خالد عبد العزيز يكتُب.. كافيه سوسايتى.. الحب فى مواجهة المادة   تبدو تيمة العودة للماضى وكأنها تشغل حيزا لا بأس به فى عقل وودى آلن، وكأنه يكن حنينا خاصا للماضي،

allen-cannes-ouv_0

70

خالد عبد العزيز يكتُب..

كافيه سوسايتى.. الحب فى مواجهة المادة

 

تبدو تيمة العودة للماضى وكأنها تشغل حيزا لا بأس به فى عقل وودى آلن، وكأنه يكن حنينا خاصا للماضي، يُعيد صياغته ومعايشته فى أفلامه مثل فيلمه «منتصف الليل فى باريس» 2011 الذى عاد فيه لباريس العشرينات، باحثا عن باريس التى يُحبها برفقة إرنست همنجواى وبيكاسو وغيرهم من فنانى تلك الفترة.

وفى فيلمه الأخير «كافيه سوسايتى» يطرق وودى آلان الماضى مُجددا، هذه المرة بعيدا عن أجواء باريس، متنقلا بين هوليوود ونيويورك، باعثا سؤالا قد يبدو شديد السذاجة هل يبقى الحب أم أنه ينزوى فى مواجهة الماديات؟ لكن هذا السؤال رغم أنه تمت صياغته فى أكثر من فيلم، ألا أنه فى هذا الفيلم وبالعودة للثلاثينات بدا وكأنه سؤال جوهرى فعليه دارت الأحداث فى أجواء مغايرة بمذاق وودى آلان.

8811

البناء والسرد.. نظرة بانورامية لأمريكا الثلاثينات

الزمن الثلاثينات، المكان هوليوود، الشخصيات «بوبى» جيسى ايزنبرج الباحث عن عمل عند خاله «فيل» ستيف كاريل فى مجال صناعة السينما فى هوليوود، ليجد التهميش من قِبل خاله – يبدو آلن وكأنه يتذكر حياته فى بدايات دخوله المجال السينمائى – حتى يعمل لديه أخيرا ويقع فى حب مساعدة «فيل» «فونى» كريستين ستيورات، التى ترتبط فى علاقة عاطفية مع فيل، لكنه يتركها فى لحظة نزق بحجة الحفاظ على بيته المهدد بالخراب من جراء هذا العلاقة. قد تبدو هذه الأحداث عادية للغاية. لكن إذا تأملنا السرد وصوت الراوى الذى يروى هذه الحكايات عن بوبى وطريقة الانتقال من مشهد إلى آخر والعودة بالزمن للوراء قليلا لحكى شىء ما أو إضافة شخصيات جديدة للسرد سنجد أن السيناريو سلسا وانتقاله بالأحداث كان شديد الذكاء وطريفا أيضا، فالتعريف بأفراد عائلة بوبى وكأنهم شخصيات كاريكاتيرية وتحديدا الأب «كين ستوت»، فقد بدوا وكأنهم ظرفاء حقا رغم ما يخفون من خبث أحيانا وإجرام أحيانا أخرى مثل «بن» كورى ستول المجرم الخارج على القانون.

حاول آلن تقديم صورة بانورامية للمجتمع الأمريكى فى تلك الفترة قبل الحرب العالمية الثانية، هوليوود وصناعة السينما وعلى الجانب الآخر نيويورك، صفوة المجتمع التى تجتمع فى المقاهى وتتناول أخبارها من خلال هذه الاجتماعات، ليست أخبارها المعلنة فحسب بل ما يُتداول سرا أيضا!

الحب.. هل يبقى؟

الحب أمام الماديات والاغراءات؟ الإجابة بالتأكيد ليست لدينا نحن المتفرجين، بل نجدها عند فونى التى تتخلى بسهولة عن بوبى وتتزوج فيل الذى لا يزال يحتفظ بهدية فونى فى ذكرى حبهما «رسائل فالنتينو» فى مكتبه «وتُركز الكاميرا على الرسالة المُحاطة ببرواز بعد أن تلتقطها عين بوبى ويدرك أن حربا ما ستندلع ضد خاله».

