رائحة الموت المنبعثة من شقاوة الحياة فى ديوان «دقايق قبل القطر ما يركن» بقلم : سعيد شحاتة   «دقايق قبل القطر» ما يركن هو آخر ما وقعت يدى عليه للشاعر

071177fe293b7048bc1a497ecdf59d84

رائحة الموت المنبعثة من شقاوة الحياة فى ديوان «دقايق قبل القطر ما يركن»

بقلم : سعيد شحاتة

 

«دقايق قبل القطر» ما يركن هو آخر ما وقعت يدى عليه للشاعر أيمن هيبة، ديوان من الوهلة الأولى يوقفك على عتبات البحث، فالذات الشاعرة هنا لا تتوانى ولا تتخاذل فى رحلتها الدءوبة للبحث عن الموت من خلال الحياة ومجابهته كلّما أمكن، حيث لا تكف عن محاربته كلما وجدته واستسلمت له، أيمن شاعر لا يجيد الصوت العالى ولا الهتافات ولا التحايل على الشعر لاستخراج قصيدة مشوهة من رحم استحلاب الذات، إنما يجلس على عتبته ينتظر قصيدته التى تأتيه ملبية طائعة مستساغة، فيتعامل معها بمنطق راقص التانجو، يستقبلها بين يديه برفق ويداعبها ويبدأ فى استدراجها إلى حيث يريد كيفما أراد، فيكتبها بهدوء لتخرج رغم ثورتها العنيفة هادئة… فيخاويها بنفس الطريقة إلى أن ينتهى من تجميع عائلتها ليكتمل السياق، وهذا معناه أنه لا يقنع بوضع قصائد غير متجانسة بين دفتيّ كتاب….

الأب والأم و الإخوة والابن..

رباعية سيطرت على معظم قصائد الديوان، خاصة الأب والابن، تبدأ هذه الرباعية منذ القصيدة الأولى «صندوق ونس قديم» حيث إن الشاعر يستدعى كل الذكريات القديمة ليأتنس بها فى صندوق الونس المتخيّل والذى يستطيع الشاعر من خلاله أن يستكمل رحلته من خلال إنعاش الروح «بحبة سقعة مصهم القلب زمان م الحيطة» بعد أن يأتنس «بصوت نفس الحاج فى سكوته ما بين سورة الفاتحة وأواخر سورة البقرة» هنا يظهر الضلع الأوّل على لسان الضلع الثانى لتبدأ رباعية الحديث عن الأب الغائب «والد الشاعر»، والابن «ابن الشاعر» الذى يخشى عليه من سداد ديونه فى قصيدة حلمين «الأوّل إنى أموت وانا مش مديون/ فبدل ما الواد يترحم على ابوه الميّت هيسدد فى ديونه ويدعى عليه» ثم فى حديثه العابر يعرّج على أنه «تالت الاخوات فى الولادة والحمى» ويعود للحديث على الأب فى أكثر من موضع أهم هذه المواضع قصيدة «حال الخلق» التى تشبه الحوار بينه وبين «زياد ابنه» والتى يكشف لنا فيها الشاعر عن ماهية هذا الأب القارئ المثقف الذى عاش حياته بين كتبه وقراءاته، فحينما يعجز عن الرد على أسئلة الابن نجده يلجأ بسرعة إلى عدّة وسائل للحفاظ الثقة بينه وبين ذاته من هذه الوسائل «صفحة من كتب جدو اللى مالية البيت» وهنا يتضح دور الأب فى حياة الابن، فى مقابل دور الأم الذى اختزله الشاعر فى مواضع قليلة «الاستحمام» و«كل اللى حفظته من أمى تلات حواديت/ وبتوصينى ما العبش سياسة وامشى ف حالي» هذا لو قارناه بدور الأب فى حياة الشاعر لاكتشفنا الفارق الكبير، فالأب هو «النفس/ الونس/ الصاحب/ القلب الواسع/ الحلم/ الهيبة/ المغني/ المثقف/ الشيخ/ السند…» كلها معان يستشفها القارئ للديوان دون عناء أو تعب، لأنها تخرج من الشاعر بعفوية فتدخل إلى شغاف القلب بنفس العفوية والشفافية…

فى قصيدة «صاحبي» تسرد الذات الشاعرة معظم هذه الصفات متكئة على الوصف من خلال الصورة البسيطة أحيانًا والمركبة فى أحايين كثيرة، «كان قلبه واسع بامتداد لوحة بيانو» «يفتح فى قلبى بوابات الحزن» «نغمة برشاقة بنت مسكونة مرح/ مجنونة تضرب بالقدم شمس النهار/ يقع الشعاع فتافيت كتيرة ملوّنة/ تغرز فى قلب الكون يتبدّل القلب العجوز» صورة تتخطى حاجز الصورة السينمائية بمراحل، وتركيبة ممزوجة مزجًا بيانيًّا يحتاج إلى عدّة كتاب مهرة لوصف مدلولها.. الشاعر هنا يعزف على بيانو قلبه بعد أن يصف قلب الوالد/ الصاحب بهذا الوصف الملغز، هنا يستدعى معظم المشاهد التى مرّت على لاوعيه ليجعلها لوحة تشكيلية تم اختيار ألوانها بعناية، لم لا وهذا قلب المحب حينما يصف المحبوب… يتجلى إلى هذا الحد ليبهر المتلقى بصدقه وسلاسته وتماهيه…

