د. محمود الضبع يكتُب.. تحديد المفاهيم أولا     المتأمل للوعى العربى على أرض الواقع يمكنه أن يرى اختلافات سلوكية تصل حد التناقض أحيانا فى ممارسات وأفعال الشعوب، خاصة عند

8888

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2015-11-02 15:06:01Z |  |

د. محمود الضبع يكتُب..

تحديد المفاهيم أولا

 

 

المتأمل للوعى العربى على أرض الواقع يمكنه أن يرى اختلافات سلوكية تصل حد التناقض أحيانا فى ممارسات وأفعال الشعوب، خاصة عند مقارنة السلوكيات المتعددة بتعدد الأشخاص حول الشيء الواحد فى المواقف المختلفة.

لا يتطلب الأمر بالضرورة أن نكون فلاسفة أو مفكرين من الطراز الرفيع لكى نرى بأنفسنا ونشاهد هذا التزايد المستمر فى خلط المفاهيم، وهذا التعدد المربك فى وجهات النظر حول الشيء الواحد، فكثير من المفاهيم الأساسية لم تعد محددة المعالم بيننا، وبالتالى تعددت معانيها تبعا لتعدد العقول والأفهام التى تتعامل معها وبها، وإلا، فليخبرنا من ينكر، ما المفهوم المتفق عليه فى وعينا العربى عن: الفقر، والأمية، والجهل، والتطرف، والتشدد، وقبول الآخر، والكفر، والإيمان، والخيانة، والأمانة، وغيرها كثير مما اختلطت علينا حدوده فتعددت معانيه.

وما بالنا لو أوغلنا فى مفاهيم أعمق وأصعب مثل: الديمقراطية، والعدالة، والحرية، والثقافة، والوعى، إلخ؟

وما بالنا إذا حاولنا تعريف هويتنا وتراثنا ووجودنا وقيمتنا؟

هل فى الإمكان أن نجد شعبا عربيا واحدا لديه اتفاقات على هذه المفاهيم؟

وهل فشلت كل شعوب العالم فى تحديد مفاهيمها، والالتزام بمعان محددة لها؟

بالطبع لم تفشل كل شعوب العالم، وإنما تحيط بنا نماذج عديدة لدول بعضها كان يحاول النهوض من كوارث عامة أو مدمرة «اليابان، وروسيا، والصين»، وبعضها لم يكن لها وجود عالمى فاعل من قبل «ماليزيا، كوريا، فنلندا، كوستاريكا»، وبعضها كانت تحت الحصار «إيران»، وجميعها استطاع أن يقف على نقطة البداية الصحيحة، وفى غضون سنوات كان قد أعد شعبا، وصنع حضارة، واحتجز مكانته بين الأمم المعاصرة.

لقد وقفت كل الشعوب السابقة على نقطة البداية الصحيحة بأن حددت مفاهيمها، وبالتالى عرفت كيف تحدد الطريق، وكيف تسير فيه، فالتعليم يعنى كذا وكذا، وبالتالى متطلباته كذا وكذا، والصحة كذلك، والفقر والجهل، وغيرها كثير مما يتعين على الدول أن تقف أمامه فى مراحل تحولها، بل كل عدة أعوام عبر مسيرتها.

دعونا نصارح أنفسنا بأن الوعى العربى لا يكاد يتفق إلا على القليل من المفاهيم التى يعيش فى إطارها، فمفهومه عن الجهل مثلا لم يعد صالحا للحياة منذ سنوات طويلة، فما بالنا بالآن وغدا!

