بعد صدور كتابها «حكايات القطط».. درية الكرداني: التعصب متجذر فى الوعى العام التركيبة السكانية لوسط البلد تغيرت تماما لا أكتب إلا عندما يفيض بي استيعاب تجربة الهند ربما يجنبنا مصيرا

438

بعد صدور كتابها «حكايات القطط»..

درية الكرداني:

التعصب متجذر فى الوعى العام

التركيبة السكانية لوسط البلد تغيرت تماما

لا أكتب إلا عندما يفيض بي

استيعاب تجربة الهند ربما يجنبنا مصيرا مخيفا

حوار: رشا حسني

 

فى عملها الإبداعى الثانى “حكايات القطط” تفاجئ الكاتبة درية الكردانى قراءها بصوت مختلف عن كل ما تذخر به الساحة الأدبية، يبدو أقل صخبا لكنه سرعان ما يخترق العقل ويتسلل إلى الروح.

يضم الكتاب تسع قصص تتباين أحجامها تقع فى 233 صفحة من القطع الصغير: “اولجا، الفنان، بيت الطالبات، نمنم، مدام فيينا، جمصة، فيسبوك، إضافة للحكايتين الأطول والأكثر عذوبة فى الكتاب “السوكندو والبدروم”، و“بيت القطط”.

تسع قصص تنوعت عوالمها وتباينت درجة الغوص فى أعماقها لكنها جميعا تمثل قطعا فنية أصيلة يصعب تقليدها، هى ليست حكايات تخص القطط وإنما هى حكايات البشر، المكان، التحولات العميقة، تبدل الأزمنة، رصدتها الكاتبة بدقة حتى صارت أشبه بقطعة يدوية نسجت خيوطها بعناية وصبغت كل جزء منها بألوان الطبيعة، لا زيف فيها ولا مواربة.

يبدو حضور القطط أشبه بخيط يجمع حبات القصص ويربطها معا فالقطط لا تحتل صدارة المشهد لكنها تكمن فى خلفيته وتظهر كل مرة محملة بدلالة مختلفة.

طاقة شعورية مختزنة بين سطور الحكايات سرعان ما تتسرب للقارئ فيستعيد معها بهجة القراءة وربما يرغب فى قراءتها مرة أخرى لاكتشاف ما خفى من بهائها فى القراءة الأولى.

هنا حوار مع الكاتبة درية الكردانى التى دخلت عالم الإبداع منذ 3 أعوام عبر روايتها “رمال ناعمة”، نحاول فيه استكشاف عالمها الإبداعى الثري.

فى روايتك الأولى “رمال ناعمة” التى وصفها الكاتب الراحل علاء الديب بأنها “غابة غنية من المشاعر والأفكار”، بدا البوح والتحرر هدفا أوليا للكتابة ربما مثل عبئا دفعك للإفراط فى التفاصيل..هل قصدت تجنب ذلك فى “حكايات القطط”؟

-أعتقد أن هناك دافعا ما يوجه أى كاتب، “رمال ناعمة” كانت عبارة عن بناء من الموزاييك جمّعته عبر سنوات من تجربة الحياة، والقراءة الجادة، والتأمل، والكتابة المستمرة دون التفكير فى النشر. كنت أكتب لنفسي. عندما بدأت العمل فى الشكل النهائى للرواية، كان بمثابة تجميع لذلك الموزاييك الغني، فكانت تلك التفاصيل. واحدة من الوسائل لتوصيل رسالة أردتها ألا تكون مباشرة: بإمكان المرء، بعد تجربة تيه، فقدان للطريق، الوقوف مرة أخرى. أردت أن أقول إن البداية الجديدة دائما ممكنة إذا توفر الوعى والتفاؤل والثقة بالحياة وبالناس.

بالنسبة لـ”حكايات القطط”: فتلك القصص بدأت فعلا بملاحظة قطط، وأصحاب قطط، ظهروا فى حياتى فى فترات مختلفة، جمع بينهم اهتمامى الحقيقى بتلك العلاقات وتحليلها. أنا فعلا، ومن مدة طويلة، أراقب قطط البيوت، وقطط المحلات، وأصحابها، وأقارن بينها وبين قطط الشارع فى القاهرة، وما أكثرها. لم أقصد تجنب التفاصيل فى حكايات القطط، ولكن الشكل الأدبى فرض تكثيفا لتوصيل ما أريد قوله.

