طارق سعيد يكتُب عن هاملت ألبيرتو المدهش   فى حوارى مع المخرج الشاب ألبيرتو سانتياجو الذى كتب وأخرج العرض الرائع فينوم هاملت.. قلت له “بصراحة عندما علمت أن العرض

600

 

طارق سعيد يكتُب عن

هاملت ألبيرتو المدهش

 

فى حوارى مع المخرج الشاب ألبيرتو سانتياجو الذى كتب وأخرج العرض الرائع فينوم هاملت.. قلت له “بصراحة عندما علمت أن العرض عن هاملت قلت فى نفسى لا ليس مرة أخرى.. لكن عندما شاهدت العرض استمتعت واندهشت وكأنها المرة الأولى التى أشاهد فيها عملا مأخوذا عن نص شكسبير المدهش “فضحك بطريقة طفولية أدخلت البهجة إلى نفسى وأفهمتنى.. كيف صنع هذا العرض الممتع؟

بمجرد أن تدخل إلى قاعة عرض مسرحى وتجد آلات موسيقية على الخشبة أى أن هناك عزفا موسيقيا حيا فى العرض تمنى نفسك بقدر لا بأس به من المتعة.. وقد منيت نفسى بها ولم يخذلنى أمام نفسى فريق أرتيف اكتيوم الذى قدم العرض المكسيكى “فينوم هاملت“ أو “سم هاملت“.. فقد بدءوا بغناء مكسيكى شعبى يسمى كاردنشى أضفى على المكان أجواء ساحرة وغامضة تليق بعمل مأخوذ عن أحد أهم النصوص للعم شكسبير.

وهنا يكمن سر هذا الفن الممتع المرعب المسمى المسرح.. فى الخيال.. كيف سيأخذنا فنان المسرح فى رحلته الغامضة وكيف سيعزف على أوتار مشاعرنا وعقولنا وحواسنا لنرى العالم من عينيه؟

فبينما شكسبير اختار لمونولوج الكينونة الأشهر.. الذى يتسائل فيه هاملت.. أكون أولا أكون.. المشهد الأول من الفصل الثالث.. نجد خيال ألبيرتو يهديه لأن يضعه فى البداية.. فنفاجأ بهاملت يقف أمام ميكروفون ملقيا هذه الكلمات العميقة التى تحمل فلسفة الحياة “أمن الأنبل للنفس أن يصبر المرء على مقاليع الدهر وسهامه؟.. أم يشهر السلاح على بحر من الهموم.. وبصدها ينهيها ؟ نموت.. ننام…… وإذا حلمنا فما قد نراه فى سبات الموت من رؤى“ سؤال مهم بجد.. ولذلك نفس الخيال الشقى يرشد صانعه لأن يكون هذا المونولوج هو اخر ما نسمع فى العرض.

وما بين البداية والنهاية يأخذنا فريق العمل فى رحلة مليئة بالصور الفنية الممتعة عبر ست لوحات مسرحية تحمل كل واحدة اسما نراه مكتوبا على الشاشة التى استخدمها المخرج طوال العرض لتضيف عمقا لخشبة المسرح تعرض صورا وأشكالا.. ثابتة أو متحركة.. كأنها تمثل ما بداخل الشخصيات من مشاعر وصراعات .

977

ست لوحات فنية مليئة بالمفاجأت. ففى اللوحة الأولى نرى هاملت وقد دخل فى دمية عملاقة وكأنها قد احتوته داخلها وأصبح يتحرك داخلها بدقة وتمكن. برع فيها الممثل الذى قام بالدور حتى كان يخيل إلى فى بعض الأوقات أن الدمية تحزن وتشعر بالحيرة والانكسار.. وتدخل دمية أخرى لتمثل شبح الأب الذى يطالب ولده بالانتقام.. وهى مفاجأة مدهشة فى الاختزال وتكثيف العلاقات والمشاعر.. كانت الصورة المسرحية جميلة لدمى تتحرك ببراعة ودقة على خشبة المسرح وأفكار تعبر برشاقة عن أهم ما فى العلاقة بين هاملت وأبيه وهو الانتقام .

وفى اللوحة الثانية تتواصل المفاجآت إذ نرى كلوديوس الملك الذى خان أخاه وتزوج أرملته على خلاف السائد وقد جسده شاب يافع ورشيق وهو توظيف ذكى يجعل من هذا الشاب مطمعا للملكة يجعلها تتآمر على زوجها وتتخلص منه لتفوز بهذا الشاب القوى وكالعادة ليست المسألة فقط فى الأفكار لكن على مستوى الصورة نرى كلوديوس وهو يرقص مع الملكة رقصة جميلة وحيوية لا تخلو من حسية عبروا عنها بشكل فنى جميل وعبرت عن أهم ما فى العلاقة بين كلوديوس والملكة وهو الشهوة .

وفى لوحة أوفيليا الفتاة الحالمة التى تحب هاملت نرى الممثلة وهى تملأ المسرح بالحياة غناء ورقصا وهى تتعامل مع دمية هاملت وكأنها تحاول أن تعيد لهذه الدمية الحياة وعندما تكاد تنجح فى ذلك يقف شبح الانتقام عائقا بين أوفيليا المحبة وهاملت المهزوم المطارد بشبح الانتقام .

وفى اللوحة الرابعة نرى الملكة جرترود ونرى كذلك علاقة بصرية جميلة بين هاملت الدمية وبين أمه المرأة الموصومة بالخيانة.. تكثيف جديد للمشاعر والأفكار يتبعه فى اللوحة التالية مشهد تجرع السم وكأن السم الذى وضع للملك الأب مكتوب على هاملت أن يتجرعه وهو مجاز رائع عبر عنه الممثلون بأداء حركى بارع .

لم يتبق غير مشهد بديع لكل ممثلى العرض وهم يضعون الشموع على قبر هاملت ثم يحملون دميته على شكل نعش ليذهبوا به لمثواه الأخير.. ثم نرى ممثلا اخر ينهى بنفس مونولوج البداية “أكون أولا  أكون……. نموت.. ننام…… وإذا حلمنا فما قد نراه فى سبات الموت من رؤى“.