رؤوف مسعد يكتب: الزمن الملحمى فى كونشرتو ربعى المدهون أعنى باصطلاح الملحمى هنا، الاصطلاح الذى أسسه المسرحى برتولد بريخت، بعنوان «المسرح الملحمى»، طبقا للترجمة العربية لاصطلاح Epic الترجمة تقول: هو

008

w101

رؤوف مسعد يكتب:
الزمن الملحمى فى كونشرتو ربعى المدهون

أعنى باصطلاح الملحمى هنا، الاصطلاح الذى أسسه المسرحى برتولد بريخت، بعنوان «المسرح الملحمى»، طبقا للترجمة العربية لاصطلاح Epic
الترجمة تقول: هو شكل مسرحى فى الكتابة والعرض، ظهر فى نهايات القرن التاسع عشر، فى محاولة من المسرحيين للخروج من أزمة الشكل الدرامى المهيمن، باللجوء إلى أدوات السرد الملحمى التى كانت حكرا على الملحمة وحسب. والهدف من ذلك هو الخروج من محدودية الشكل الدرامى التقليدي، الذى اقتصر على عرض قصص الأفراد، بغرض عرض العلاقات المجهولة التى تملى على الفرد سلوكا معينا، فى حين يبدو سلوكه اختيارا حرا. وقد انحصرت هذه المحاولات بداية فى ألمانيا، وكانت بوادرها فى مسرحيات الألمانى فرانك فدِكيندْ ذى الأسلوب ما قبل التعبيرى Pre-expressionist الذى اعتمد على عرض أحداثٍ من الحياة اليومية تبدو ظاهريا بسيطة وتلقائية.
( المرجع: الموسوعة العربية – النيت)
ملحوظة من الكاتب: اما بالنسبة للمعلقات على أستار الكعبة والتى يعتبرها البعض «ملاحم» فهذا أمر لا يعنينا هنا.
ونلاحظ استخدام ربعى المدهون الاصطلاح «مصائر» فى عنوان الرواية، ما يدل أيضا، على إحساسه بان شخوصه – فى الرواية – لم تملك من أمرها شيئا يُذكر، مدفوعة دفعا الى مصائرها الهولوكوستية (نسبة الى الهولوكوست أو محرقة اليهود) لأجناس مختلفة من البشر.
ولتحديد موقفى أكثر من «نظرية ملحمية الزمن»، التى ابتعد أنا بها مسافة كبيرة عن بريختية المسرح، لأضعها فى سياق الرواية؛ اعنى بالملحمية هنا، اصطلاح التراجيديات الإغريقية باعتبار «مصائر شخوص» التراجيديات، قد تم تحديدها بواسطة الآلهة، وانه لا مناص من أن يصل الشخوص الى أقدارهم الكوارثية التى خطتها لهم الآلهة.
ولأن زمننا لم تعد به آلهة جمعية او فردانية – على الرغم من انه ممتلئ حتى الحافة بالتراجيديات – التى تتخذ ذروتها المتكررة، من آن لآخر، فى «هولوكوست» بشرى – قديما – ما بين المانيا النازية، بمحاولة تصفية عرقية وجنسية ضد اليهود والغجر والمثليين والمتخلفين عقليا؛ وصولا الى دير ياسين الفلسطينية التى كانت مفتاح نكبة 1948، وأسست الهولوكوست الخاص بها، الذين اوجده اليهود الذين نجا بعضهم من المحرقة النازية – وأولادهم وأحفادهم – ضد الفلسطينيين ومارسوه بدم بارد.
وأريد إيضاح موقفى هنا؛ بأنى قارئ للرواية – أى رواية أقوم بكتابة قراءتى لها – عبر مفاهيمى عن «صناعة الرواية» التى أمارسها كتابة؛ فى محاولة خلق واقع/ ملحمي/ زمني، تسبح فيه شخوصي، كما تسبح فى هكذا «وقائع» متشابهة ومتعددة الشخوص لروائيين آخرين رغم قلتهم.
من هنا جاء احتفائى برواية ربعى المدهون الأخيرة «مصائر.. كونشرتو الهولوكوست والنكبة»، لانتهز الفرصة لأقدم رؤيتى فى تصنيع فن روائى مختلف عن السائد فى «الأسواق»، الذى أصبح صناعة – بدلا من أن يكون فنا- لإنتاج كثيف وغير مجد ولا مفيد للرواية العربية الحالية؛ فزادها سقما على سقم وهزالا على هزال – كما أراها – من وجهة ذائقتى وصنعتي.
الزمن الملحمى الروائى التنبؤي
انا من الأشخاص الذين يعتقدون أن بعض المبدعين من الكتاب، فى النثر والشعر، يخلقون نبوءاتهم الخاصة. وهم يعملون ويبدعون فى منطقة تخصهم، أطلقُ عليها «الزمن الملحمى التنبؤي»، ولا اخصصها للرواية وحسب؛ لكن للشعر أيضا. وأعنى بالتنبؤ هنا؛ حكمة معرفية مُخصصة للمبدعين، تجعلهم «يرون» ما لا يراه مبصرون غيرهم!
لنتخيل زائرا لمتحف به «موميات» محنطة؛ الهدف الأساسى من وجودها، التواجد الرمزى «للتجسد الفرعوني»، أى استمرارية وجود المومياء مصاحبة للروح «الكا» (رمز الروح الفرعونية)، التى تحيط بها منتظرة انبعاثها من جديد، لتتواجد مع صاحب المومياء فى واقع اخر خارج الزمن البشرى والمكان الأرضى المعتاد، وهو «حقول أوزير» التى يعيش ويعمل فيها «الراحلون» من الشرق الى الغرب، من الحياة الآنية الى الحياة الأخرى؛ يمارسون أعمالهم السابقة طبقا للمعتقد الفرعوني.
هنا، يتم تدوير الزمن بالمفهوم العلمى الحديث لاصطلاح «التدوير» recycling، وتخليقه مرة – وأيضا مرات – لتتواصل «حدوتة» الحياة بأشكالها المختلفة مما قبل «الرحيل» الى ما بعده.