تكتبين القصة بروح الرواية التى تتجلى فى السرد المكثف والحدث المتصاعد ورصد التفاصيل.. وبدا فى كتابك الأخير جرأتك فى عدم الاهتمام بالتصنيف.. هل أفادك اتصالك بالأوساط الثقافية خارج مصرفى ذلك؟

-عدم اهتمامى بالتصنيف لم ينتج عن جرأة، لكن فى الحقيقة نتج عن حيرة؛ أثناء إعداد حكايات القطط للنشر، كان عندى مناقشات مطولة مع الكاتب الكبير الأستاذ صنع الله ابراهيم، ومع مراجع النصوص فى دار الثقافة الجديدة الاستاذ على الفارسي، والفنان الصديق الذى صمم الغلاف الدكتور رؤوف جمعة، لمحاولة تصنيف تلك “الحكايات” هل هى رواية؟ طبعا لا. هل هى قصص قصيرة منفصلة؟ لا، لأن بين الحكايات عاملا مشتركا ما: القطط، الأماكن، نوعية العلاقات التى تختلف وتتشابه، لكن يجمع بينها فى النهاية شيء ما. وفى النهاية: وصلنا إلى أن نترك الاسم البسيط “حكايات القطط” الذى يبدو ساذجا فى حد ذاته، دون تصنيف، ليجذب القارئ ليستكشف.

كانت الخطة الأصلية أن تنشر حكايات القطط مصحوبة بتصميمات جرافيكية استخدم فيها الدكتور رءوف جمعة صورا من عمارات وسط البلد أرسلتها له حيث يسكن فى كندا، وعمل هو عليها بحرفية وفن ليضيف لها ما أوحت إليه به هذه القصص. النتيجة كانت رائعة إلا أننا عندما بدأ حساب التكاليف مع دار النشر، اكتشفنا أنها ستكون فوق طاقة أى من الأطراف، فأجلنا الفكرة لفرصة لاحقة، ونشرت أعمال الدكتور رءوف الفنية مصحوبة بمقاطع من القصص على صفحة الكتاب على فيس بوك.

أما عن الاتصال بالأوساط الثقافية خارج مصر، فأنا فى الحقيقة مجرد متلقية، لكن يمكن أن أصف نفسى بأنى انتقائية جدا: فمثلا: يجب أن يكون الكتاب مسموعا، لأنى أصبحت أفضل أن “أسمع” الكتب باللغة الانجليزية، بالاضافة إلى أنه بالنسبة لى أسرع، ويعطينى حرية كبيرة أثناء القراءة، فقد أصبح أيضا أكثر إمتاعا بشكل كبير. فالكتاب المسموع أصبح صناعة متقدمة: الإيقاع، التمثيل، واللهجات، والنطق. شيء فعلا جالب للمتعة والبهجة.

اخترت “عمارات وسط البلد” حيزا مكانيا لمعظم “الحكايات” ووظفتها أيضا كشاهد على تبدل الأزمنة والقيم .. كيف وازنت بين سطوة المكان وبناء الشخصيات ؟

-أحببت فى الحقيقة الحديث عن هذا الموضوع. فالأماكن وساكنيها يتبادلون التأثير بشكل من السهل ملاحظته، لأن كلا منهما يدُل على الآخر. السكن فى وسط البلد يغيّر حياة الناس وسلوكهم. اختيار السكن فى وسط البلد فى حد ذاته بأسبابه التى تختلف من فرد لآخر، ومن عصر لآخر، هذا الاختيار نفسه له تبعاته التى قد لا يدركها الذين اختاروا السكن هناك، أو مُنحت لهم بعض الشقق مثل بعض ضباط الجيش، الذين إما سعوا للكسب من وراءها بتأجيرها مفروشة، وهذا خلق عالما خاصا أيضا، أو سكنوا فيها هم وأسرهم، فتغيرت حياتهم وحياة أولادهم للأبد. لم تطرأ هذه الفكرة على بالى وأنا أكتب، لكن اكتشفت ظهورها وسطوتها وأنا أعيد القراءة لأصوغ وأنقح. فى قصة “الفيسبوك” يظهر هذا جليا، مثلا فى زوجة تاجر الانتيكات التى تراقب عالم وسط البلد الغريب عليها، وتتعلم منه، بل يمتد التأثير للأجيال التالية التى توارثت الشقق بعد أزمة الاسكان. وقتها ظهر جيل سمحت له بقايا الجاليات الأجنبية بالالتحاق بمدارسها التى كانت قاصرة عليهم بسبب مغادرة أغلبهم، فاتسم تكوين وسلوك هذا الجيل بصفات خاصة لبقية حياته.