فهل الجهل عنده هو المناقض للعلم بالشيء؟ وإذا كان كذلك فما تصنيفه لمن يجهلون غالبية أشياء الحياة المعاصرة والتى تلخصها قوائم المهارات الحياتية «التى تضع لها دول العالم مقررات ومناهج تعليمية»، أم أن الجهل عنده يختلط بالأمية؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل هى الأمية القرائية والكتابية، أم الأمية الحضارية، أم الأمية القانونية، أم الأمية العلمية، أم الأمية العقائدية، أم الأمية التكنولوجية، أم غيرها من التصنيفات التى رصدتها الدول التى عرفت نقطة انطلاقها وبدايتها؟، وقد بلغ بِنَا الأمر مداه فى الاختلاط فشهدنا ونشهد فى واقعنا العربى اتهامات متوالية بالجهل بين من كنّا نحسبهم علماء ومفكرين ومثقفين وقراء ومتعلمين، وتقدمنا خطوات فى الطريق فتسربت هذه الأحكام إلى حرم المؤسسات الجامعية والبحثية والعلمية الرفيعة، وغدا وصف العلماء بالجهل أمر لا يثير الغرابة أو الاستهجان، ولم تظهر أى محاولة حتى الآن لإيقاف هذا الخلل، وتحديد مفاهيم الجهل والأمية وما يرتبط بها من مفردات نتداولها فى ممارساتنا اليومية.

مثال آخر لمفهوم جوهرى نحيا به، وأصابه الخلط والخلل مما أثر على طبيعة الحياة ذاتها، وهو مفهوم الفقر، فالتعريف العربى له لم يعد صالحا للحد الأدنى من المعيشة عالميا، فهل الفقير هو الذى يقل دخله السنوى عن ٦٠٠ دولار تبعا لتعريف البنك الدولى والبرنامج الإنمائى للأمم المتحدة؟ أم أن الفقير هو الذى تتدنى مستويات حصوله على حقوقه الأساسية فى الحياة «التعليم والصحة والتغذية» على نحو جيد؟ أم أن الفقير هو من لا يستطيع الحصول على متطلباته الأساسية كما فرضها المجتمع الاستهلاكى المعاصر، والذى يضطر غالبا للتوفير من دخله شهورا وسنينا من أجل الحصول على سلعة أو منتج أساسى له أو لمنزله؟ أم أن الفقير هو من يعانى فى توفير غذائه وملبسه ومسكنه كما هو حادث مع عدد غير قليل من أفراد مجتمعنا المصرى.

بالنظر إلى المجتمعات العربية وبخاصة مصر، سيتضح حجم الخلط المفاهيمى لتعريف الفقر، خاصة مع الأرقام التى تداولتها وسائل الإعلام فى السنوات الخمس الأخيرة عن حجم الأموال المنهوبة والمهربة إلى الخارج، وحجم الأموال المهدرة بفعل الفساد، تلك الأرقام الضخمة التى جعلت أصحاب الوظائف العليا من مهندسين وأطباء وأساتذة جامعيين وخبراء ورؤساء مجالس إدارات وغيرهم يشعرون جميعا بأنهم دون مستوى الفقر قياسا إلى ما تكشف لهم من رواتب عند محاولة تطبيق الحد الأقصى للأجور، والبلبلة التى أثيرت بفعل هذه القضية، والتى لم تحل حتى الآن. فما بالنا بالموظف الصغير والمواطن العادى ومحدود الدخل ومن لا دخول ثابتة لهم، خاصة إذا علمنا أن عدد موظفى القطاع العام لا يزيد على ستة ملايين من إجمالى الملايين التسعين تبعا لتقارير الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء؟

وعليه فالسؤال : لماذا تفشل كل الإجراءات التى تتخذ من أجل الحد من معدلات الفقر؟ هل لأن الدولة يغيب عنها الدراية بجذور الفقر وتشعباته فى التعليم والصحة والإنجاب والجريمة والتهام معدلات التنمية؟ أم لأنها تضع الخطط لمعالجة الرأس دون الاهتمام بالجذع؟ أم لأن تغلغل الفساد المتوارث يعوق أى إرادة للتنمية؟ أم لأنها لم تحدد مفهومها عن الفقر بما يتناسب والعدالة الاجتماعية المنشودة؟

وأيا ما كان الأمر، فإنه لا يمكن البدء فى إصلاح كل هذا إلا بعد تحديد مفهوم الفقر إجرائيا وتبعا للتطورات العالمية لمفهوم الفقر ذاته، وهو ما سيقود للكشف عن الطبقية الشديدة على مستوى البلد الواحد، وربما هذا هو جوهر الأسباب.

