معرض «السرياليون المصريون» ليس كله سريالية.. خطر خروج أعمال السريالية المصرية الى دول أوروبية مبهمة لم يفصح القطاع عن أسمائها معرض نوعى لثروة فنية مصرية بلا كتالوج ولا معلومات فاطمة

112

معرض «السرياليون المصريون»

ليس كله سريالية..

خطر خروج أعمال السريالية المصرية الى دول أوروبية مبهمة لم يفصح القطاع عن أسمائها

معرض نوعى لثروة فنية مصرية بلا كتالوج ولا معلومات

فاطمة على

 

افتتح الأربعاء الماضى بقصر الفنون حدث فنى نوعى مهم بعنوان “حين يصبح الفن حرية – السرياليون المصريون 1938-1965“ ليشمل عرض أعمال فنانى الحركة السريالية التى أنتجوها على مدار 27 عام – وهذا حرفيا ولم ينفذ واقعيا – المعرض افتتحه وزير الثقافة المصرى ورئيسة مؤسسة الشارقة للفنون ورئيس قطاع الفنون.. فالجهات الكبرى المنظمة للعرض الدولى المتجول وزارة الثقافة ومؤسسة الشارقة والجامعة الأمريكية والذى بدأ أولى محطاته فى القاهرة.. ثم وكما جاء نصا فى نشرة قطاع الفنون فى الدعوة للمعرض : “ تم الاتفاق على انطلاقه من القاهرة ثم إلى الشارقة ومنها الى جولة عالمية “ دون ذكر أى تلك البلاد أو الجهات العالمية التى سيذهب اليها معرض يضم أهم حركة سريالية فى الشرق وإرثنا الفنى الكبير.. وكيف نثق برجوعه دون تلف أو سرقة.. وكيف نثق بإجراءات تأمينه ومدة الجولة التى يستمرها خارج مصر والقطاع جعل رحلته الخارجية مبهمة مكتفيا بذكر مجرد جولة عالمية.. وكيف نثق والمعرض الذى يعد الأخطر والأهم نوعيا فى تاريخ الحركة الفنية المصرية بل وهو إرثنا الفنى الأهم، وان فُقد فلن يكون هناك مرجعية وستتوزع المسئولية بين الشركاء الثلاثة، ولن يكون أحدهم مُقصرا بالطبع وهم الذين لم يهتموا أو بخلوا حتى بإصدار نشرة توضع داخل القصر لن تكلفهم شيئا .. فكيف نأمن على تأمينه قبل سفرته الغامضة لأن ما يُفقد منا – وهو كثير ودائما ومباح – لا يُعوض ولا نسترده والشواهد كثيرة وموجعة خاصة وقد أفتتح العرض الكبير فى قصر الفنون دون أن تصدر الجهات الثلاث الكبرى المنظمة كتالوج ولا ملف صحفى ولا حتى سى دى للأعمال بينما تقام معارض فردية ويصدر لها القطاع الكتب الفخمة المصاحبة للعرض وبسخاء.. فكيف نثق ولم يهتم القطاع بأن يوضح حتى فى نشرته أسماء الدول التى سيذهب إليها عرض أهم لوحات متاحفنا تؤرخ لحركة فنية أثرت على ما جاء بعدها فما بال ولم يصدر حتى ملفا صحفيا للصحفيين – بلاش التشكيليين – يذكر خط سير المعرض وزمنه لتتابعه الصحافة الفنية لأحد أهم لوحات متاحفنا.. فيجب قبل السفر من صدور كتاب توثيقى يوثق لكل المعروضات حتى يكون مرجعا لها.. مثلما حدث وخرجت أعمال التأثيريين العالميين من متحف محمد محمود خليل وحرمه للعرض فى”متحف أورساى” بفرنسا مصحوبة بكتاب ضخم يوثق لكل عمل سافر..