وسط البلد ظل لمدة طويلة له تركيبة سكانية خاصة، لحق بعض أبطال قصصى طرفا منها: فهناك ساكنو وسط البلد من العزاب دون عائلات من الجنسين، الذين كانوا فى أعلى الطبقة المتوسطة، طَبَعَهم الاختلاط بالأجانب المتمصرين بطابع خاص. يوم الأحد فى الصباح كان يوم خروج هؤلاء العواجيز بالغى التفرد مقارنة بالتحولات الرهيبة المستمرة التى قلبت محيطهم بالتدريج لكن بسرعة. ملابسهم واكسسواراتهم موضة الثلاثينات والأربعينات، والمكياج “الملخبط” بسبب ارتعاش الأيدي، والبدل من الصوف الفاخر فى عز الصيف بياقات مزيتة، وأحذية فاخرة يبدون فيها غير مرتاحين أبدا. ينظرون حولهم باستغراب، وربما بخوف وحذر، فعالمهم انتهى، أو فى سبيله للانتهاء.

مَن اختاروا السكن، أو حتى ترددوا باستمرار على وسط البلد فى السبعينات، وربما حتى الثمانينات، استمتعوا ببقايا أماكن طعام، سواء مطاعم أو بقالات لها شكل وتقاليد خاصة، أو أماكن بيع الخمور، أو محلات صغيرة لعمل السندويتشات ملاصقة أو قريبة من السينمات الكبيرة. مرتادى وساكنو وسط البلد فى السبعينات والثمانينات لحقوا بقايا أماكن للتجمّع لها طابع خاص، ومكتبات عريقة لبيع كتب عربية وبلغات أجنبية متعددة جدا، وحتى الكتب القديمة فى سوق الازبكية بشكلها القديم الاليف، وأماكن ممارسة الرياضة، وتعليم الرقص، وتعلُّم عزف الموسيقى، وجمعيات أدبية وموسيقية. فراغات بين العمارات فيها أكشاك لتنسيق وبيع الزهور وأماكن لبيع الانتيكات الرخيصة على الأرصفة يعرفها سكان ومرتادو شوارع وسط البلد الدائمون.

لا أعرف ماذا أقول عن مرتادى وسط البلد الجدد، من موظفى البنوك والمصالح الحكومية وبعض شركات التأمين التى استخدمت كمكاتب بعض الشقق التى حصلت عليها بموت أو مغادرة قاطنيها الأصليين. كيف غير هؤلاء طابع وسط البلد، بالاتوبيسات تزحم الشوارع لتحملهم من وإلى بيوتهم. ماذا أقول عن أسطح وسط البلد التى يزداد عدد قاطنيها باضطراد، بتوالد من كانوا هناك من نوبيين وغيرهم، وتوافد آخرين من الريف والمدن الصغيرة. هل لهم علاقة بتلك البنايات الجميلة، تعانى وتنهار ببطء نتيجة لانعدام الصيانة والاستعمال السئ؟ هل أثّرت عليهم، هل أثّر عليهم المكان كما تأثر المكان بسببهم؟

فى “بيت الطالبات” تضيئين أحداثا غفل عن ذكرها كثير ممن عاصروها فباتت مجهولة، منها موقع أول سفارة اسرائيلية فى مصر وأثر رفع العلم الاسرائيلى على طالبات فى مقتبل العمر كن شاهدات على التحولات الصادمة فى السياسة المصرية.. على جانب آخر ألا ترين أن صياغتك للشخصيات على الرغم من حميميتها وصدقها خضع فى بعض الحالات للصورة النمطية المرتبطة بطبيعة كل شعب؟

