“سوريون”.. السينما على طريقة جوبلز ** فيلم دعائى فج وتسطيح مخل للأزمة السورية يقصرها على المواجهة بين الجيش و”داعش” ويتجاهل العناصر والمعطيات الأخرى بقلم : أسامة عبد الفتاح   الشيء

%d8%a8%d8%a7%d8%b3%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%a8-%d9%88%d9%85%d9%8a%d8%b3%d9%88%d9%86-%d8%a7%d8%a8%d9%88-%d8%a7%d8%b3%d8%b9%d8%af

أسامة عبد الفتاح

“سوريون”.. السينما على طريقة جوبلز

** فيلم دعائى فج وتسطيح مخل للأزمة السورية يقصرها على المواجهة

بين الجيش و”داعش” ويتجاهل العناصر والمعطيات الأخرى

بقلم : أسامة عبد الفتاح

 

الشيء الوحيد المؤكد فى الأزمة، أو الحرب السورية، أو سمها ما شئت، أن أحدا – من غير السياسيين والعسكريين – داخل وخارج سوريا، لا يفهم شيئا مما يجري، ولا يعرف – على وجه الدقة – من يحارب من، ومن يتحالف مع من، ومن يسيطر على ماذا، وما هى بالضبط حدود وأدوار وتحالفات الأطراف الأجنبية الدخيلة العاملة على الأرض، والفرق بين قوات الأسد النظامية و”شبّيحته”، ونطاق سيطرة ونفوذ كل منهما.

ويبدو أن المخرج السورى باسل الخطيب يدرك ذلك جيدا، ولذلك بدأ كلمته – فى الندوة التى أُقيمت عقب عرض فيلمه “سوريون” فى إطار مسابقة نور الشريف للفيلم العربى الروائى الطويل بالدورة 32 من مهرجان الإسكندرية السينمائى لدول البحر المتوسط، والتى اُختتمت 26 سبتمبر الماضى – قائلا إن الأمور لم تعد غامضة فى سوريا، بل حُسمت، ولا يوجد سوى طرفيْن متصارعيْن على الأرض يعرفهما الجميع!

والطرفان اللذان يقصدهما، هما الجيش السورى النظامى من ناحية، وتنظيم “داعش” الإرهابى والمتحالفين معه من المرتزقة الأجانب والسوريين الخونة من ناحية أخرى، وهذا كلام خاطئ جملة وتفصيلا، لأنه – فضلا عن تبسيطه المخل وضع شديد التعقيد والحرج – يتجاهل على الأقل وجود أطراف أخرى مثل الجيش السورى الحر، والمتحالفين معه هو الآخر، و”شبّيحة” الأسد، والقوات الأجنبية النظامية العاملة على الأرض ومن الجو، وغيرها.

ولأن الخطيب من الموالين لنظام الأسد، ولأن فيلمه من إنتاج المؤسسة السورية الحكومية للسينما، فقد كان من الطبيعى أن يصنع فيلما يعبر عن وجهة نظر النظام، والتى تتلخص فى أنه يحارب “داعش” والإرهاب بشكل عام، مستبعدا تماما حقيقة وجود سوريين معارضين لهذا النظام القمعى الديكتاتورى المستبد، وحقيقة أن هناك من يريد إسقاطه غير مقاتلى “داعش”. وحتى فى إطار هذه المواجهة الوحيدة المزعومة بين النظام والإرهاب، لم يسع الفيلم لتفكيك خطاب “العدو” وتحليله، بل بدت عناصر هذا الأخير مثل الشخصيات الكرتونية النمطية.

6600

بالمناسبة، ليس عندى أى غضاضة أو مشكلة فى أن يصنع أى مخرج فيلمه بالطريقة التى يريدها، وأن يتبنى الأفكار التى يقتنع بها، ويمجّد أو يدافع عمن يشاء، بشرط واحد: أن يكون الفيلم متماسكا وجيد الصنع، وأن يخلو السيناريو من الثغرات، والعمل كله من العيوب ومواطن الضعف، وهو ما لم يتحقق للأسف فى “سوريون”.

اعتمد العمل على سيناريو مفكك كتبه الخطيب بنفسه، وعانى التشتت والمباشرة  والتسطيح.. والغريب هنا ما صرح به المخرج أكثر من مرة – آخرها فى الإسكندرية – بأنه “اضطر” لكتابة السيناريو بسبب أزمة النصوص الموجودة فى سوريا، رغم ما سببه ذلك له من عذاب ومعاناة، وهذا معناه أنه كان لابد من كتابة السيناريو ولابد من صناعة الفيلم بأى ثمن، أى أن هذا العمل كان بمثابة “مهمة رسمية” لابد من إنجازها حتى لو سببت لصانعيها العذاب، وكلنا نعرف بالطبع طبيعة المهمة الرسمية ولمصلحة من يتم إنجازها.

وإذا كنت أقر بحق الخطيب – وغيره – فى صناعة فيلمه كما يشاء والتعبير عن رأيه كيفما يريد، فذلك لا ينسحب على الأفلام الدعائية الصريحة، لأنها تنتمى إلى عالم الدعاية والإعلان وليس إلى الفن، و”سوريون” – لاحظ العنوان المباشر – للأسف فيلم دعائى فج للأسد وجيشه، مصنوع على طريقة أفلام تمجيد الجنس الآرى وهتلر وقواته، والتى كانت تنفذها لينى ريفنشتال فى ثلاثينات القرن الماضى بتكليف من جوبلز، وزير بروباجاندا – أى دعاية – الفوهرر!

وحتى عندما أراد الإشارة إلى أن كل سورى يجب أن يشعر بأن قضية الوطن هى قضيته الشخصية حتى تجد طريقها للحل، فقد فعل ذلك بشكل فج وغير منطقي، حيث يفاجئنا – قرب النهاية – بتحول البطل إلى “كتيبة إعدام” مصغرة تعمل على قتل عناصر “داعش” الذين اغتالوا أسرته بالكامل، وقراره بأن يظل يقتلهم واحدا واحدا حتى يقضى عليهم كلهم!!

وأطرف تعليق على ذلك سمعته من ناقدة سورية زميلة فى الإسكندرية قالت لى إنه لو كان الأمر بهذه السهولة، ولو كان السوريون يمتلكون هذه القدرات الخارقة، لانتهت الحرب السورية منذ زمن بعيد!

ورغم تقديم البطل الخارق، فإن الخطيب لا يعتمد عليه فى الحل النهائي، وفى القضاء بالفعل على كتيبة “داعش” المعادية فى الفيلم، حيث يأتى الحل – كما يقتضى منطق الموالين وكما تتطلب شروط العمل الفنى الدعائى – على يد الجيش وطائرته الهليكوبتر المقاتلة، التى يهرب منها الإرهابيون مثل الفئران لكنها تحصدهم جميعا وسط صيحات المشاهدين العاطفيين!

لا أنكر جودة الفيلم على المستوى البصري، بفضل عناصر تصوير ومونتاج وديكور وموسيقى وصوت متميزة، لكن ذلك لا يكفى لعمل فن عظيم، أو سينما تبقى، لأن الفن الدعائى يزول بزوال من صُنع لأجلهم.