الزمن لا يبقى على حاله وبالتالى الأشخاص أيضا يتبدلون، السيناريو أبرز أيضا تغير بوبى هو الآخر، فالماديات تجذب الجميع، ليست فونى فقط من اختارت مصلحتها، لكنه بوبى اختار هو الآخر التضحية بحلمه فى العمل فى صناعة السينما وعاد لنيويورك للعمل فى الملهى الليلي، وهنا نلاحظ أن هذا الملهى مجتمعا صغيرا قائما بذاته، يضم الصفوة، سرعان ما يكون بوبى هو نجم تلك المجتمعات التى تُشير للأغنياء فى الثلاثينات والثراء السريع الذى طال البعض. وسط كل هذا هل يعود الحب مرة أخرى؟

الإجابة عن هذا السؤال قدمها المشهد الأخير ببراعة مُستخدما تقنية المونتاج المتوازي، مُعبرا عن حالة بوبى وفوني، كل منهما فى مكان ما بعيد عن الآخر يحتفل ببداية سنة جديدة، وكأن الزمن يركض تاركا وراءه مشاعر لا ترويها سوى الذكرى، كل منهما يتذكر الآخر مُفتقدا رفقته مُحاولا الانغماس قدر المستطاع فى عالمه البعيد عما يرغب.

السيناريو.. احترس ألغام على الطريق

عائلة بوبى رغم ما تتمتع به من خفة دم، الا أنها أيضا متعصبة لهويتها اليهودية، فنجد الأم ترفض وتستنكر تخلى ابنها «بن» عن يهوديته وانتمائه الجديد للمسيحية لأن اليهودية لا تؤمن بالحياة الأخرى حسبما قال، فنجد الحوار بين الأم والأب الذى لا يملك حيال ما حدث أدنى رأي، فيقول لزوجته عندما تسأله «ماذا تملك حيال الموت؟» فيرد عليها بحماس «أملك صمتى.. لأن كل عمرى صليت وصليت ولم أجد إجابة» فتباغته زوجته قائلة «لا إجابة أيضا إجابة». وهذا يُحلنا لنقطة اخرى فى السيناريو وهى ليست اليهودية فقط بل الاديان عموما وتشبث كل شخص بمعتقده، وهل من الممكن أن يُغيره بسهولة؟ ومدى تقبل بقية الأطراف المحيطة حوله لهذا التبدل.

الصورة.. الفن التشكيلى مُتحركا

لمسات فيتوريو ستورارو مدير التصوير – الحائز على الأوسكار عن فيلم سفر الرؤيا الآن – واضحة للغاية، فأغلب الكادرات بدت وكأنها لوحات من الفن التشكيلي، مُعبرة عن الماضي، بدءا من الألوان التى جاء اختيارها موفقا وحتى الإضاءة، وتتضح فلسفة الاضاءة ومشاركتها فى التعبير فى الصورة من خلال عدة مشاهد لعل أبرزها، المشهد الذى يجمع عائلة بوبى على العشاء بعد عودته من هوليوود، نجد أن الإضاءة خافتة على عكس الإضاءة فى هوليوود، وكأنه أراد أن يوضح أن الشهرة والأضواء تتلألأ من مكان واحد، وكأن عائلة بوبى مكانها فى الظل على عكس الخال «فيل» فى هوليوود حيث الشهرة والثراء. أما المشهد الذى يجمع بين «بوبى»  و«فونى» بعد عودتها من العشاء مع «فيل» لينقطع التيار الكهربائي، ليدثر الظلام وجهيهما وتصبح الشموع هى مصدر الضوء، يُذكرنا هذا التكوين بلوحات رامبرنت.

الخلاصة

فى النصف الثانى من الفيلم نلحظ تشابها ملحوظا للغاية مع فيلم «كازابلانكا» 1941، فالملهى الليلى الذى يديره مشابها للملهى الليلى الذى يديره «ريك» همفرى بوجارت، كما أن المشهد الذى يقابل بوبى فونى برفقة خاله شبيه بالمشهد الذى يجمع بين «ريك» و«إلسا» إنجريد برجمان فى احدى السهرات.

منذ بداية الفيلم والموسيقى التصويرية تُعيد إلى الأذهان الموسيقى الكلاسيكية وأغانى الجاز القديمة، وكأن وودى آلان يهيئ المتفرج لما هو مُقدم على مشاهدته، فيجد أن عجلة الزمن دارت للخلف وهذه احدى عبقريات السينما اللعب بالزمن، وفى هذا الفيلم كان اللعب ناجحا للغاية.

«كافيه سوسايتى» تجربة وودى آلن الأخيرة الذى لا يكتفى فيها بتقديم وجبة بصرية شهية، بل لا يزال يُمارس صخبه بأسئلته التى لا تكف عن طرق قلوبنا.. تُرى هل يبقى الحب أم يختفى أمام طوفان الماديات؟