صفاء النجار تكتُب جلابية ستان “حكايات روبير الفارس” .. عالم من اللحظات المأزومة   تتنوع تعريفات القصة القصيرة، فمنهم من يقول إنها “فن معالجة الحياة السرية” ومنهم من يقول انها

7444

صفاء النجار تكتُب
جلابية ستان “حكايات روبير الفارس” .. عالم من اللحظات المأزومة

 

تتنوع تعريفات القصة القصيرة، فمنهم من يقول إنها “فن معالجة الحياة السرية” ومنهم من يقول انها “شريط لغوى قصير”. وربما تكون ممن لا تستهويهم التعريفات لكنك قد تشعر فى بعض الأحيان وأنت تقرأ مجموعة قصصية أنها تتلبس أحد هذه التعريفات وتجسدها حق التجسيد، وهذا ما حدث معى وأنا أعيد قراءة المجموعة القصصية “جلابية ستان” للكاتب “فارس روبير” الصادرة حديثا عن الهيئة العامة للكتاب. فقد تجسدت فى المجموعة مقولة فرانك أوكونور “إن القصة القصيرة يمكن أن تعالج الحياة التى تبقى سرا “ وبمزيد من التدقيق فى نصوص المجموعة التى يبلغ عددها تسعة وعشرين نصا أجد أنها تعبر أعمق عن التعريف القائل بأن القصة القصيرة هى “فن اللحظة المأزومة”. ومرجع ذلك أن معظم أبطال المجموعة يواجهون لحظات مفصلية فى حياتهم، وأنهم يصارعون فى صمت وسرية قوى تسحقهم، يفشلون فى مجابهتها سوى بالصمت والحيلة وهذه القوى قد تكاد خارجية مثل السلطة والفقر والعادات والتقاليد والحرام والحلال أو قوى داخلية مثل الرغبات والتطلعات والشهوات والأحلام والكوابيس والمخاوف.

يتسم عنوان المجموعة «جلابية ستان» ومن بعده معظم عناوين القصص باستخدام الجملة الاسمية التى تشي بحالة من الاستاتيكية والاستقرار والهدوء، تتناقض مع حالة الصراع الذى يعترك شخوص قصصه.. حيث الشاب المصاب بعجز جنسى والذى يغطى هذا العجز بتأسلم مبالغ فيه ويخضع لعملية غسيل مخ تجعله يفجر نفسه كى يصل إلى الحور العين والجنس المطلق كما يصوره خيال المتأسلمين «بكارة مبتلة»، والسيدة التى تتمنى أن يكون لديها طفل، لكن عقم زوجها يحول بينها وبين حلمها فتلجأ إلى مضاجعة شاب «أحلى من الشرف» والرجل الذى يأكل ساندويتش من اللحم بينما يتابعه كلب لا يكف عن النباح حزنا على وليفته التى اختفت هذا المساء «بلادة الحس» . والأب ابرام الذى يسرق أيقونة العذراء الذهبية ويستبدلها بأيقونة خشبية رديئة الصنع، كى يساعد شابا فى الزواج والاستقرار «آية الشر».

774

كما تتسم بعض العناوين بالتناقض مثل “شطة فاسدة”، وتجعلنا نتساءل: هل تفسد الشطة؟ ربما لا تفسد الشطة لكن الشرطة حقا تفسد عندما تتخلى عن ممارسة عملها وتتجه للتجارة وفتح محلات الكشري، وهناك عناوين دالة تلخص محتوى القصة «بلاد تأكل أحلام البشر»، نصيبنا من الجنة، السر الأخير للباشا، سعاد انتحرت من أجلي. وتتعدد العناوين التى تستمد مرجعتيها من الموروث الشعبى مثل جلابية ستان، خنق رقاب الملائكة، براءة لبن العصفور، حلاوة روح. السامرى يصل متأخرا.. هذا التنوع فى اختيار العناوين عبر عن تحلى الكاتب بتنوع ثقافى ظهر واضحا فى تعدد البيئات الجغرافية وتنوع انتماءات شخوصه الدينية.

تتميز قصص المجموعة من ناحية الشكل بالقصر، الذى يجعلها أقرب للقصة القصيرة جدا، ورغم هذا القصر فقد نجح الكاتب فى مجموعته فى تنويع أساليب السرد المستخدمة لتصوير عوالم شخوصه المأزومة، وتعدد السرد ما بين السرد الخطى كما فى مجموعة يا آه يا آه حيث تبدأ القصة بلحظة الأزمة لدى الفأر المحبوس للمحاكمة بتهمة رفض ممارسة اللواط مع كبير القطط. ويصبح مطلوبا من الفأر تحت مسمى أكليشيهات كبيرة كالسلام الجماعى والمحبة أن يقبل ليس فقط أن يكون صديقا للقط وهو يأكل عائلته لكن أن يقبل ان يمتطيه ويضاجعه ملك القطط الشاذ ..”ذرفت الدموع من عين الفأر وقال بصوت متهدج الطبع أن تأكلنى لا أن تغتصبنى !! وقال عضو اليمين فى المحكمة يا لكم من أغبياء معشر الفئران تريدونها حربا لا تخمد وترفضون “الحب والسلام”.