أيمن فى هذه القصيدة توّقف فى صفحة 14 عند الجملة التقريرية «كان ابويا معايا فى الحلم» وفى صفحة 15 وضع عنوانًا غريبًا فى غير محلّه «بيسرّب أغانى وذكريات» وكنت أرى أن هذا العنوان ما هو إلا استكمال السطر الشعرى السابق «كان ابويا معايا فى الحلم/ بيسرّب أغانى وذكريات/ فجأة انتشر فى الجو ريحة شجن» لا أعرف ما سبب الفصل وعنونة القصيدة التالية المكملة بهذا العنوان، وهذا المأخذ يمكن أن ينطبق على العديد من قصائد هذا الديوان، فلو تم حذف العديد من العناوين ورقمت القصائد لصارت مقاطع متصلة لحالة واحدة باستثناء قصيدة أو قصيدتين خارجتين عن سياق هذه المعزوفة الهامسة…

للموت نصيب الأسد من هذا الديوان، فالحالة المسيطرة على الشاعر حالة فقد دائمة، «للوالد، لسنيّ عمره الفائتة، لفرحة يبحث عنها» لأشياء كثيرة فقدت بين طيات الزمن بفعل عوامل التعرية الإنسانية، لفظة الموت ومشتقاتها جاءت بكثافة رغم عشق الشاعر للحياة فقد تم تكرارها أكثر من 27 مرّة، وذكر «النعش» مرة واحدة، و«التأبين» مرة واحدة، كما استخدم القطار فى أكثر من موقع هو الآخر منذ أن وضع على عنوان الديوان إلى أن اختتم به الشاعر ديوانه، وهنا القطار يرمز هو الآخر للعمر الذى أوشك أن ينتهي، فضلا عن الجدار والمحطة، وهما لفظتان استخدمهما الشاعر بشكل رمزى أيضًا للإشارة إلى أنهما نهاية المطاف، أو نهاية مسيرة القطار/ العمر… رغم كلّ هذا الموت وكل هذا الوجع تمكّن الشاعر من وصف الحياة بقسوتها وحنوها وقبحها وحسنها، ورداءتها وجمالها، وأكّد كل المتقابلات ليبرز مدى أهمية ما يتحدّث عنه، الموت بالنسبة للشاعر ليس هو نهاية المطاف ولا خاتمة الأبيات، ففى قصيدة الروح يؤكد الشاعر أن الحياة الثانية للوالد أو للشخص العزيز لا تحتاج منه إلا أن يتخلص من بعض الأعباء ليذهب إليه طالبًا زيارته ولكن ما يقلقه هو قانون الحياة الآخرة، هل سيسمح للآخر هذا القانون أن يحرّك قدميه لمقابلة من طلب زيارته؟ هنا نكتشف الجرأة والاقتحام، فالشاعر بعد أن جاءه والده فى الحلم، هذه المرة يريد أن يرد الزيارة له، وكأنه مسموح للجسد البشرى الثقيل أن يشف ليقف على هذه الأعتاب بهذه البساطة، الموت ليس النهاية، فالزيارة من وجهة نظر الشاعر ليست مستحيلة ما دام الإنسان قادرًا على التخلى عن بشريته قليلا من الوقت ثم العودة إليها مرّة أخرى…

«ما بقاش فى وقت للقعدة على كرسى انتظار/ ما بقاش فى روح تفضل تدوّر ع الطريق الصعب/ ما بقاش فى عمر للاختيار» هنا تتضح معالم الذات الشاعرة فى أسوأ مراحلها، حيث إنها لم تعد قادرة على الفعل ليس لضعفها ولكن لإيمانها بأن الوقت قد اقترب، والوقت هنا إشارة واضحة لاستشراف الموت من خلال المؤشرات «ما بقاش فى روح تفضل تدوّر ع الطريق الصعب» استشعار الضعف هنا ليس هيّنًا… فالروح لم تعد قادرة على الاختيار الصعب نتيجة عدم قدرتها على المناهدة أو استسلامها للسن الذى أصاب الجسد بالوهن، أو كمية المعاناة التى تتعرض لها الروح الشاعرة من الآخرين…

ينتقل الشاعر فى إشارة ثانية واضحة تلخص كل هذا المشهد «ما بقاش فى عمر للاختيار» هنا تكمن معطيات المعادلة ولو بدأ بهذه الجملة لجاءت المعطيات قبل البرهان ولكنه آثر أن يقدم البرهان ضعف الروح/ استسهال الطرق/ صعوبة الانتظار… ليثور على التقليدى والمتّبع…

يلى هذا المقطع مباشرة مقطع آخر يبرئ فيه الشاعر ساحة الموت «مش بس الموت اللى بياخد ناسك منّك/ فيه ألف سبب/ فما تظلمهوش» قصيدة مشاهد ليست متّصلة بشكل ظاهري، لكنها مرتبطة بخيط رفيع جدًّا هو جدلية الموت والاستكانة، والتمني، فى مقاطعها الثلاثة حاول الشاعر قدر الإمكان إيجاز معظم قصائد ديوانه ونجح فى ذلك، حيث إن الحالة العامة للديوان أو لمعظم قصائده على وجه الدقة تدور فى هذا الإطار… فالموت حالة مسيطرة منذ العتبة الأولى حتى السطر الشعرى الأخير، ولكن الشاعر يضغط على ذاته للتمسك بالحياة مع الاحتفاظ بمقدمات الموت، وعدم تجاهل عامل الزمن، وعامل الضعف البدني، وعامل استسلام الروح وهذا أصعب العوامل التى تعرّض لها الديوان، فالشاعر لو لم يذكر جملة «ما بقاش فى روح تفضل تدوّر ع الطريق الصعب» لكانت الحياة فى هذا العمل أوقع بكثير…