أمينة خيري هرشة فكرية موقف الرسول من «موكب الرسول»   كعادتنا خلال السنوات الست الماضية، انجرف فريق منا غارقا حتى شوشته فى صب الغضب وتوجيه الاتهامات وتكييل اللكمات للنظام والحكومة

9888

أمينة خيري

هرشة فكرية

موقف الرسول من «موكب الرسول»

 

كعادتنا خلال السنوات الست الماضية، انجرف فريق منا غارقا حتى شوشته فى صب الغضب وتوجيه الاتهامات وتكييل اللكمات للنظام والحكومة والأمن والرئيس، فى حين وجد الفريق المقابل نفسه ميالا إلى لوم الشعب حيث أكله الجشع وطغى عليه الجهل وتمكن منه الهبل. وما إن يصدر صوتا مناقضا لهؤلاء، ومنافيا لأولئك حتى سارع الطرفان إلى اتهام صاحبه إما بالانحياز للدولة «القاسية».. «الجائرة».. «البائسة»، أو بالتعالى على الشعب «المسكين».. «الننوس».. «المغلوب على أمره». حتى من ماتوا ضحية أحلام مضللة اسمها الهجرة غير الشرعية، سواء كانوا قتلى أو شهداء، أصبحوا مادة للهرى والهرى المضاد، ومثارا للخلاف وغرس المزيد من الصراعات الفكرية والخلافات النظرية فى مجتمع بات متفرغا لعمليات التحليل والتفنيد لكل كبيرة وصغيرة فى ضوء توجهات فكرية وأهواء نفسية يقنع البعض نفسه بأنها «ميول سياسية»، رغم أن السياسة منها بريئة. مأساة «موكب الرسول» (وهذا اسم المركب الذى أغرق مئات المصريين وآخرين من جنسيات مختلفة بينهم أطفال صغار) ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. صحيح أن الحادث مفجع نظرا للعدد الكبير من الضحايا الذين لقوا حتفهم فى عرض البحر، لكن طالما عوامل الهجرة غير الشرعية موجودة، والتمويلات اللازمة متوافرة، والسماسرة الذين يتقاضون على «الرأس» الواحد ما لا يقل عن 20 ألف جنيه، والبعض من الأمن ممن يبيعون ضمائرهم ويشتبكون مع «متعهدى الموت فى عرض البحر» حيث يتقاضون المعلوم نظير غض الطرف عن الخروج الفج على القانون، والحلم الضال بأن عبور المتوسط يعنى ثراء سريعا ونجاحا كبيرا ستظل تباغتنا على هيئات حلقات مسلسلة لا تستوقفنا إلا كلما غرق بضع مئات. هذا بالطبع بالإضافة إلى العوامل الكلاسيكية من فقر وجهل وشره البحث عن مال كثير، إن لم يتحقق هنا، فإنه حتما سيتحقق هناك. لكن عدم تحميل المهاجرين غير الشرعيين أى نسبة من نسب تحمل مسئولية ما جرى لهم، واعتبارهم قططا مغمضة لا تفقه شيئا فى أمور الحياة مبالغة ومغالطة كبرى. بل يمكن اعتبارها ضمن بند «الارتزاق من الفقراء» و«الإتجار بفقرهم»، وهى السمة التى انتشرت بين كثيرين على مدار العقد الماضي، حيث تحول الفقر والفقراء إلى مصدر رزق وعمل لبعض الأفراد والكيانات. «الفقراء» دفعوا تحويشة العمر أو باعوا مصاغ الأم أو اقترضوا ليدفع كل منهم ما لا يقل عن 20 ألف جنيه. والدفاع الأجوف عن قرارهم أو قرار ذويهم الانتحارى بالقول إن البلاد بائسة والناس يائسة و«رايحة بينا على فين يا مصر؟» لن يقنع كثيرين وأنا منهم. متعاطفة جدا معهم ومع ذويهم، لكنى لا أستطيع عدم تحميلهم جانبا من المسئولية. «موكب الرسول» الذى غرق قبل أن يصل الموكب إلى مقصده الأوروبى تقاضى ومن يقف خلفه من سماسرة ومساعدين بضعة ملايين نظير الحمولة الغارقة، فيا ترى ما موقف الرسول (ص) من تلك الملايين؟!