007
فى «مصائر» المدهون، توجد أشكال عدة للحياة، بعضها واضح وبعضها غامض فى «الزمن» الخاص بالرواية الفلسطينية. وهنا اعنى تحديدا، ليست الرواية التى يكتبها روائيون فلسطينيون وغير فلسطينيين عن فلسطين، لكن «تراجيديا ملحمية» الشعب الفلسطيني، الراحل والمترحل، والمهاجر والعائد من هجرته، والذاهب الى تغريبته الطويلة بلا عودة.
الذين بقوا فى فلسطينهم وكتبوا سيرة بقائهم التراجيدية على شواهد قبورهم، يتحولون الى «موميوات متجسدة »، تحيط بها أرواحها ليوم انبعاثها المحتوم عبر «الزمن الملحمي».
فمثلا، توجد شخصية «الأم» فى الرواية، والدة الراوي. وإذ فاتنا أن نقرأ «الإهداء» قبل الدخول الى الرواية، فلن نعرف انها رحلت عن عالمنا، وان ابنها الراوي، «استحضرها» فى الرواية، وجعلها تخاطبه كما تعودت هى أو/ وكما يتذكر هو ملامح خطابها وصوتها بلكنتها القروية المحلية.
الصوت يعود إلينا مرة اخرى – حيا ونشطا – بعد رحيلها؛ نراه ونسمعه يتابع الابن القادم من غربته، وتعاتبه بحنانها، حيث «لم يكن عنده وقت لزيارتها».
تزوده الأم عبر روحها المتواجدة مع الراوي؛ بالأخبار، والحكايات، والحكمة. ترافقه فى رحلته الحالية قادما من تغريبته.
ونتابع أما اخرى، هى أرمنية فلسطينية، هاجرت الى انجلترا مع زوجها البريطانى – لكنها متوفاة – نتابع مصير رمادها تحمله معها ابنتها، زوجة الراوي؛ تنفيذا لوصية الأم.. الرحلة كلها ذريعة لتنفيذ النصف الثانى من رغبة الأم الراحلة.
فالأمهات هنا فى الرواية، يواصلن «بقاءهن الزمنى الملحمي»، على الرغم من رحيلهن عن دنيانا. تنفذ الزوجة وزوجها الفلسطيني، رغبة الأم الارمنية الفلسطينية، بأن ينثر نصف رماد جسدها المحروق برغبتها (وليس فى محرقة هولوكوست)، على نهر التايمز الانجليزي، والنصف الاخر فى بيت والديها الفلسطينيين الارمنيين اللذين عاشا فيه فى عكا. انها عودة الرماد المتبقى من جسد محترق.. عودة رمزية سوف ترفضها العائلة اليهودية التى استولت على بيت الارمنية الفلسطينية، وتطرد البنت/ الزوجة، ولا تسمح لها حتى بالدخول وتنفيذ رغبة الأم الأخيرة.
ذريعة وسبب وجود الرواية، نثر الرماد لفلسطينية مهاجرة؛ نثره فى بيتها الفلسطيني. هكذا تجد الرواية سبيلها الى الوجود والى «سبب الوجود»، أى عبر إعادة تدوير الزمن recycling، واستجلابه ليتوازى ويتقاطع، احيانا، مع «الآن» أى زمن حكى الحكاية الفلسطينية المتواصلة ابدا والتى لا تنتهي.
