احتقار بعض المهن وأخلاق القبيلة مصطفى نصر   ما زالت أخلاق القبيلة تسيطر علينا، رغم دخولنا العصر الـــحادى والعشرين، ففى رائعة توفيق الحكيم “ عودة الروح “ رجل بدوى يريد

00011

http://www.arabworldbooks.com/authors/images/mostafa-nasr.jpg

احتقار بعض المهن وأخلاق القبيلة

مصطفى نصر

 

ما زالت أخلاق القبيلة تسيطر علينا، رغم دخولنا العصر الـــحادى والعشرين، ففى رائعة توفيق الحكيم “ عودة الروح “ رجل بدوى يريد قتل مزارع لأنه جرؤ وتعدى كل الحدود وجاءه طالبا أن يتزوج أخته. فهذا البدوى يرى انه من طبقة أعلى وأهم من طبقة المزارعين. وهو نفس منطق طائفة تعيش فى الاسكندرية اسمها “ الهناجرة “، يرتزقون من سرقة الناس – ولا يسمحون لبناتهم بالزواج برجال من خارج قبيلتهم، وقد يقتلون الفتاة التى تجرؤ وتفعل ذلك.

وحكى لى أديب نوبى شاب من طبقة نوبية معينة استطاع دخول بيت نوبى مسن، فسمح له لأن يساعد ابنته فى دروسها، وأحبه الرجل حتى قال له يوما: معزتك عندى لا تقل عن معزتى لابنتي.

فاطمأن الشاب وجرؤ وقال له :

  • ما دام الأمر كذلك، فاسمح لى أن أتزوج ابنتك.

والظاهر أن طبقة الرجل المسن أعلى من طبقة الشاب ( فأنا لا أعرف طبقات النوبيين جيدا ) فغضب منه، وطرده من بيته ولم يسمح له بدخول البيت ثانية.

وما زالوا فى الريف، يحتقرون بعض المهن، فهذا حلاق، وذاك جده كان سقا.. إلخ. وقد قابلت منذ سنوات طوال بائع فى مجمع استهلاكى قريب من شركتنا بالطابية، ولما عرفت اسم قريته القريبة، سألته عن دكتور مشهور فى الأدب، ينشر فى الجرائد والمجلات؛ فهو من قريته، فقال لى باستخفاف شديد:

  • والده كان سقا.

وقالت لى قريبتى عن جار لها فى الإسكندرية، من بلدتنا فى الصعيد، قالت: لا كرامة له. لأنه يبيع قصب وحلوى للأولاد على ناصية الشارع.

وحكى لى أديب صعيدى مشهور عن أخته التى جاءت لتعيش مع زوجها فى القاهرة، ففى أول يوم لها فى السوق، تشاجرت مع بائع الخضار، فهى تحتقر أمثاله فى بلدتها، ولن تسمح لهم فى القاهرة أن يحدثونها باقتدار وتعال لأنهم مجرد باعة خضار.

ما زلت أخلاق القبيلة تحكمنا – فالمحاكم الشرعية التى كانت تختص بقضايا المرأة والزواج والميراث – كانت لا تأخذ بشهادة الممثلين والممثلات، فقانونها يقول:

  • الزمار والطبال وكل من يشتغل فى اللهو لا يصح الاستماع إلى شهادته.

وطبعا يندرج تحت هذا الحكم، الممثلون والممثلات والمغنيون والمغنيات.

وفى قضية زواج الشيخ على يوسف – رئيس تحرير جريدة المؤيد – بصفية ابنة الشيخ السادات – رفض القاضي، أبو خطوة زواجهما، وفرق بينهما، لعدم التكافؤ لأن الزوج يعمل صحفيا – وهى مهنة محرمة شرعا – لأنها تتبع عورات الناس – وربنا بيقول: لا تجسسوا.

ويحكى الفنان الشامل سيد بدير – عن سفره لمحافظة من محافظات مصر، موفدا من الإذاعة لإقامة إذاعة بها – فرحب المحافظ به بصفته موظفا كبيرا – وانتظره على محطة القطار بما يليق بمكانته، لكن لاحظ – سيادة المحافظ – إن الجماهير تداعب هذا الموظف الموقر بعبارات وإيماءات لم يفهمها – فسأل مساعديه عن ذلك – فشرحوا له الموقف – فهذا الموظف الكبير جدا – هو – فى نفس الوقت – ممثل – وكان يضحك الناس ويقوم بدور عبد الموجود ابن كبير الرحمية جبلي.

وفوجئ سيد بدير – بتغيير معاملة المحافظ له – لم يعد يحترمه ويوقره كما كان – واستهان به، مما أثر فى نفسية سيد بدير – وقرر أن يمتنع عن التمثيل نهائيا – اكتفى وقتها بإخراج الأفلام والمسرحيات وكتابة السيناريوهات وحوار الأفلام. ( عاد للتمثيل قبل موته بوقت قصير جدا – ظهر فى مسرحيتين أو ثلاثة )

وقد كان سيد بدير غير موفق فى رأيه هذا – فهذا المحافظ لا يمثل رأى كل الناس – وواضح انه متخلف – ويعتبر مشاهدة الأفلام من السفه وتضييع الوقت، وإلا كان عرفه فور مقابلته له.