وهناك تقنيات التداعى كما فى قصة “سعاد انتحرت من أجلي” حيث المدرس المصاب بجنون حب سعاد حسنى وحرمانه من التعبير عن حبه واعجابه بها، وفى كثير من القصص اعتمد الكاتب استخدام الفقرات غير المترابطة بنائيا لكنها مترابطة عضويا، بتكثيف شديد وايجاز مقتضب يشير أكثر مما يهاجم وينير أكثر مما يفضح لوقائع تأطر للفساد الروحى قبل الاجتماعى لشخوص قصصه.. كما قصة “فى بلاد نأكل أحلام البشر” حيث يخلق السرد حالة من الغرائبية وأجواء كابوسية هى مزيج حالة البطل الذى “برعونته المعهودة قتل عصفورا شاردا كان يلتقط الحب الشارد من حجرها الناضج. جلس فوقه فتحولت الرقة إلى عفونة.. أزاحته وهى تسب وتلعن.. فحمل الجثة وقام بتحنيطها ثم دفنها فى قلبه” ويصرخ فيه الناس «ياغبى سمن حلمك حتى نستطع أن نقطعه مع البصل.. كانوا يلطمونه، و يركلونه، ويجلدونه بكرابيج وهم يرقصون ويطبلون حوله صارخين “احلم أكثر… احلم أكثر”.

اتسمت بدايات بعض القصص بالايجاز والتكثيف الشديد مثل : كل الشياطين كانت فى خدمته .. جسده كاد ينقسم على ذاته. لدرجة أنه كان يخجل معها من أنفاس إخوته الثلاثة النائمين على نفس سريره. بداية قصة بكارة مبتلة،

فيما تنوعت نهايات القصص ومعظمها كانت نهايات كاشفة “وهنا سألها القس بأى لغة تحدثت مع علاء؟! ارتبكت وأظهرت عدم الفهم، وأدرك أن سؤاله أصاب الهدف” «نصيبنا من الجنة»، وإن كانت النهاية المفاجئة والتى يفاجئ فيها السارد القارئ بحل غير متوقع هى النهاية الغالبة.

حيث تتوصل الزوجة فى أحلى من الشرف” لحل لمشكلتها “  أغرته… وتصلب. اقترب. انتصب وأغلقت، انتصب، قذف، أزاحته عنها. ولملمت نفسها وتأكدت أنها لم تشعر بأى لذة أو ندم. حبلت وولدت وكتب زوجها قصة المعجزة التى غيرت حياته. وختمها قائلا بصدق “مجدا للرب”.

ونصطدم فى قصة «ثوار ثوار» “وانطلق الشعراء يمدحون الحاكم الحنون. آ آ آه وفجأة.. ارتفع صوت أنين مكتوم وسقط الثائرون الواحد تلو الآخر وقال الحاكم: لم يصدقوا أنى قد عفوت عنهم فماتوا من الفرحة. ولكن وزير الداخلية المنبهر بحكمة الحاكم وذكائه كان يعرف أن الثائرين ماتوا من قسوة القيود الحديدية، التى قيدت بها أعضاؤهم الحساسة”.

وهناك النهايات الساخرة المفارقة حيث المواطن الذى يأكل التمثال المصنوع للحاكم من العنب كما كان العرب يأكلون آلهتهم التى يصنعونها من العجوة عندما يجوعون.

قال اللواء: “هذا الكلب ليس هو المهم…ابحثوا عن سارق التمثال ثم ضرب “صالح” على قفاه “لازم تسكر هنا يا ابن الحمار” فقال صالح وهو يضحك ويبكى حب الحاكم اسكرني” «حبة عين العنب».

وعامة اتسمت قصص مجموعة «جلابية ستان» لروبير الفارس بالنزعة الدرامية، والتنوع اللغوى والأسلوبي. وتعرية الايديولوجيات الزائفة سواء أكانت تاريخية أو دينية، ورفض الواقع السائد فى مختلف مظاهره المتناقضة.. وغلب على قصص المجموعة ايقاع الصراع والحركة والتناقض، فمنحها حيوية وصخبا يتناقض مع عناوينها، وكان الحوار فى المجموعة قليلا حيث يغلب السرد لكنه يأتى فى مواضع كاشفة حيث لابد منه:

– أنت إيمانك ضعيف ولا تقدرى على حمل الصليب.

– لى خمس سنوات أحمل الصليب – أريد حمل طفلا وإلا سوف أجن.

كما اتخذت القصص منحى التكثيف والحذف والإضمار، وتوظيف الصورة الومضة والتاريخ والرمزية «منذ أن قامت ثورتنا المباركة ونحن نمتلك “ظهور” الفئران بكل ما فيها. هناك منا من عشق”القفا” خربش فيه ورسم لوحات سريالية، وهناك من عشق مصمصة العمود الفقري. وهناك من عشق المؤخرات لقد تركنا لكم “البطن” بكل ما فيها بكل خفاياه… ولكن”الظهر لنا“ « يا آه يا آه».