إعادة اكتشاف المشترك الإنسانى جحا كاتب قصة قصيرة فى ملتقى الشارقة للراوى الشارقة : سيد محمود   اختتمت بالشارقة الاسبوع الماضى فعاليات الدورة الخامسة عشرة من ملتقى الشارقة الدولى للراوى

01443948375

إعادة اكتشاف المشترك الإنسانى

جحا كاتب قصة قصيرة فى ملتقى الشارقة للراوى

الشارقة : سيد محمود

 

اختتمت بالشارقة الاسبوع الماضى فعاليات الدورة الخامسة عشرة من ملتقى الشارقة الدولى للراوى الذى نظمه معهد الشارقة للتراث على مدار ثلاثة أيام بحضور ومشاركة نخبة من المفكرين والرواة من 22 دولة من مختلف أنحاء العالم تحت عنوان: «جحا تراث إنسانى مشترك» وحرص الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمى عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة على افتتاح الفعاليات وتأكيد دعمه المباشر لها.

وتفضل يرافقه عبد العزيز المسلم رئيس معهد الشارقة للتراث بتكريم الشخصيات المحتفى بها فى هذه الدورة وهم الدكتور السعودى سعد الصويان والعمانى ربيع عنبر والمغفور لهم الباحث المصرى الراحل الدكتور محمد رجب وسليمان الكابورى وعبد الله الأحبش.

%d9%85%d9%84%d8%aa%d9%82%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a7%d8%b1%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d9%8a-%d9%84%d9%84%d8%b1%d8%a7%d9%88%d9%8a

وكانت مفاجأة سارة للمشاركين المصريين من باحثين وفنانين واعلاميين فوز لاعب الاراجوز الشهير الحاج صابر المصرى بجائزة الشارقة الدولية للتراث الثقافى كأحسن راو وهى الجوائز التى اعلنتها خلال حفل الختام أسماء السويدى مدير معهد الشارقة للتراث حيث فاز على القصير من الإمارات عن فئة أفضل راوى محلى فى حين حصل العم صابر المصرى من مصر على فئة أفضل راو عربى وكانت فئة أفضل راو دولى من نصيب جوليا موراندى من فرنسا وتمثل جائزة المصرى تعويضا لافتا عن اهمال رسمى فى مصر لجهوده فى حماية التراث الشعبى وفنون الاراجوز.

el-aragozsaber_el-masry

وخلال جلسة الافتتاح أشار عبد العزيز المسلم رئيس معهد الشارقة للتراث إلى أن ملتقى الراوى الدولى لفتة شارقية مميزة تضاف إلى سجل حافل من الألق الشارقى الإماراتى.. فبعد أن كان هذا الملتقى إماراتيا خليجيا أصبح عربيا ثم دوليا أما الراوى هنا فلم يعد محليا مغمورا بل أصبح راويا واخباريا دوليا يجوب العالم ليحكى حكاياته ويبث رواياته.

 

وأكد أن الملتقى يسعى إلى لفت الأنظار إلى أهمية الموروث الشفاهي، وضرورة الاهتمام بحملته من الكنوز البشرية الحية، فالمخزون فى الصدور أكبر بكثير مما جمع أو بحث أو درس، والهمة فى هذا الطريق تحتاج إلى المزيد من الجهد لتوثيق مجمل المادة الشعبية والإحاطة بفضاء التراث الثقافي، ويركز على أهمية الإسهام فى رعاية الرواة وإعادة الاعتبار لهم، فى ظل سعى معهد الشارقة للتراث المستمر إلى تطوير هذه الفعالية فى مختلف المجالات، ولفت إلى أن رد الاعتبار عملية صعبة جدا.

وفى دورة هذا العام تم اختيار المملكة العربية السعودية ضيف الشرف ومثلها الدكتور سعد الصويان الذى تحدث قائلا: «ما أحوجنا إلى إحياء فنوننا الشعبية وصقلها وتقديمها للعالم بأسلوب عصرى حيث انها مظهر من مظاهر القوة الناعمة التى لو أحسنا توظيفها لتحولت إلى أداة بالغة التأثير من أدوات الصراع الحضارى» وأضاف: «نريد إبراز الجانب المغيب من ثقافة الجزيرة العربية التى لم يعد يعرف الناس عنها فى الخارج إلا أنها مهد التطرف الدينى والتزمت الأخلاقي. نريد إبراز الجانب الإنسانى المشرق والنقيض لتلك الصورة النمطية.. الجانب الأنيق الذى يحب الحياة ويقبل على مباهج الدنيا».

وتناولت جلسات البرنامج الفكرى المصاحب للملتقى والتى ساهم فى تنسيقها الدكتور محمد حسن عبد الحافظ المدير الاكاديمى للمعهد أطروحات حول شخصية جحا باعتبارها تراثا إنسانيا، وفتحت هذه الدورة الباب للباحثين والمعنيين بالتراث غير المادي، للاحتفاء بشخصية جحا التراثية والتاريخية، التى تقبع فى الذاكرة الشعبية وناقشت الندوات الفكرية شخصية جحا فى التراث والتاريخ بوصفه يمثل تراثا إنسانيا مشتركا، لا تتفرد به أى من الثقافات، فكل الشعوب والأعراق تحتفظ بالحكايا والنوادر والتصرفات نفسها لهذا الرمز الإنساني.

وتلخصت المساهمات فى ثلاثة محاور رئيسية هي: «وجوه جحا وتنوعاتها فى الثقافة الإنسانية»، و«جحا فى التاريخ والأدب الشعبي»، و«جحا فى الفنون» بالتعرض للفن التشكيلى والسينما والمسرح والعرائس والدمى.

