نور الخيال نعمات فؤاد الخالدة سيد محمود   بغياب الكاتبة الكبيرة الدكتورة نعمات فؤاد تغيب مرحلة كاملة من تاريخ مصر كانت الحياة الثقافية تقدم فيها وجوها مشرقة من وجوه العمل

2211

999

نور الخيال

نعمات فؤاد الخالدة

سيد محمود

 

بغياب الكاتبة الكبيرة الدكتورة نعمات فؤاد تغيب مرحلة كاملة من تاريخ مصر كانت الحياة الثقافية تقدم فيها وجوها مشرقة من وجوه العمل العام التى تجاوزت تخصصها الأكاديمى الضيق وانفتحت إلى آفاق أرحب.

وكان وعى أغلب أبناء الجيل الذى تمثله الراحلة يركز بصورة رئيسية على حلم تقدم مصر وفق فهم لشروط تطورها الحضارى بغض النظر عن المنطلقات الأيديولوجية، فكان طبيعيا أن ترى مثقفين وقامات بحجم فتحى رضوان ونعمات فؤاد ومحمود أمين العالم والراحلة عائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ» لديهم نفس الانشغال رغم اختلاف أدوات التعبير، غير أن فؤاد بخلاف هؤلاء تطور انشغالها بالعمل العام لدرجة الصدام مع السلطة المعلن مع السلطة استنادا إلى الإيمان بقيمة قلمها التى تعلو فوق أى منصب فهى القائلة: «شيء كبير أن يكون للإنسان قلم ولكن شيئا نفيسا أن يكون له موقف».

كتبت نعمات فؤاد التى تألقت ناقدة فى مطبوعات الأربعينات والخمسينات عن المازنى والعقاد وتطور النثر الفنى، لكن شغفها بالمجال العام ورموزه دفعها للاقتراب من سيدة الغناء العربى أم كلثوم التى تماهت صورتها معها مع صورة مصر على نحو تجلى فى كتابها ذائع الصيت «أم كلثوم وعصر من الفن»، وهو كتاب جامع مانع استند إلى معرفة شخصية حميمة بكوكب الشرق وبسبب آثار هذا الاقتراب تحول إلى نص وجدانى حميم يزيد من الهالة الأسطورية لأم كلثوم أكثر من كونه نص سيرة يشتمل على وجوه النقد ورغم هذه الملاحظة، إلا أنه يبقى أحد اهم مصادر الكتابة عن سيرة أم كلثوم والمتتبع لكتب نعمات فؤاد الأخرى يلمس فيها هذه الطاقة الوجدانية الهائلة التى أضفت على لغتها مسحة رومانسية فياضة عبرت بها دائما عن حالة من حالات الولع بمصر ونيلها العظيم حتى أنها وصفت فى بعض الكتابات بعروس النيل.

لكن هذه الرومانسية سرعان ما تطورت مع دخول مصر لمنحى التراجع فى عصر السادات إلى لغة مواجهة متينة مع القيم السلبية التى جاء بها عصر الانفتاح فكتبت كتابها «إلى ابنتى» ثم «شخصية مصر»، ولم يمنعها ذيوع كتاب جمال حمدان الذى يحمل نفس الاسم من تكرارها استنادا إلى إيمان بتواصل حلقات تاريخ مصر ومتانة شخصيتها الحضارية، ثم بدأت مسار الصدام بمقالها الشهير «ارفعوا ايديكم عن هضبة الهرم» وهو منهج تواصل فى حملتها ضد سفر الآثار المصرية خلال عهد مبارك، وفى مقالها الشهير الذى تحول إلى منهج عمل أكدت أن الهضبة ليست ملكا لوزارة أو نظام أو لشركة، ولكنها ملك للهرم والتاريخ والحضارة الإنسانية، المقال الذى تحول إلى حملة صحفية ضخمة اختتمتها بعبارة: «إن الآثار أعراضنا فابقوا لنا الماضي.. ابقوا لنا شيئا» والمؤكد أن هذه الصرخة لا تزال صالحة للاستعمال، فقط علينا أن نغير الموقع الجغرافى لندرك أن ما تركته نعمات فؤاد لا يزال قادرا على إثارة الدهشة ولا تزال لغتها الأنيقة قادرة على لفت أنظارنا إلى فداحة الغياب.

فقد ماتت «خفيضة الصوت، سمراء الملامح» التى اقترن اسمها وإلى الأبد بقضايا الدفاع عن مصر وحضارتها وشعبها، ماتت وخلفها تاريخ ناصع من المواجهة والصمود وفضح مختلف صور التواطؤ.

ربما يرى البعض أنها خسرت معاركها إلا أنها كسبت احترام الجميع وحجزت مقعدها فى حديقة الخالدين.