حصاد التجريبى الشجاعة وحدها لا تكفى طارق سعيد   للمهرجان التجريبى هذا العام مذاق خاص بالنسبة لى.. ليس فقط لعودته بعد فترة توقف طويلة لكن أيضا لأنى تابعته بعين جديدة..

999

حصاد التجريبى

الشجاعة وحدها لا تكفى

طارق سعيد

 

للمهرجان التجريبى هذا العام مذاق خاص بالنسبة لى.. ليس فقط لعودته بعد فترة توقف طويلة لكن أيضا لأنى تابعته بعين جديدة.. والفضل فى ذلك يعود لجريدة «القاهرة» التى أتاحت لى فرصة أن أكتب على صفحاتها عن عروض المهرجان.. والشكر للصديقة نورا أمين التى تشرف على هذه التغطية لأنها رشحتنى وشجعتنى لأقوم بهذا العمل المهم والممتع.

بعد أن انتهت أيام المهرجان وبعد متابعة مركزة لمعظم عروضه.. وجدتنى سعيدا لأنى استعدت تلك الأجواء الجميلة حيث المسارح مضاءة ومليئة بالجمهور.. ولأنى قابلت الكثير من الزملاء المسرحيين لم أكن قد قابلتهم من زمن.. وأيضا لأنى إستمتعت بمشاهدة مسرحيات مختلفة فى مدارسها وتناولها وحتى فى مستواها الفنى.. لكن بما أننا لن نستطيع أن نناقش كل ما عرض.. اخترت أن أتقاسم معكم تجربة المشاهدة لثلاثة عروض واسمحوا لى أن أحتفظ بسبب اختيار تلك العروض تحديدا لاخر الكلام.. توكلنا على الله.

العرض الإماراتى «تحولات حالات الأحياء والأشياء»

«افتحوا الأبواب.. إنها القيامة».. هكذا كان يصيح وهو منهك ممثل يضع قناع المهرج.. كأول حوار نسمعه فى المسرحية.. بعد مقدمة قصيرة تدور فى مسرح للعرائس الماريونيت التى يحركها اللاعبون بالحبال.. وتلك الجملة هى المفتاح لمضمون العرض.. إذا تأملناها مع عنوان المسرحية التى ألفها الكاتب العراقى قاسم محمد سنصل إلى ما أراد فريق العمل أن يصرخ به للجمهور.. فمع بداية العرض نرى «الأشياء» وهى هنا العرائس الخشبية التى يجسدها الممثلون بأداء حركى ومكياج يجعلهم يبدون كالدمى ووسط منظر مسرحى مبهر بتشكيله ومستوياته وإضاءته لينقلنا إلى مسرح عرائس بكل تفاصيله.. وتبدأ «تحولات الأشياء» عندما نرى هذه العرائس وهى تتمرد على كونها مجرد أداة لا تملك إرادتها وأنها لعبة فى يد محركها.. بداية ثورة.. بداية تحول.. ولكننا نجد إحدى الدمى وقد اختار لها المخرج أن ترتدى بيريه ليعطيها سمة رسمية.. وهو يحذر العرائس من التمرد ومن الخروج على رغبات وأوامر المحرك وإلا ستحرم من الأمان الذى تتمتع به فى دنيا العرائس.. وهنا نجد محرضا على التمرد وهو الدمية ذات قناع المهرج ومقاوم له وهى الدمية ذات البيريه والملامح القاسية ونجد بقية العرائس وهى فى حيرة بين الرغبة فى التحرر من أسر المحرك والخوف من عالم مجهول لا تعرفه.. ولكى يقنعها المهرج يأخذها لمشاهدة عالم البشر.. وهنا نرى واحدا من أجمل مشاهد العرض.. إذ نرى ماكيت لعدة شبابيك ينظر منها العرائس على الناس وتصف ما تراه.. وأكثر ما أعجبنى فى هذا المشهد.. أنهم كانوا مبهورين بما يرونه من أشياء جميلة كالأشجار والطيور والفراشات بينما عندما كانوا يصفون ما يفعله البشر.. نجد العكس تماما.. وينتهى الموقف بأن المهرج حسم أمره وقرر التحول لعالم البشر بكل ما فيه من حياة وحرية.. ويحاول ذو الملامح القاسية أن يمنعه وأن يربطه بالحبال.. فتساعده بقية العرائس بأن تفكه من الحبال وتطلق سراحه.. وهنا يدخل عالم «الأحياء» لنراه وهو يتعرض لكل أنواع الإهانة والانتهاك من البشر ليسقط على الأرض صارخا.. بتلك الجملة التى سمعناها فى أول العرض «افتحوا الأبواب.. إنها القيامة» وكأن قاسم محمد أراد أن يقول لنا إن «الأحياء» تحولوا إلى وحوش لا يترددون فى إهانة وانتهاك الآخر.. أى آخر.. وكأنه يعيد لنا مجددا مقولة سارتر فى مسرحية «لا مفر» ان الجحيم هو الآخرون.