وهذا العرض الأقرب للاحتفالية بالسريالية المصرية مهم للغاية فنيا وغير مسبوق فى مصر لتقديم مرحلة فنية كاملة لوحات ووثائق بتنسيق إحترافى للأعمال ذات مستوى عالمى راق بما يُساعد المشاهد على الرؤية الفنية فى مناخ جمالى واحترام للأعمال الفنية ذاتها وإعطائها مساحتها ومتنفسها أو حرمها دون أن تشوشر لوحة على أخرى.. وبما يتيح فرصة رؤية هذه الأعمال للفنانين الشباب الذين لم يشاهدوها من قبل لوجودها فى متاحف معظمها مغلق للصيانة التى لا تنتهى وان انتهت فما تكاد تنتهى حتى تبدأ من جديد رغم أن متاحفنا بلا زوار على الإطلاق فماذا يصونون ولم تُستهلك أو تستغل أو يزورها زائر أصلا..

113

يضم المعرض مجموعة مهمة من أهم أعمال السريالية المصرية والتى تنتمى إلى مرحلة الثلاثينات وحتى مطلع الستينات من القرن الماضى إضافة لعرض مجموعة من الوثائق والمطبوعات والنشرات والكتالوجات التى صاحبت بعض معارض الجماعة السريالية فى مصر.. وتضم اعمال اكثر من 26 فنانا منهم : رمسيس يونان.. راتب صديق.. سمير رافع.. حسين فوزى.. كامل التلمسانى.. فؤاد كامل.. انجى أفلاطون.. محمود سعيد.. كمال يوسف.. إيمى نمر.. حامد ندا.. منير كنعان.. أحمد مرسى.. عبد الهادى الوشاحى.. عبد الهادى الجزار.. ابراهيم مسعودة أحمد مصطفى..صلاح طاهر.. اسماعيل محمد.. عطية حسين.. محمد رياض سعيد.. محمد القبانى.. سالم عبد الله الحبشى.. باروخ..كارلو ديس ديرو.. وأريستد باباجورج..

كما نرى من الأسماء نرى أن العرض خُصص للسرياليين ونرى إنفلاتا فى الاختيار- ربما غير مضر- لكنه غير ملتزم بعنوان الحدث فكيف الفنانون كنعان وعبد الهادى الوشاحى سرياليين فإن تلاقت أعمال شكليا مع معالجة السرياليين فليس معناها أن الفنان فكره وعقيدته سريالية وإنما هو تلاقى وتشابك فى بعض المناطق الشكلية وليس الجوهرية..

كيف لا تكون ممثلة فى المعرض أعمال رائد الدادائية المصرية الراحل رمزى مصطفى ممثل وهى امتداد وتطور عن السريالية.. كما حدث انفلات آخر فى الترتيب الكرونولوجى لزمنية الأعمال التى جاءت أيضا مع عنوان الحدث لتؤرخ لـ 27 عام من السريالية من 1938 الى 1965 فكان بالعرض أعمال تنتمى للسبعينات وحتى التسعينات.

شمل العرض ثلاثة اتجاهات عريضة للجماعات السريالية وهى:

— العرض يقدم أعمال فنانى “ جماعة الفن والحرية “ وهى التى تم تأسيسها بإصدار بيان فى 22 ديسمبر عام 1938 موقع من الفنانين والكتاب والصحفيين بعنوان “ يحيا الفن المنحط “ لتبدأ واحدة من أهم الحركات الفنية هيمنة على الساحة الفنية والفكرية المصرية بأهم شخصياتها جورج حنين وضمت معه رمسيس يونان.. فؤاد كامل.. أنور كامل.. كامل التلمسانى ورغم هذه الأسماء الكبرى والنشاط الكبير للجماعة الآ أنها دامت لفترة قصيرة للغاية حتى 1945 إلا أنها تركت أثرا كبيرا وأسست لرؤية مصرية جديدة استمرت بظهور “ جماعة الفن المعاصر  و«جماعة الفن الحديث»..