من البيت الى الخيمة، ومن الوطن الى التغريبة. وبعض محاولات العودة والاستقرار فى اسرائيل/ فلسطين طبقا للشروط الإسرائيلية المجحفة، كما سنقرأ فى الرواية عن أكثر من تجربة فاشلة فى هذا المضمار.
نقرا ونشاهد إعادة تدوير الحياة للغائبين (كما فى موقف ام الراوي)، واستحضار أرواحهم وهى محسوسة، عبر أسمائهم ووظائفهم العائلية من أمهات وآباء وغيرهم؛ ليتحول الزمن الفلسطينى للحكى غير المحسوس، الى «مادة محسوسة لا تفنى ولكنها تتجدد»، بدءا بشخصيات لا نعلم ان كانت حقيقية او روائية، لكنها متواجدة فى «رواية اخرى داخل الرواية» (هى شخصية باقى فى فلسطين، او السيد «باقى» هناك)، رواية وحكاية تكتبهما زوجة فلسطينية قررت الحياة فى يافا، رافضة غربتها الأجنبية، بينما زوجها الفلسطينى يريد العودة (والتدوير) مرة اخرى فى مدينة تغريبته؛ اذ ترفضه اسرائيل، ولا تمنحه حق العمل والإقامة، فيقوم هو، بالمقابل، برفضها. وسيكون ذلك من الأسباب التى قد تحطم زواجه (فى الرواية الداخلية)
هكذا تتأسس مصائر المدهون «الروائية» عبر الملاحم، لشخصيات بسيطة، نراها فى جدل تفاعلاتها اليومية المعيشية مع القدر، وهى تعيش مصائرها التى لا يد لها فيها، عبر أحداث الحياة الحقيقية (والمتخيلة احيانا، مثلما تخيل الراوى متحفا فلسطينيا على الأراضى القريبة من المتحف الإسرائيلى للهولوكوست. ويكون المتحف الفلسطينى أيضا، أمنية تتحقق فى الرواية، بذكر أسماء من قتلتهم اسرائيل غيلة)
يكتب لنا الكاتب مقدمة تمهيدية، لكى «ندخل» فى الرواية حسب رغبته، عبر كونشرتو موسيقي، قائلا: «قمت بتوليف النص فى قالب الكونشرتو الموسيقى المكون من أربع حركات». بالطبع، من حق المؤلف استخدام هذه التقنية المعقدة والصعبة على القارئ العربي، بهدف – كما أعلن – أن «يستعير عملا أدبيا فى بنائه شكلا موسيقيا». وان كنت أرى، أن الاحتفاء بالرواية – من جانبى – لا علاقة له بهذه التقنية، التى انتقاها واختارها المؤلف، إنما بتوليفه جدلا متواصلا بين سلمين موسيقيين: الأول، هو «الباقون» فى المكان والزمان الفلسطينى/ الإسرائيلي. والثاني، هو من ارتحلوا منه الى تغريبتهم.
يوجد هنا جدل مهم بين «فريضتين»، تصل كل منهما الى قدسيتها الخاصة بها: الاولى، هى فريضة البقاء فى المكان/ الوطن. والثانية، هى فريضة الرحيل بعيدا عن التقتيل الإسرائيلى للفلسطينيين؛ بحثا عن وطن «ثان/ بديل»، يوفر الحياة الآمنة لراحلين ظنوا انهم من المحظوظين؛ الناجون من النار الهولوكوستية الإسرائيلية، ليجدوا أنفسهم فى مخيمات الشتات، حتى لو كانت فى شوارع لندن الآمنة!