-هذه القصة من أوائل القصص فى هذه المجموعة. الشخصيات والاحداث فيها تقريبا كلها حقيقية…. ولكن…. لم تحدث احداثها فى نفس الوقت، ولا نفس الأماكن، ولا حتى بعض هذه الشخصيات تعرف بعضها. كنت أجرب، ولم أفكر فى صور نمطية. الأحداث فرضت كلاما ليجرى على ألسنة بعض الشخصيات، والكلام أثار شجونا، وردود أفعال.

“السوكندو والبدروم” قصة فاتنة ترصد بدقة تحولات القيم فى المجتمع كما تتجلى فى شخصية “عم أبو السوداني” الذى يفتخر بأن بلدته “ما انضربش فيها جرس” فى اشارة ذات دلالة على تجذر التطرف فى الوعى العام، على النقيض فى “بيت القطط” يتذكر سعيد “الصعيدى القبطي” أمه التى كانت تدعو له مع كل “آذان” لاعتقادها انها اوقات مباركة وهو جانب آخر ربما يعكس حالة المقاومة فى الوعى الجمعى للتعصب والتطرف..لأيهما انتصرت فى “حكايات القطط”؟

-فى بيت القطط، وفى كل حكايات القطط، لم أكن مهمومة بالانتصار لمجموعة، أو فئة. هذا عمل فني، أعبر به عن شخصيات وعلاقات، أرجو أن تؤدى القراءة عنها إلى فهم أحسن وأعمق للحياة ولأنفسنا. للأسف: التعصب موجود، ولكن روح التسامح والمحبة أيضا موجودة، ولذلك ظهر كلاهما فى القصص. التطرف والتعصب طبعا متجذران فى الوعى العام. المصريون يعاملون كل المختلفين بفوقية لا أجد الحقيقة ما يبررها، ويستغلون العاهات والنقائص فى نكتهم بلا رحمة، ولا يتقبلون الغريب مهما فعل، ومهما كانت مدة بقائه بينهم، أحيانا لعشرات السنين، وقصص اللاجئين وكيف يُعاملون فى المدن المصرية كثيرة ومؤلمة، وهناك باحثون يجمعون ويعملون على هذه القصص والشهادات لمحاولة الفهم. ولكن حتى فى تاريخنا: لم يبحث أحد، أو على الأقل لم يصل لعلمى دراسة أو حتى رواية عن معاناة المهاجرين من مدن القنال، وآلام أطفالهم فى الشوارع، وفى المدارس التى التحقوا بها فى كل الجمهورية.

بالاضافة للتفرقة ضد الاقليات، أقباطا أو نوبيين، أو غيرهم، فى الأعمال والفرص، اضطهادهم، والسخرية منهم وتسميتهم بأسماء كريهة واعتبارهم أقل، هذه أشياء مسكوت عنها، ولكنها مؤلمة وجرح مغلق على قيحه، لن يشفى الا بتعريته للشمس، والاعتراف به وعلاجه، والوعى قد يؤدى للتوقف عن فتح جراح جديدة.

وأنا أكتب قصة السوكندو والبدروم، كنت اتتبع حياة وتطور مواقف عم أبو السوداني. فقط. لم يخطر ببالى تطور القيم فى المجتمع، إلا بعد أن قرأها أصدقائى وتكلموا عن هذا الموضوع. فى الحقيقة، كان تركيزى على عم أبو السوداني، وعلاقة توحده ووحدته وسلوانه بوجود القطط حوله كما لو كانت حالة ميتافيزيقية.

أما عن كتابة قصة “بيت القطط” بالذات، فقد فتحت لى آفاق تجريب كانت جديدة: فى الشكل، وفى العلاقات. بطلى القصة يبدوان على طرفى نقيض، إلا أننا نكتشف بتصاعد القصة أنهما لا يختلفان لهذه الدرجة عن كل البشر، فالكل فى الحقيقة فى وحدة ضارية، رغم اختلاف ظروفهم. قد يبدو على السطح أن الناس يتفاهمون ويتواصلون، إلا أن المسافات فى الحقيقة محفوظة. نقضى عمرا نبحث عن ملاذ، لنكتشف، إذا أسعدنا حظ الاكتشاف، أن لا ملجأ لنا إلا داخلنا. والفائز هو من بذل جهدا للتصالح مع داخله فاستراح فيه ومعه.