أما المثال الثالث فهو الأكثر خطورة مما سبق نظرا لارتباطه بالممارسات العملية واليومية للمواطن العربى، وهو المستوى التداولى، ذلك أن كل المفاهيم اليومية المتداولة بين الناس ليست لها ضوابط محددة، فمفاهيم العمل وإتقانه وجودته اختلطت بمقولات «على قدر فلوسه»، و«ليس فى الإمكان أبدع مما كان»، و«زينا زى غيرنا»، و«أنا بعمل أكتر من كل اللى حواليا»، و«أنا مش ح أكون أحسن من رؤسائى ولا أكتر منهم عملا»، وغيرها مما يحلو للبعض انتقاده والتندر به وكأنه بذلك وضع يده على السر ولا دخل له بما سيحدث بعدها لأنها ليست مسئوليته.

مفهوم المسئولية ذاته اختلط بين إلقاء الأعباء الأساسية على الآخرين، أو على المرؤسين، أو على الحكومة، وتنصل كل من مسئوليته، إلى الدرجة التى تجد فيها المسئول الرئيسى عن الأمر يخبرك بكل بساطة أنها ليست مسئوليته، والأمثلة على ذلك كثير، فالطبيب فى المستشفى ليس مسئولا عن المريض لأنها ليست ورديته، ورجل الأمن ليس مسئولا لأنها ليست منطقة اختصاصه، وأستاذ الجامعة ليس مسئولا لأنه ليس تخصصه، والمواطن فى الشارع ليس مسئولا عن التخريب الذى يقوم به آخرون لأنه منشغل بحاله فقط، وهكذا تخلى كل عن مسئولياته لأن المسئوليات فى الأساس لم تعد محددة ولا ضابط لها، ولا مفاهيم قاطعة لحدودها.

أما عن مفاهيم التكفير والتخوين والوطنية فحدث ولا حرج، فكل مؤسسة داخل الدولة الواحدة لديها ضوابطها ومحدداتها وتعريفها الخاص بها والمتناسب مع توجهاتها، وكذلك تتعدد المضامين للمفهوم الواحد مع كل جماعة أو فئة تربطهم أيديولوجيا، وكل شريحة من المجتمع تربطها مصالح مشتركة، وكل مجموعة من الأفراد يربطهم وعى متقارب، ويصل الأمر إلى اختلاف معانى هذه المفاهيم بين أفراد الأسرة الواحدة، وهو ما عمقه وساعد عليه صعود جماعة الإخوان إلى الحكم فى غفلة من الزمن وغيبة من الوعى، وخلط فى المفاهيم، غير أن حكمهم زال، وبقى الخلط ينذر بأخطار لابد من تداركها وبوعى دقيق.

فإذا ما انتقلنا للتعليم ومفاهيمه ومتطلباتنا منه، فإنه معروف للجميع تدنى مستوى ومكانة التعليم العربى فى التصنيفات العالمية كما تشير التقارير والجداول والإحصاءات، ذلك أننا لم نحدد ماذا نعنى بالتعليم، وماذا نريد منه، وما مواصفات الخريج فى كل تخصص، وكيف يتم ذلك فى كل مراحله، وكيف يتم تحديد المفاهيم أولا، لتتضح معالم الطريق.

فكيف تستطيع الدول العربية أن تقف وأحوال التعليم فيها متردية ومفاهيمه مختلطة، وأهدافه غير واضحة؟ كيف تستطيع المواصلة فى عالم أصبح أكثر شراسة باعتماده على العلم والإنتاج الفكرى اللذين هما نتاج التعليم ولا شيء سواه؟

وباختصار، نحن بحاجة حقيقية وعاجلة لأن نحدد مفاهيم كل شيء فى حياتنا ووعينا العربى، بدءا من مفاهيم القيم والأخلاق التى توارثناها ونظنها ثابتة، ومرورا بمعانى عاداتنا وتقاليدنا، وانتهاء بالمفاهيم العلمية ذاتها، والتى يعرف المتخصصون فى أى مجال مدى اختلافنا حول المصطلح وقضاياه.

