محمد عبد النبي على ما قُسم والسمك ألوان (1)   يُحكى أنّ عالم النفسى الأمريكى وليم جيمس كان جالسًا فى مكانٍ عام يتحدّث مع صديق عندما لمحَ أحد المحاربين القدامى

والسمك ألوان (1)

محمد عبد النبي

على ما قُسم

والسمك ألوان (1)

 

يُحكى أنّ عالم النفسى الأمريكى وليم جيمس كان جالسًا فى مكانٍ عام يتحدّث مع صديق عندما لمحَ أحد المحاربين القدامى يسير وهو يحمل سلّة بيض، فصاحَ فجأة: انتباه! فاتخذ الجندى العجوز فى الحال وضعية الاستعداد والانتباه ووقع البيض وتكسّر. تساءل الجندى غاضبًا: أى أحمق هذا الذى صاح انتباه؟ فأجاب جيمس: نحن أحرار فيما نقول وأنت حر فيما تفعل. قال الجندى السابق إنه حتّى بعد التسريح من الجيش بعشرين عامًا ما زال يقفز مستعدًا عند سماع ذلك النداء ولو كان نائمًا فى عمق الليل.

ولستُ واثقًا بالنقطة التى أراد أن يثبتها عمليًا وليم جيمس. لكن لا شك أن الحياة العسكرية هى أوضح أشكال برمجة البشر وقولبتهم، لأسباب واضحة، إذ يجب أن يكونوا تروسًا فى الماكينة العملاقة، وإلّا تهددت حياتهم وأرضهم وشعوبهم، يجب أن يتشابهوا وإن اختلفت وتكاملت مهامهم، لا مكان بينهم لشخصٍ ليس على القياس المضبوط. توحيد القياس يمتد خارج المؤسسات العسكرية إلى مناطق تبدو بعيدة تمامًا عن الحروب والأمن والهجوم والدفاع، ولعلّه يبدأ تقريبًا مع أوّل زى موحّد يرتديه الطفل الصغير فى يومه الأوّل للذهاب إلى الروضة.

حتّى يومنا هذا لم يُحسَم بعد الخلاف حول الزى الموحّد فى المراحل التعليمية المختلفة، على الأقل فى بعض دول العالم، حيث يمكن لأى شيء أن يوضَع على طاولة النقاش والمساءلة، بصرف النظر عن الأحكام والأعراف والقوانين. هناك مَن يؤيدون تطبيقه لتحاشى الاستعراض والفوارق الطبقية وتجنب استخدام رموز ذات صبغة ثقافية أو دينية، وكذلك تأكيد فكرة الانتماء والهوية وروح الجماعة. وهناك مَن يرفضونه ويدافعون فى المقابل عن تنمية الروح الفردية لدى الطفل فى أوّل وأدق تفاصيل حياته الشخصية وهى اختيار ثيابه اليومية كما يتناسب مع ذوقه وميوله، يشدّد هؤلاء على الهوية الفردية فى مقابل الهوية الجماعية التى لا يجب أن يذوب فيها التمليذ.

بعيدًا عن طلبة المدارس غالبًا ما يكون الزى الموحّد شارة تمييز لا بدّ منها لإجراءات عملية أو حتّى رمزية وطقسية؛ معاطف الأطباء البيضاء وزى طاقم التمريض، روب المحامين الأسود، زى الشرطة والإسعاف وعمّال النظافة وحتّى اللصوص فى أفلام الكارتون، رهبان التبت ورجال الدين المكرسين فى جميع الأديان تقريبًا، موظفى خدمة العملاء فى شركات الاتصالات، مضيفات الطيران.

يتخطى الزى هنا وظائفه العملية والجمالية المعهودة ليصبح علامة ذات مضامين سياسية واجتماعية. من الصعب لراهب أو راهبة أن يسلك مسلكًا قد يسىء لزيه وبالتالى لنوع انتمائه، وهنا يمكن أن تستغل هوليوود المفارقة فى سلسلة أفلام كوميدية: Sister Act. وأذكر حين رأيتُ بعض طلاب المعاهد الأزهرية وهم فى زيهم الموحّد، الجبّة والقطفان والكاكولة، شيوخٌ منمنمة، يركضون ويتصايحون ويحاولون اللحاق بأتوبيس ويعاكسون البنات، وكيف تتناقض أفعالهم البريئة الطليقة مع الصبغة الجليلة لأزيائهم.

يتململ الجسد الحى داخل قالبه، محاولًا كسره وتمزيق شرنقته واكتشاف نفسه متحررًا منه، وفى أحيانٍ أخرى يسعى هذا الجسد الحى نفسه إلى القالب بقدميه راضيًا مُتلهفًا، طَلبًا للتحقّق أو الأمان فى حماية الجماعة.

تندلع الحرائق فقط حين يصير الزى الموحّد سجًنا يحدّ طاقتنا وقدرتنا على الفعل والاكتشاف، بل يصبح مُبررًا لمهاجمة كل الأزياء الموحّدة الأخرى، فننسى تلك الفكرة المبدئية البسيطة التى عبّر عنها الوعى الشعبى فى جزالة وعُمق إذ يقول: «البحر واحد والسمك ألوان». فهل كتبَ علينا التمزّق أبدًا ما بين دفء الزى الموحّد من جانب وحرية ورحابة الأزياء المتنوعة على الجانب الآخر؟ لكنّ هذه حكاية أخرى، والحديث موصول.