“بيت القطط” استدعت أيضا حيزا مكانيا مختلفا عبر مقارنات “سعيد” واستدعائه لذكريات نشأته فى بلدته بالصعيد..وهو ما اضاف ثراء وغنى للنص وأبرز دلالاته كما بدت “المشهدية” بطلا لكثير من الحكايات ألا يمهد ذلك لإمكانية تحويلها لعمل درامى ..وهل ترحبين بذلك؟

-تحويل عمل أدبى إلى شكل آخر من الأشكال الفنية تجربة إبداعية جميلة، يستفيد منها كل أطرافها، الكاتب، والسيناريست، والمخرج، والممثلون، ومصممو الملابس والديكور، و.. و….، وبالتأكيد الجمهور، كل بما يخصه.

طبعا أرحب بتحويل عملى لدراما، لأنى سأراقب تحول حالة نشأت داخل نفسي، إلى حالة اخرى مختلفة تتداخل مع نفس ووجدان مبدعين آخرين، خاصة إذا كانوا حقيقيين، مخلصين، وصادقين مع أنفسهم، فهذا بالتأكيد سيضيف للعمل أعماقا أخرى، فيتحول عملى بعد أن عبر من خلال أرواح كل هؤلاء المبدعين الآخرين، فيصبح عملا جديدا تماما، أشاهده وأستكشفه، كبقية الجمهور المتلقي، بدهشة مستحقة.

أؤمن ان كلام نجيب محفوظ عن هذا الموضوع صحيح تماما. حين قال ان علاقته تنتفى بروايته بمجرد أن يبدأ مبدع آخر العمل فيها بروحه وثقافته وخلفيته الاجتماعية والسياسية، بما مر عليه من تجارب صنعت خبرته الفريدة بالحياة.

أسلوبك السلس المتدفق يشير إلى كاتبة متمرسة..هل تمارسين الكتابة بشكل منتظم ولماذا تترددين فى النشر؟

-كل يوم، أعد نفسى وأتوعدها، أنى يجب ان أكتب كل يوم. ولكنى أهرب، وأسوّف، وأتحجج، وأتلكأ. أكتب فى مخى كثيرا، ولكن لا أجلس وأكتب، إلا عندما يفيض بي، فاشعر أنى يجب أن أفضفض وإلا….

بيتى وحقائبي، ووسط صفحات كتب التدريس، وظهر فواتير المشتريات، وعلى الاجزاء الفارغة فى هوامش جريدة الجامعة: ملاحظات وملاحظات. أتذكر شىء، أو أسمع جملة فى كتاب، فأتذكر شىء آخر، ربما لا يمت بصلة لما ذكرني، ولكن لا أتوقف .. فقط أسجل ما فكرت فيه على أى ورقة أجدها أمامي. ثم يأتى يوم التنظيف فأجمع الاوراق وأضعها فى صندوق الكرتون الذى اشتريت فيه الصندل الجديد. ثم يأتى يوم آخر أُخرج كل تلك القصاصات، فأضحك من نفسى وأنا أكتبها على الكمبيوتر… وراء بعضها وبينها مسافات مناسبة. ثم يأتى يوم أُجلس نفسي، أياما متتالية، اسميها معسكر الكتابة، فاصوغ وأعدل وأبدل وأحذف وأستفيض وأختصر، وأكتب مسودة. ثم أتعب. اتعب جدا. فأتركها أشهر وأشهر. وهكذا: أستغرق رمال ناعمة عشر سنوات، وثمانى لحكايات القطط. أقول لنفسى ما عاد فى العمر عشرة وثمانية … انجزى يا بنتي… وأرد على نفسي: حاضر.