009
هذه مصائرهم التى لم يستطيعوا النجاة منها!
هؤلاء يحملون «رماد» موتاهم – مجازيا – ينضم إليهم مئات الألوف، من الذين تم ترحيلهم عنوة عن ديارهم بواسطة اسرائيل، او الذين اختاروا الترحيل – سابقا – على الرغم من عدم معرفتهم بأخطاره المستقبلية. وقد جاء خيارهم عن جهل بحقيقة ما يجرى خارج حدود اسرائيل فى دول عربية. وبجهل أيضا، حقائق التاريخ والهولوكوست، بسذاجة تصل الى حد الإثم، بان اسرائيل – أيامها – زائلة لا محالة، وعلى الراحلين أن يحتفظوا بمفاتيح بيوتهم لتسهل عليهم مواصلة ما تجمد من حيواتهم السابقة.
الباقون فضلوا المغامرة بحياتهم وبقاءهم على أرضهم وفى ديارهم لا يفارقونها؛ يتوقعون «مصائرهم» داخل الهولوكوست (اليومي) للدولة الإسرائيلية، عبر التفرقة فى المواطنة وحرية التنقل.. الخ.
كل هذا قديم ومعروف، ولا جديد روائيا به ولا جديد أيضا معرفيا. إذن، ما الذى يميز رواية «مصائر» عن غيرها من الروايات الفلسطينية التى تناولت فلسطين ومصائر أهلها؟
جوابى هو: لأن المؤلف هنا، لا يتخذ لنفسه سيف المعز ولا ذهبه. لا يدين الراحلين ويعاقبهم، ولا يشيد بالباقين ويكافئهم. ولا يصنع من «الباقين» أبطالا وشهداء. فهو غير معنى – وهو على صواب – بإدانات سياسية وأخلاقية، لأن هذا من الأساس يخرج الروائى من وظيفة الحكى الى مهمة القاضى والجلاد. إنه يتحرك فى نهاية الرواية، بين متحفين للتقتيل:
الأول، واقعي، وهو اليهودى (وعن آخرين غير يهود كما ذكرت سابقا) متحف حقيقى ومادى الوجود.
والثاني، متحف يصنعه ويتخيله، يسميه «ذاكرة الفلسطينيين»، متخيلا تأسيسه بالفعل، بالقرب من المتحف اليهودي، تعبيرا عن مصالحة بين الشعبين، كما تقول له، دليلته الخيالية المجانية التى التقاها صدفة..
أى أمنية يود تحقيقها؟
فى خطاب لاميل حبيبى موجه الى الشاعر الفلسطيني، عز الدين المناصرة، يتحدث حبيبى عن قضيتين أساسيتين فى الهولوكوست الفلسطيني.. الباقون الذين عليهم أن يحملوا جوازات السفر «الزرقاء» الإسرائيلية. (نشرت الخطاب مجلة «دفاتر» الفلسطينية، التى تصدرها وزارة الثقافة الفلسطينية، بتاريخ 12 فبراير 1979، بعث بالرسالة من براغ، يحلل فيها التجربة الفريدة «لمصائر» لأهالى كفر قاسم، فى المذبحة الشهيرة التى أوقعتها بهم العصابات المسلحة الإسرائيلية. ويناقش حبيبي، فكرة لفيلم عنوانه «عباد الشمس»، عن قرية فلسطينية بهذا الاسم، قام الجيش الإسرائيلى بارتكاب مجزرة اثناء جنازة فى القرية) يقول حبيبي، «إن حكام اسرائيل أذكى من اقتراف مجزرة فى جنازة، وشعبنا فى اسرائيل هب ويهب لمقاومة ظلم، حينما يكون هذا الظلم اقل بكثير من مجزرة فى جنازة». ويحلل حبيبى لماذا وقع اختيار المجزرة على كفر قاسم، «لأن أهلها صدقوا الوهم بأن سيرهم مع الحائط الواقف يكفيهم شره! فلم تظهر فى كفر قاسم أية مقاومة، ومنعوا اى نشاط سياسى داخل قريتهم، لا شيوعى ولا غيره. لذا اختار الجزارون هذه القرية دون قرى المثلث الحدودية الأخرى».
وأخيرا
إميل حبيبى متواجد بقوة فى الرواية عبر تواصل «بقائه» الروحى والمعنوى فى حيفا وتواجده عبر تخليد اسمه على شارع من شوارع حيفا التى يعيد تخليقها المدهون فى زمنها الملحمى!

…………………………………
رءوف مسعد
أمستردام