أمر آخر يحتم علينا ضرورة تحديد مفاهيمنا، وهو التحولات العالمية التى لسنا بمعزل عنها، وهى ما تسمى قيم الحداثة وما بعد الحداثة، وتوجد فى مصر – على حد علمى – دراسات وبحوث اجتماعية عديدة ترصد أثر هذه القيم على المجتمعات، والتحولات التى طرأت على الأفراد وبالتالى غيرت من منظومة القيم لديهم، وهو ما يمكن مراقبته واقعيا فى مفاهيمنا عن الزواج – مثلا – ومدى تأثره بالعولمة والمجتمعات الاستهلاكية، وذلك فى كل مراحله بدءا من الخطوبة، وانتهاء بما بعد الزواج.

هذه الدراسات والبحوث فى كل العلوم الإنسانية هى التى يجب أن تساعدنا على تحديد مفاهيمنا وأبعادها، وهى التى يجب أن تنتبه إليه الدولة وتتبناه، فهى بالفعل دراسات حبيسة الأدراج.

نحن فى خطر لأننا لم نحدد حتى الآن مفاهيم ضرورية للحياة، مثل : العدالة، والقانون، والأمانة، والشرف، والجهل، والتعليم، والحرية، والديمقراطية، والفقر، والغنى، وغيرها وغيرها.

تصورنا أو نتصور أن منظومة القيم ثابتة، وهذا غير صحيح، فالقيم متغيرة بتغير طبيعة الحياة، القيم متحركة تتسع لتشمل أنظمة حياة جديدة، وبالتالى فهى فى حاجة لتحديث مستمر.

ما يندرج على القيم يندرج بالضرورة على بقية مفاهيمنا، خاصة تلك التى تتعلق بممارساتنا اليومية، والتى تتحكم فى مسيرتنا، وتوجهنا نحو القيام بعمل ما دون عمل آخر، والتصرف بطريقة ما دون الأخرى.

واقعنا يحتاج لاهتمام بالتعليم والعلم والتثقيف والثقافة، والتفكير والوعى، لأنها المداخل الوحيدة لأى تنمية أو تطوير أو تحديث، وبدونها فلن يكون لنا مستقبل، ولن نستطيع المواصلة فى ظل ما يحتكم إليه العالم، وما يعتمد عليه من استثمار فى العقول، وتسخير للعلم فى خدمة أهدافه السياسية والاقتصادية والتنموية، وحتى الاستعمارية بمفاهيم الاستعمار الجديد، وبحروب الجيل الرابع والخامس التى تعتمد تفكيك الشعوب عن بعد، والغزو الفكرى، والحصار الاقتصادى، ومحو الهويات الفرعية، وبالتالى فرض الهيمنة والسلطة، لامتلاكها كل أدوات الإنتاج، وتحويلنا إلى شعوب استهلاكية لاهثة كما بدأت تتضح معالمه الآن.

قليل من التأمل يكفينا أن ننتبه لملامح هذا المستقبل المخيف، والذى لا  تزال الفرصة بين أيدينا لمواجهته واحتجاز مكانتنا بين صفوف مالكيه، خاصة أننا نمتلك أدوات الإنتاج، ونمتلك العلماء والمفكرين والباحثين وأصحاب الصنائع، ونمتلك البحوث والدراسات، نمتلك العقول والطاقات المهدرة من شباب وكبار، نمتلك القوى الناعمة التى تعتمدها الشعوب بوصفها أقوى الأسلحة، نمتلك القوى الحقيقية لكننا نغفل عنها، نمتلك ذلك كله، ولكنا نحتاج لتحديد المفاهيم أولا، ثم وضع الشعوب فى مساراتها الصحيحة، وهى القوى الوحيدة القابلة للبناء والإنتاج.