادل جلال ومعاونة كل من أسامة جاد وعمر شهريار وإبراهيم التوني، وكان البطل الحقيقى الذى يدعو إلى الاطمئنان على مستقبل الثقافة هو الحضور الكثيف خلال أيام المؤتمر.

قدم الجلسة الافتتاحية الإعلامى خالد منصور وأكد خلال كلمته حجم التحديات الذى تواجهه الثقافة المصرية خاصة والعربية فى العموم، من خلال مصارف الدعم القليلة الذى تتحصل عليها على المستوى المادى أو المعنوي، ومدى مكانة فكرة الثقافة فى مجتمعات تعانى الكثير من المشكلات التى تجعلها تضع الثقافة فى آخر أولوياتها.

وأشار الشاعر عادل جلال فى مستهل حديثه إلى المعاناة التى ما زالت تواجه قصيدة النثر وصولا للدورة الثالثة فى البحث عن ترسيخ مكان ثابت بين الأنواع الأدبية قائلا: «إنه على أى حال فالكل يُحاول طوال الوقت ونحن معهم، فإن أصبنا فلنا أجر وإن أخطأنا فلنا أجران!!» كما خص الهيئة العامة للكتاب تحت رئاسة الدكتور هيثم الحاج على بخالص الشكر على مساهمتها فى إصدارات مطبوعات المؤتمر ورعايته، واستجابة شعراء المغرب للمشاركة، كما أشار إلى المبادرة التى قامت بها هيئة قصور الثقافة للمؤتمر لكنها جاءت متأخرة ولم تتبلور بعد، ثم أعلن عن مبادرة من أكاديمية الفنون سيُقام من خلالها مؤتمر اليوم الواحد نهاية نوفمبر القادم.

ينابيع تصنع نهرا؛ تحت هذا العنوان دارت ثمانى أمسيات شعرية ضمن الفعاليات وقامت هيئة الكتاب بطباعة القصائد كـ«أنطولوجيا قصيدة النثر المصرية – الجزء الثالث»، والجدير بالذكر أن الشاعر عادل جلال أثنى على مجهود القائمين على طباعة إصدارات المؤتمر وإخراجها فى وقت قياسى رغم التوترات التى تواجه عملية الطباعة فى الهيئتين «قصور الثقافة والكتاب» منذ شهور.

تألقت الشاعرة إيمان السباعى – أولى المشاركات – فى عدة قصائد لها: الاحتمالات الرهيبة للمستقبل، اللمس، فوتوغرافيا.. وتميزت فى قصائدها بالمزج بين العامية والفُصحى طارحة الهم الإنسانى الفردى باليومى وتفاصيله العادية كما فيفساء يتشكل منها فى نهاية المطاف لوحة كبيرة للهم الجمعي، كما فعل الشاعر سامى الغباشى فى قصيدته، عندما تُشرف على الخمسين: لم أصدق نفسى وأصدقهم؛ يا سلام.. ده الثورة حلوة بشكل يا جدع..

اعتمدت معظم القصائد على تيمة ادهاش المتلقى بطرق مختلفة، باحثة عن الشعرية فى طُرق جديدة وبمُعطيات مُغايرة؛ ففى قصيدة لجيلان زيدان نجد تلك الكلمات: رحبوا بي، أقول أحبك، كان بودى أن أسرق جيوبك. وفى إحدى القصائد لشيرين عبد الله تحت عنوان «خازوق»: أتدرى ؟! عندى خازوق مثبت بطول المنطقة من أعلى رأسى حتى أسفل صدري، يرتكز من الداخل إلى الخارج، على تلك المساحة التى تحبها بين نهديّ، عفوا .. أقصد التى كنت تحبها بالطبع. فضلا عن عدد غفير من الشعراء؛ فارس خضر وشريف رزق وأشرف البولاقى وفاطمة منصور والشاعر الكبير على منصور وهو فى عامه الستين: أجلس وحدي، ها هنا، فى ظل شجرة ملونة. أقرأ (النور) ثم (الفرقان)، وأنظر إلى العصافير.

فى النهاية لا يتبقى لنا سوى الأربع جلسات البحثية التى تخللت المؤتمر بمشاركة عدة أسماء من الباحثين؛ حيث استهل د. شوكت المصري، أستاذ ‏النقد الأدبى الحديث‏ بكلية الآداب جامعة المنوفية، كلمته بجملة للشاعر عماد أبو صالح تحمل فى طيها إشكالية قصيدة النثر التى لا تزال قائمة: كلام مضحك جدا هذا الذى يقوله الشعراء فى العيون..

رأى أن قصيدة النثر ستظل تحمل صفة القصيدة مهما تعددت إشكاليات تلقيها وتنوعت مُسمايتها، مُنذ بزوغها فى السبعينات بمصر وحتى الآن. وفى نفس السياق طالب د.صلاح السروي، أستاذ النقد الأدبى بجامعة حلوان، عن (تحول النوع الشعرى من الصياغة إلى الدلالة)؛ بضرورة تبنى فكرة الثورة على كل القواعد الثابتة التى اعتدناها فى الشعر اذا أردنا التعامل مع قصيدة النثر ومن ثم خلق شعرية جديدة مُغايرة، مُنطلقا من مقولة أدونيس: لا يمكن أن نقوم بثورة فى الشعر إلا بتثوير الشعر نفسه.

البنية التصويرية فى قصيدة النثر؛ كانت ورقة البحث الذى تناول فيها د.حسن محمد سنوسى تاريخ قصيدة النثر، ومن المغرب تحدث أ. عبد اللطيف الورارى عن الوعى الكتابى والجماليات المغايرة فى قصيدة النثر المغربية.. كما تحدث د.أحمد حسن محمد مدرس اللغة العربية بجامعة أسوان عن العلاقة بين إشكالية التلقى ونظرية التلقى حيث القراءة والاستيعاب تؤثران ويتأثران فى التفاعل مع قصيدة النثر.

مؤتمر قصيدة النثر محاولة تتكرر للمرة الثالثة هذا العام فى البحث عن زمنها المفقود ولخلق مكان لها بين الأنواع الأدبية!!