فى الجلسة الأولى، ناقش د. عمرو منير، عضو هيئة تدريس بجامعتى أم القرى بمكة المكرمة، وجنوب الوادى بمصر،أطروحة حول «جحا فى التاريخ العربى بين أسبقية الظهور وأولوية الإبداع». وكشفت الأطروحة عن أسبقية ظهور جحا فى المنطقة العربية قبل أى من المجتمعات الأخرى.

 

وتمحورت ورقات الجلسة الأولى الثانية حول «جحا بين الواقع التاريخى واستلهام الرمز» وقدمها د. الماز أبراييف من قيرغيزستان. وأشارت الورقة إلى إجماع الثقافات كافة على فكاهية شخصية جحا التراثية، وتأثيرها فى حس الدعابة والتندر والسخرية فى كل مجتمع ظهرت فيه من خلال خصال المكر، والتحامق، واستخدام ملكاته الذاتية للخروج من المواقف المتأزمة، وهو ما جعله مادة دسمة وغنية للأدب الشعبى والحكايا والقصص، ووسيلة مقنعة لتسجيل المواقف السياسية والاجتماعية بأسلوب ساخر دون التعرض للأذى من قبل السلطة أيا كانت.

وبحثت الأطروحة الثالثة مسألة الرمز فى شخصية حجا أيضا من خلال ورقة عمل أمينة الفردان من البحرين التى أتت تحت عنوان «بين التاريخ والأدب الشعبي.. جحا الرمز». وحاولت الباحثة فى ورقتها كشف الغموض عن شخصية جحا العربى من خلال عملية تنقيب معمقة فى كل ما ورد عنه فى الكتب والمراجع العلمية المتاحة.

ومن جهتها طرحت ورقة الباحثة المغربية د. زهور كرام موضوع «جحا وبلاغة المحكى المتوارث». وناقشت كرام مسألة جحا الشخص والصوت، وتأصيله لفكرة المشترك الإنسانى عبر مرور العصور بالتعرض للتفاعل الحادث بين الجد والهزل، والواقعى والخيالي، وما تركه من تراث محكى شكل خطابا بلاغيا من حيث التركيب والمحتوى. وتوقفت أمام مدى امكانية النظر لطرائف جحا ككاتب للقصة القصيرة جدا حيث تتحول الطرائف الى نصوص سردية مكثفة.

وقدمت د. منى بونعامة، الباحثة المتخصصة فى التاريخ والتراث العربي، الورقة الثانية فى الجلسة بعنوان «البعد التاريخى لشخصية جحا».

ولعل اكثر ما لفت النظر خلال ايام الملتقى جلسة «الرواة» الذين طالبوا ببذل الجهود لإعادة الراوى والحكواتى والقوّال إلى مكانته، ورد الاعتبار له، مشيرين إلى أنه جزء أساسى من الهوية الثقافية العامة، والخصوصية التى تميز كل جماعة اجتماعية وثقافية عن غيرها.

حيث أكّدت الحكواتية روان شامى «من السعودية»، أن «التطوّر التقنى أصبح حاضرا بقوة، حتى القراءة من الكتاب الورقى تراجعت. ويمكن أن ننجح فى إعادة مكانة الحكواتى والسرد عموما من خلال وسائل عدة، من أهمها التركيز على طلبة المدارس، والعمل على إدخال فكرة ومادة الحكواتى والراوى إلى المناهج المدرسية، وزراعتها لدى الأطفال وتكون جزءا من العملية التعليمية.

وقال أستاذ المسرح مؤسس جمعية فنون متقاطعة الثقافية، برّاق صبيح «من لبنان»: «إن العولمة أحد أهم أسباب تراجع مكانة الراوي، إذ أخذته إلى مدى مختلف، انحسر فيه العامل الإنسانى والجذور الثقافية، وكذلك هناك التكنولوجيا وما وصلت إليه من تطوّرات، إضافة إلى عوامل تاريخية وسياسية عامة، وتشكل بيئة عامة مختلفة مقارنة بما كانت الحياة عليه فى السابق، وكل هذا شكّل ضغوطا إضافية على الإنسان وحياته اليومية، لذلك تراجع الاهتمام بكثير من عناوين التراث والسرد والثقافة عموما».

واعتبر محمد المهرى «من عُمان» «أن «حركة الحياة اليوم وإيقاعها السريع بفعل التكنولوجيا وتطّورها، سيطرا على كل مفاصل الحياة، وبالتالى أثّرا فى السرد والراوى والحكواتى وهذا اللون الأدبي، ما أسهم فى تراجعه فى المشهد الثقافى العام، فلم يعدّ هناك متسع من الوقت لنستمع إلى الراوى والحكواتي».

وخلال الجلسة الختامية أكدت عائشة الحصان الشامسى المنسق الدائم لملتقى «الراوي» من خلال توصيات الملتقى ضرورة استدعاء شخصية جحا وتوثيقها فى التراث الإماراتى ودعم وتشجيع أعمال بحثية تعنى بالتراث والأدب لشخصيات «جحوية» تقارب «جحا» المتعارف عليه فى قديم الزمان إلى جانب تسجيل «جحا» فى منظمة «اليونسكو» وإعداد دراسات مقارنة تتناول الراوى ودوره التنويرى المعرفى فى استلهام الأدب الشعبى.

ودعا معهد الشارقة للتراث إلى تطوير آليات وبرامج العمل الترويجى والمهنى والمعرفي، المنتبهة لقيمة وتأثير الثقافة التراثية، وقدرتها على إعادة الوهج للموروث الشعبي، وإحياء مظاهر الفلكلور المنسي، واستحضار القامات والكنوز البشرية التى كان لها دور ملحوظ فى تأصيل الجانب التراثى فى المشهد الثقافى المحلى تحديدا، والإقليمى بشكل عام.