تغريدة تجربتان فى اللغة إبراهيم فرغلى   بعيدا عن القضية المستهلكة التى تأخذ أحيانا شكل الصراع حول الفصحى والعامية، هناك تجربتان فى تطوير لغة السرد الأدبي، أولاهما الكثير من الاحترام،

rrrrrrrr

تغريدة

تجربتان فى اللغة

إبراهيم فرغلى

 

بعيدا عن القضية المستهلكة التى تأخذ أحيانا شكل الصراع حول الفصحى والعامية، هناك تجربتان فى تطوير لغة السرد الأدبي، أولاهما الكثير من الاحترام، هما تجربتا الكاتبان الموهوبان القديران مصطفى ذكري، ويوسف رخا.

السبب الأول فى احترامى لهاتين التجربتين أن أيا منهما لم يقدم موضوع اللغة وتطويرها بتعسف أو افتعال، بقدر ما أنهما جاءتا فى سياق التجربة الأدبية. وهذا لا يعنى أنهما التجربتان الوحيدتان المتعلقتان باقتراح تجارب سردية مختلفة تعتمد وتتضمن تطويرا للغة السردية، فهناك فى الأدب المصرى المعاصر تجارب كثيرة مهمة، لكنى أتوقف عند الأحدث والأكثر معاصرة.

اللغة عند مصطفى ذكرى هى جزء أساسى من نسيج التجربة السردية. تشعر أن كل كلمة مختارة بدقة وبعناية ومعرفة. كل كلمة ينبغى أن تصنع فى النهاية أسلوبا لا يمكن أن يماثل أسلوب كاتب آخر، وهذا هو ما يسميه ذكرى شرف الكاتب. وهو توصيف شديد الدقة.

بهذه اللغة التى بدا جليا انشغال ذكرى بها منذ بواكير أعماله نحت أسلوبه الخاص، كما أن اهتمامه الشديد بالتفاصيل- أو بالأحرى ولعه بالتفاصيل- أثر كثيرا أيضا فى طبيعة اللغة السردية التى أنتجها فى نصوصه.

على سبيل المثال، سنجده حتى حينما تأثر بألف ليلة وليلة فى روايته التى صدرت مطلع التسعينات “هراء متاهة قوطية”، انشغل بحرف واحد هو حرف “الواو”، وهو  حرف يوسم أو ينظر إليه بشكل دوني، بتعبير ذكري، لكى يوظفه فى المناطق اللغوية البلاغية الضعيفة فى اللغة، أى لكى يقوم بما يسميه “هتك البلاغية” الشائعة فى ألف ليلة وليلة.

بالإضافة إلى أن نصوص مصطفى ذكرى فى غالبيتها العظمى تميل لأن تكون مكثفة، وهو ما يحتاج إلى طاقة خاصة لشحن الكلمات بطاقة التكثيف، واختيار الكلمات بأعلى درجة من الحساسية.

بالنسبة ليوسف رخا، فقد مارس أكثر من شكل أدبي، لأنه بدأ بالشعر، ثم انتقل إلى السرد، وأدب الرحلة، وفى كل هذه التجارب بدا جليا أنه مشغول بطرق تعبير فنية مختلفة، ولذلك فحتى حين كتب تجاربه فيما قد ينضوى تحت مسمى أدب الرحلة فى “بيروت شى محل” مثلا، أو فى كتابه عن تونس أو غيرهما، لم يكن مشغولا برصد ما يرى، بقدر ما بدا جليا انشغاله بالكيفية التى يوجد لهذه الملاحظات وسيلة بلاغية، أو أسلوب لغوى يلائم النص، ويقدم تجربة لغوية جديدة.

وطبعا كانت الطاقة المبذولة فى اختلاق بلاغة أدبية جديدة أكثر وضوحا فى روايته “الطغرى”، لأنه حاول فيها المزج بين اللغة السائدة فى مدونات المرحلة العثمانية مع اللغة المعاصرة تدوينا وشفاهة على مستوى الخطاب اليومي، دون الوقوع فى فخ التحيز لأى منها، لأنه قدمها فقط لخدمة النص، ولإيجاد شكل يناسب مضمون الرواية، وبلغة تخصها وتعبر عنها.

لا ادعاء هنا بأهمية الفصحى أو العامية، ولا تحيز بين الاثنين، بل فقط محاولة لغوية تأتى كجزء من نسيج النص الأدبي، سواء كان الأمر فى أعمال مصطفى ذكري، أم فى أعمال يوسف رخا.

أما السمات الفنية الدقيقة التى تميز هاتين التجربتين اللغويتين شديدتى الأهمية بين تجارب النصوص السردية المعاصرة فسوف أعود لها تفصيلا، ولكل منهما على حدة فى المقالات اللاحقة.