— ويقدم العرض لأعمال فنانى “ جماعة الفن المعاصر “ التى تأسست عام 1946 وكان لأعضائها الأثر المهم فى تطوير حركة الفن المصرى الحديث بقيادة وإرشاد أستاذ الفنون حسين يوسف أمين والتى ضمت الفنانين : كمال يوسف.. ماهر رائف.. سمير رافع.. إبراهيم مسعودة.. حامد ندا.. عبد الهادى الجزار.. محمود خليل.. وسالم الحبشى وساهمت الجماعة فى تشكيل هوية مصر الحديثة واستكشاف ثقافة الحياة اليومية من خلال الأفكار السريالية من اللاوعى الجمعى والذى يمثل التقاليد الشائعة والرموز الميثولوجية والمعتقدات الشعبية بموتيفات البيئة الشعبية المتكررة من الاوانى مثل القلة والزير ولمبة الجاز والديكه والطيور والأسماك والقطط..

— ثم عرض المعرض لأعمال فنانى ما بعد السريالية المصرية لفنانين ظهروا فى فترة الستينات وما بعدها وقد تأثروا ببعض مشاهد أو مفردات السريالية دون أن يكونوا سرياليين فكرا أو منهجا لكنهم فقط متأثرين بطريقتهم التى خرج بعضهم من السريالية الشعبية الى الميتافيزيقية مثل الفنان احمد مرسى.. ومن خرج من السريالية السوداء الشعبية الى السريالية الفكرية الاجتماعية السياسية مثل الفنان محمد رياض سعيد ومنهم من خرج الى الجانب الأسطورى مثل الفنان محمد القبانى.. ومنهم من اتجه الى التعبيرية العنيفة البنائية مثل الفنان عبد الهادى الوشاحى.. ومنهم من اتجه الى الفانتازيا الأدبية مثل الفنان احمد مصطفى والذى يُعد عمله “تحية للفدائيين” من أقوى واهم أعماله.. وهناك فنانون مستقلون لهم تجربتهم الخاصة ولم ينتموا يوما للسريالية لكنهم مروا فى حياتهم الفنية بإنجاز بلوحة او اثنتين مثل إيمى نمر وإنجى أفلاطون ومنير كنعان.. فمعرض السريالية ليس كله سريالية وإنما شواهد لتشابكات رؤى فنية ظهرت فى لوحات فنانين فيما بعد على اختلاف مدارسهم الفنية وذلك لعمق أثر هذه المدرسة الحيوية فى فترتها القصيرة التى دامت حوالى الثلاثة عقود..

والسريالية المصرية رغم تلازمها بفارق نسبى زمنيا يتعدى عقدا من الزمان مع السيريالية العالمية خاصة فى فرنسا فى ذلك الوقت إلا أنها تختلف فى رؤياها التى تحرك ممارستها لهذا الإبداع ذلك لأن السريالية المصرية قصرت نفسها فى الغالب للتعبير عن الشقاء الذى يعانيه الإنسان فى بيئته الريفية او الشعبية الخانقة وكان بالنسبة للفنانين اكتشاف مناطق مجهولة فى بيئتهم المصرية لأن الرؤية بدأت من الخارج خارج الفنان ثم ترك لنفسه العنان للتعبير عنها فى شبه حالة من الحلم بينما السيريالية فى الخارج حركها بدءا أندريه بريتون فى آلية أو تلقائية نفسية ووقع بعض الفنانين فى سحر أبحاث “فرويد” و”يونج” فى عالم الأحلام واللاوعى والإرتقاء بالواقع – أى من الأشياء الواقعية حولهم – إلى مستوى الحلم إى الى ما فوق الواقع المرئى.

إعمال العرض جاءت من مقتنيات خاصة ومن مقتنيات : “متحف الفن المصرى الحديث” بالقاهرة.. متحف “إنجى أفلاطون” القاهرة..”متحف الإسكندرية للفنون الجميلة”.. “متحف الإسكندرية للفن الحديث”.. متحف “محمود سعيد” بالإسكندرية.. “مؤسسة بارجيل للفنون” الشارقة.. مع الاستعانة بالعملية التوثيقية الأرشيفية للحركة السريالية بما صاحبها أو تبعها من مطبوعات وصور وملصقات وكتالوجات لمعارضها ومقتطفات من صحف ومجلات وبيانات موثقة.