محمود عرفات وروايته الجديدة : «سرابيوم.. أنسنة الحرب.. وشيطنة الآخر» بقلم : إبراهيم محمد حمزة   أربعون عاما كاملة انتظرها الروائى محمود عرفات حتى يخرج لنا روايته «سرابيوم» التى أنهى

sirabioum_2015-10-25112015

محمود عرفات وروايته الجديدة :

«سرابيوم.. أنسنة الحرب.. وشيطنة الآخر»

بقلم : إبراهيم محمد حمزة

 

أربعون عاما كاملة انتظرها الروائى محمود عرفات حتى يخرج لنا روايته «سرابيوم» التى أنهى كتابتها عام 2013م ونشرت أواخر عام 2015م عن دار الهلال، إذن هذه رواية العمر لكاتبها، صاحب التجربة الحقيقية حين شارك مقاتلا فى حرب أكتوبر، كضابط احتياط، نعم هى رواية العمر، هى شهادته الدقيقة على عمل خارق بارق فى سماء الوطن، فماذا قدم محمود عرفات ؟!

عن دسوقى وزمانه

الرواية تسجيل لثلاث شخصيات: دسوقى وأمه ومتولى شقيق زوجته، دسوقى طفل صغير يموت والده فجأة، ويعرض كبير الناحية على والدته الزواج برجل ماتت زوجته، وبلا تفكير تقبل، فيهرب دسوقى من نظرات زوج الأم، التى كانت مؤلمة له، إذ يعيش فى بيته بعدما «بعنا البيت والأرض والجاموسة» فقرر الفتى التطوع فى الجيش/ وما ان يكبر قليلا حتى تلطمه نكسة يونيو 67 ويبدأ شعوره بالتحول الرائع بعد الهزيمة، فيطلب الانضمام للتشكيلات، ويذهب إلى قرية سرابيوم، قرب فايد بالإسماعيلية، ويشارك بقوة فى معارك الاستنزاف، ويرى «رئيفة» فلاحة شابة جميلة من سرابيوم، ويهواها، ويدخل البيت من بابه، بعدما كسر ذراع شاب حاول مضايقتها، وتندلع الحرب، وحين تنتهى يكون الموت قد عصف بوالد «رئيفة» زوجة دسوقى، ثم بشقيقيها الطفلين، ثم تضيع رئيفة ولا يدرك أحد هل ماتت أم اختفت، ويموت أمها بعد مرض، فى مشهد تهجير إجبارى بشع قام به الصهاينة لأهالى سرابيوم بعدما قتلوا رجال القرية، ويأتى الانتصار، ثُـم الصلح مع العدو، ثم استقالة دسوقى، وحرصه على انتظار زوجته وولده المنظر عودته من جهة الشرق، وينتهى به الأمر فى سكة وسيطة بين العقل والجنون.

«سرابنا» أم سرابهم؟

اقتناص عنوان مثل «سرابيوم « للرواية، والذى جاء قدريا لأنه اسم قرية صغيرة، قرب فايد، فتح الباب لتأويل الاسم «سراب – يوم» باعتبار أن الحلم الذى تحقق على ايدى الجنود صار «سرابا» على أيدى الساسة، وهو تفسير عام حقيقى ومتكرر للحرب رغم تقليدية التعبير عنه فى كثير من أدبيات حرب أكتوبر: شعرا ونثرا، ولكن التفسير الأكثر مناسبة هو أن ما ظنه العدو انتصارا يوم الثغرة كان مجرد سراب فقط، وهو ما تؤكده الرواية ذاتها «اختار- العدو – السويس ليحتلها وأدرك أنه يجرى وراء سراب، انتصاره علينا وهم وسراب، وهم لحظة أن فكروا فى التقدم نحو السويس، وسراب يوم أن أجبروا على الانسحاب منها» صـ162.

ولذا يبدو «محمود عرفات» منتميا بالمعنى العام للانتماء، معتزا بإنجاز بذل فيه العمر كله، والتضحيات جميعا.