ثم يرسل لى شخص لا أعرفه رسالة عبر الإنترنت ليقول أو تقول لى كيف أثر وغيّر كتابى حياتهم ومساراتهم! فأقوم فى الصباح الباكر وأقول: اليوم أبدأ فيه روتين الكتابة كل يوم. أجرجر قدمى لأغسل وجهى وأنظر لوجهى وأقول: ابتسمى يا بنتي، فابتسم: فاليوم يوم جديد.

ماقصة رحلتك الأخيرة إلى الهند وهل تسعين لتوظيفها إبداعيا؟

– سافرت إلى الهند لأول مرة منذ حوالى ثلاث سنوات، فى رحلة الدراسة بالخارج التى ينظمها قسم الدراسات الآسيوية فى جامعة كارولينا الشمالية التى أعمل بها كمدرسة لغة عربية. تنقلنا لمدة خمسة اسابيع بين مدن فى شمال الهند، ودرست على يد زملائى أساتذة الهندي-أوردو منهج صمموه عن العلاقة بين الثقافات الهندية، واللغة، والأديان، وانفصال الهند وباكستان وقت الاستقلال فى سنة 1947. قرأنا كتبا ومقالات وأعمالا أدبية وشعرية لها علاقة بما زرناه فى كل يوم، وحضرت مناقشات متنوعة جدا وفيها كثير من الرؤية النقدية. عشت مع أسر، وفى أشرام «أى دار عبادة هندوسية»، ودخلت مزارات صوفية اسلامية يصلى فيها بالاضافة للمسلمين السيخ والهندوس، واصحاب ديانات أخرى لم أسمع عنها من قبل، والكل يعتبرون الولى الصوفى روحا تستحق التقديس لأنها “روحا طيبة” بغض النظر عن الديانة التى اعتنقها فى حياته. سافرنا بالاتوبيس لساعات وايام، فى فضاء ريفي، يشبه الذى نشأت فيه. كنت اسقط فى النوم بسبب الحر والارهاق، واصحو نصف واعية لأنظر حولى فيخيل لى أنى فى مصر، بامتداد المساحات الخضراء، واشجار السرو والصفصاف على حدود القرى، وأشكال البيوت مبنية بنفس الطريقة والخامات الفقيرة… فقط أتنبه عندما أرى على البعد تذكار “ساتي”، أبيض صغير، يتحدى الفراغ ليذكر المارين بتلك الممارسة المنقرضة، المؤلمة، يذكر بهولاء النسوة اللاتى أُجبرن على القاء أنفسهن ليحرقن مع أزواج فارقوا الحياة. أتنبه فقط عندما أرى الاهرامات الصغيرة من أقراص “الجِلة” المصنوعة من روث البهائم مرصوصة بفن هندسى عجيب لتجف فتستخدم كوقود فى الشتاء التالي، وعلى البعد وراءها صروح مفاعلات نووية، تبدو على البعد كما لو كانت من أفلام الخيال العلمي.. فقط تصدق ما ترى عندما ترى شبابا يجلسون متجاورين على التراب وأمام كل منهم “لابتوب” وفوقهم يافطة “هنا تصليح كمبيوترات”….

العام الماضي، سافرت إلى الهند مرة أخرى مع أخى وابنه الشاب، هذه المرة لجنوب الهند. طبعا كانت الرحلة اقل تنظيما وتكثيفا وتوترا، ولكن أتاحت لى فرصة التقاط الانفاس فى ذلك البلد الكبير، ورؤية بعض الاشياء من خلال أعين غير عيني، فملاحظات رفيقيّ الثاقبة كانت بمثابة صب انتباه على أشياء ما كنت لألاحظها لولاهما.

أود أن أكتب عما رأيته وقرأته عن الهند، عن ملاحظاتي. عن خبرات الهند الأليمة، التى لولا مشرط الجراح الذى احتمل الهنود تنظيفه لجروحهم بالمصارحة والمراجعة وفتح الأعين، لما استطاعت الهند أن تبدأ الطريق الصحيح، وتمضى فيه.

أود أن اكتب عن الهند ليتعلم قارئى العربية، فربما يتجنبون، بل نتجنب جميعا، مصيرا مخيفا نمضى إليه بخطى حثيثة للأسف.