هذه الأحداث المخجلة والتى توضح مدى تخلف ورجعية مجتمعنا، ظننتها انتهت بنهاية المحاكم الشرعية فى عام 1954 – لكنها – للأسف – ما زالت موجودة وبإلحاح شديد – فالهجمة الشرسة للوهابية المتشربة للعادات والتقاليد اليهودية؛ غزت مصر واحتلتها – كما أن السلفية فردت ذراعيها واحتوت كل شيء. والكل يخافها الآن، ويحسب لها ألف حساب. فيتحدث سلفى اسمه عبد الله بدر من داخل أحد المساجد عن الكاتبة الفاضلة سكينة فؤاد – معترضا لاختيار مرسى لها – أيام كان رئيسا – مستشارة له – فيحرك جسده داخل المسجد بما يعنى انها راقصة. وقال علنا معربا عن اعتراضه لأن مرسى اختار الدكتور عمرو ممدوح الليثى مستشارا له، فقال: هو قواد وأبوه قواد.

هذه رؤية الوهابية والسلفية لكتابة الأدب والفن. هؤلاء استحوذوا على الدولة – وكل الهيئات تهادنهم وتتقى شرهم – وتراضيهم. فسلفى أتعبه أن تسمى مدرسة فى بلده باسم أعظم ممثلة فى تاريخ السينما المصرية – هى فاتن حمامة، أحس بشوك فى جسده وهو نائم – كيف تسمى مدرسة باسم ممثلة – فالتمثيل حرام. وكل الممثلات عوالم لا يستحققن التقدير والاحترام – حرض أهل بلده – ووجد عقولا تشبه عقله – خرج فى مظاهرة تطالب برفع اسم فاتن حمامة. وسمموا أفكار تلميذات المدرسة: فاتن حمامة ممثلة – ولو أرادوا تكريمها فليطلقوا اسمها على سينما أو مسرح – ويكون هذا خارج مدينتنا الشريفة العفيفة الطاهرة التى لم تتلوث باسماء الممثلين والممثلات.

ورفع بعض سكان المدينة قضية لتغيير الاسم – ووافق القاضى على ذلك – وانتصر التخلف. «والتخلف دائما ينتصر فى أيامنا هذه»

ذكرنى هذا بحادثين حدثا وقت عملى – فقد استمعت زميلة لى لتمثيلية من تأليفى أذاعتها إذاعة الإسكندرية – فقالت عن ممثلات التمثيلية فى قرف: كلهم شراشيح.

قلت لها: بطلة السهرة دكتورة فى كلية الزراعة وزوجة وكيل وزارة السياحة فى الإسكندرية – والممثلات الأخريات – إحداهن طبيبة فى التأمين الصحي، وأخرى وكيلة وزارة – وأخرى خريجة الكونسرفتوار – وزوجة ملحن كبير. لكن زميلتى – الموظفة البسيطة – معتقدة ان كل الممثلات شراشيح.

والحادث الثانى عن زميل لى من مدينة قريبة للإسكندرية، كان يفخر بأن مدينته ليس بها دار سينما واحدة.

أحد أهالى المدينة التى رفضت أن يطلق اسم فاتن حمامة على مدرسة فيها؛ قال مستخفا باهتمام الإعلام بالحادث “ الموضوع أخذ أكثر من حقه إعلاميا “ – وإننى أرى ان هذا الموضوع غاية فى الأهمية – فقد وضعنا أمام مأساتنا، وجعلنا نخاف من المستقبل. فالوهابية والسلفية ترفض كل أنواع الكتابة الأدبية وتراه حراما ومخالفا للشرع – فقد سار معى زميل فى العمل – سلفى – حتى باب بيتى محاولا أن يثنينى عن الخطأ الذى أفعله، وهو كتابة القصة والرواية – فما دام الله يقص علينا أحسن القصص، فكل قص غيره محرم. والشعر أيضا حرام – والحاوى الذى كان له أتباع – ينتسبون إليه ويسمون باسمه – اقترح حلا لأزمة مصر المالية – يغنيها عن الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وهو: إلغاء هيئة قصور الثقافة وتوفير ما ينفق عليها – منتهى التخلف والهبل. فهناك قرى ليس بها أى سلوى أو مكان للترفيه سوى قصر أو بيت الثقافة.

وتقرأ عن هبل آخر، لا حدود له هو تحريم الموسيقى – وإن زكريا أحمد قام ليفتح الراديو ليسمع أغنية “ هو صحيح الهوى غلاب “ التى لحنها لأم كلثوم، فمات – يعنى لو لم يقف لفتح الراديو، ما مات – ولظل يعيش معنا للآن. وعليكم أن تحذروا من القيام بفتح الراديو بنية سماع الأغانى والموسيقى، فالموت ينتظركم.

وإن إسماعيل يس مات مفلسا لأنه كان ممثلا – سبحان الله، ما كثيرون ماتوا مفلسين – وكانوا يعملون فى أعمال بعيدة عن الفن. وأتذكر زميلنا فى العمل الذى أخذ جهاز تسجيل من زميلة ليعطيه لمصلح يعرفه، وبعد أن دفعت قيمة التصليح، عاد الجهاز لعيبه القديم، فقال لها بكل براءة:

  • اوعى تكونى سمعتى عليه أغانى أو موسيقى.

يعنى سماع الأغانى والموسيقى تفسد الأجهزة.

وتصدمنا المشاهد القاسية، فى التليفزيون، رجال ملتحون، يلبسون فى أقدامهم صنادل يحطمون آلات موسيقية لا أدرى من أين جاءوا بها، وآخرون يحطمون أجهزة التليفزيون، وآخر ما شاهدته رجال وصبية يحطمون أجهزة الريسيفر. الآتى صعب جدا – ولا أدرى ماذا سيحدث لبلادنا العربية والإسلامية خلال السنوات القليلة القادمة.