عن «البنية» فى سرابيوم

بناء الرواية عمل معقد بلا شك، ومحكوم بضوابط حريرية، ولكن هناك مقياسا يتيما لا يستطيع أى كاتب تجاوزه هو الفن – كما يشير د. سمر روحى الفيصل – فالرواية التقليدية لا تقيد الكاتب بأسلوب بنائى معين، لكنها تفضل السرد التاريخى، وهو ما يجعل التلقى أيسر وأهنأ، فالكتابة تخضع لمقياس داخلى رهيف، وهو ما فعله الكاتب، حيث اختار «أصواتا» متعددة: وهو ما يفرض عليه خصوصية تتمثل فى نقاط ثلاث: أ- اللاتجانس. ب- الحوار والمونولوج. ج – التعدد اللغوى، حسب ما يذكره د. محمد نجيب التلاوى فى كتابه «وجهة النظر فى رواية الأصوات العربية» ص53.. سنلاحظ عدم وجود تعارض فى الرؤية بين الأصوات الثلاثة، ولكن هناك اختلافا فى العاطفة، وزاوية المشاهدة، فـ«دسوقى» صف ضابط متطوع، يحمل هموم الكون كله على رأسه، ينتظر أملا يأتى من ناحية الشرق، وربما ينتظر كارثة قد تقع ويأمل أن يواجهها حين تأتى من ناحية الشرق أيضا، حيث «تبزغ الشمس والأمنيات» ويتعلق بمشهد يحلم به دوما حين «يرى أنوار القوافل القادمة من بعيد، فيكتمل المشهد المخبوء فى ذاكرته» بينما يأتى متولى بصوته الواقعى المحايد، يرى تعلق دسوقى بالمطصبة المطلة على الشرق أمرا مرضيا، خلوة لعابد «عندما تدخلك الحالة تسكت ذاهلا، كأنك مقفول بقفل ضاع مفتاحه».

66

الأم هى الحلقة الأضعف فى السرد هنا، لأن تصرفاتها غير مبررة، كما أن حضورها يأتى خارج الزمن الروائى، فأول كلمة تأتى على لسانها هى «أموت» ثم تعود لتحكى «أموت وأنا راضية عنك يا ابنى» سنجد أن الأم – كسارد – لا تتقدم بالسرد كثيرا، بل يضطرب دورها زمنيا، ويتسم بالتكرارية، فتتحدث دوما عن دسوقى وقلبه الطيب ودوره فى تربية وتجهيز شقيقاته، ثم مواساتها لفقده زوجته، ثم يأتى صوتها الأخير، لتقول «قلبى يدق خوفا عليك، وأقول فى نفسى: متى تتزوج وأشيل عيالك على ذراعى».

التكرارية الحدثية فى مقاطع الأم متناسبة مع عبثية الحرب، واضطراب أبطالها، وتداخل أزمنتها بين انتصار وتراجع، وتقدم ونجاح ثم إخفاق.. إلخ… حيث صار الزمن بلا قيمة، والحصاد بلا حاصدين، ولذلك فالترتيب الزمنى عبث بلا طائل فى هذه الحالة.

الانتماء.. مفهوم جديد

إن لم تحمل الرواية وجهة نظر تحولت لثرثرة بلا طائل، يذكر يحيى حقى فى مقدمة أعماله الكاملة أن مجموعة من الأفكار ألحت عليه واهتم بها فى أعماله أولها الإعلاء من الإرادة الإنسانية « ومعنى ذلك أن هناك وجهة نظر لدى الكاتب، وهو ما وضح تماما لدى الروائى محمود عرفات، حيث يقدم صورة راقية للوطن، ولأهله من البسطاء، فبطلنا «دسوقى» تتم تربيته طبقا للأصول حيث «يعود أبى من الغيط، فيدنى منه الراديو، ويفتحه يسمع قرآن الثامنة مساء» وبعدها نقرأ «فى الجيش رددت «الله.. الوطن» فأدركت التلازم بين الإيمان بالله وحب الوطن. سألت نفسى: كيف أنقل إحساسى هذا لكل من يعيشون فى بلادنا؟»

المدهش أن الكاتب يعتمد على أصوات متعددة كما رأينا، لكن بلا تعارض، حيث الفكر يأتى متلبسا بالحدث وليس بالرأى والتعبير المباشر، نجد الأعداء قد احتلوا سرابيوم، وحبسوا أهلها فى بيوتهم، وتعاملوا معهم بوقاحة معتادة منهم، ثم دارت وقائع قتال محددة، ويصاب جندى مصرى ويلجأ لمنزل والد رئيفة زوجة دسوقى، ثم يقتحم البيت الأبالسة، ويجرون الجندى المصاب، ويطلقون عليه دفعات متتالية من الرصاص وبعد صفحات نجد جنود الصهاينة يجمعون رجال القرية وعلى رأسهم العمدة، ويسحبون «طاقيته» ويقذفونها على الأرض ص63.

تتالى المشاهد عبر الأصوات، خاصة صوت «متولى» يرسم لنا صورة لمفهوم الوطن لدى المبدع، الوطن بناسه الحقيقيين، فالجنود يطرقون بابهم حاملين «جرابنديات» متخمة بالطعام لهم، وقبل خروجهم يتقدم كبيرهم لأم متولى ويطلب منها الدعاء، ويقبل يدها.. وفى اليوم التالى يأتى أحد الجنود ليخبرهم بما حققوه من انتصارات… وبعد سطور قليلة نشاهد الأعداء يأتون ليجمعوا رجال القرية، ويقومون بإعدامهم أمام أبنائهم، بلا رحمة ولا شفقة فى مخالفة صريحة وشنيعة لقوانين الحرب، ثم يأتى موت رئيفة مادا حبال الأسطورة وسط هذه الوقائع المذيبة لأى نوع من الثقة بأعدائنا، تختفى رئيفة بعدما تركتها أمها وهم فى طريقهم لقرية «نفيشة» لم يرحمها كلاب الكون وهى تحمل طفلها جنينا، ولم يرأف بها أحد، وهكذا غابت فى معسكرات الأعداء الخائنين الذين وعدوا برعايتها وإعادتها، ولكن متى كانت لهم وعود؟!!

ولا يمكن ترك الرواية دون الحديث عن اللغة وقدرتها كأداة توصيل عبقرية، استخدمها الكاتب بأكبر قدر من الحيادية، لأن الحدث ذاته يدمى ويقتل، ولا يحتاج لفيوضات عاطفية، لكن بعض الصور البديعة جاءت لتهز كيان القارئ، كقوله مثلا «الدموع مناقير عصافير تنقر عينى بخفة» أو كقوله «الحزن الضاغط على صدرك يظهر فى عينك ودموعك، يرتعش قلبى»…

كعادة معظم روايات الحرب، انشغل الكاتب – نظرا لخبرته الحربية كضابط – بتفاصيل المعركة، لكنه لم يشتغل بها عن تفاصيل الحياة وقت الحرب، لم يقع الكاتب فى مغارة التفاصيل القاتلة للتدفق، ولم يذكر أنواع الأسلحة وخبرات الحرب إلا بقدر ما يحتاجه السرد.. يظهر محمود عرفات كاتبا مجيدا مخلصا لقلمه، يكتب قليلا قليلا، لكنه بصدقه يفوق كتابا يثرثرون أعمالا بلا قيمة، لا يهتم «عرفات» بالجوائز رغم حصوله على التشجيعية على مجموعته القصصية الجميلة «على شط الجبل» وسبقها صدور روايته «مقام الصبا» عام 2002م وله «مشمش الرابع عشر» عام 2005م، وله أيضا «المريدون» و«الخسوف» الكاتب يكتب قليلا، ليُقرأ كثيرا، لأنها كتابة مضمخة بالصدق النابع من الروح مباشرة، وكفى بها كتابة.