العرض البولندى «موليير»

فى اللغة الإنجليزية يستعملون لكلمة.. مسرحية.. نفس المفردة المستعملة لكلمة.. لعبة.. وكأن ذلك كناية عن أننا نلعب على المسرح.. هكذا بدأ فريق العمل البولندى عندما شرع فى تقديم عرضه.. بأن وقف كل الممثلين أمام الجمهور وارتدوا نظارات مركب فيها أنف المهرج.. وبدءوا اللعبة.. وفى الحقيقة كانت لعبة متقنة وممتعة ومدهشة.. كل ممثل مسئول عن تحريك دمية تمثل شخصية من شخصيات المسرحية.. وجميعهم يفعلون ذلك بإجادة تامة ومن الواضح أنهم مدربون على القيام بذلك بمنتهى المهارة.. لأن كل ممثل إلى جانب تحريكه إحدى العرائس هو أيضا يقوم بدور كممثل ورأيناهم ينتقلون بين أدوارهم البشرية وبين تحريكهم وكلامهم كعرائس فى سرعة ومهارة مبهرة.. تتناول المسرحية بشكل كوميدى رائع الأيام الأخيرة فى حياة الكاتب والممثل موليير.. ونستعرض علاقاته بخادمه وبطبيبه وبزوجته وبالحاكم وحتى بالشخصيات التى يكتبها.. اختار المخرج لمسرحيته أن تكون لعبة مكشوفة للجمهور مما جعل حالة التواصل تزداد ويحدث تفاعل كبير بين الصالة وخشبة المسرح برغم اختلاف اللغة.. وساعد جدا على ذلك مهارة الممثلين فى التعامل مع العرائس التى كنت أشعر فى بعض الأحيان أنها كائنات حية وليست خشبا وقماشا.. خاصة دمية موليير التى كانت ملامحها تكاد تنطق ويفاجئنا المخرج فى مشهد النهاية بعد أجواء الحزن لوفاة الكاتب الكبير.. بأنه يعود مرة أخرى للحياة لأن موليير لا يحب النهايات الحزينة.

العرض الأمريكى «خواريز»

قدمت فرقة ميتو الأمريكية عرضا مسرحيا «شاعريا» يتحدث عن العنف.. وهذه هى المفارقة المبهرة فى هذا العرض.. فعلى مدى مائة دقيقة لم يتكلم الممثلون إلا عن حالات العنف والقسوة فى مدينة «خواريز» التى تقع على الحدود الأمريكية المكسيكية.. حتى أنها سميت فى وقت ما عاصمة القتل فى العالم.. نرى شهادات حية لمواطنين حدثت ضدهم حوادث سرقة بالإكراه وخطف.. نرى مانشيتات جرائد تذكر بالأرقام عدد القتلى فى المدينة.. نسمع إحصائيات وحقائق تخص الجريمة وتجارة المخدرات هناك.. طيب.. هذا ما يخص العنف.. أين إذن الشاعرية؟ مبدئيا.. أول ما نرى فى العرض فيلما يصور حفلا يحضره المخرج وعائلته وهو يعرفنا عليهم وعلى نفسه وهو طفل فى أجواء سعيدة ومبهجة.. لأنه اعتمد من أول لحظة فكرة أننا لن ندرك بشاعة ما نحن فيه إلا عندما نعرف ما نفتقده.. وفى مشهد آخر يحكى الممثلون على موسيقى إكسليفون وبطريقة تشبه الأغانى التى تغنى للأطفال.. ثم نراهم يسقطون قطعا من الورق وكأنها ندف الثلج التى تسقط من السماء.. ثم يعرض المخرج فيلما آخر عن رحلة له مع عائلته لصحراء المكسيك.. حيث نراهم مستمعين سعداء.. وحتى عندما يحكى عن موت إخته.. يكون ذلك على إيقاع أغانى الأطفال.. ثم ننتقل بعد ذلك لمجموعة من المشاهد التى تعبر عن معان قاسية لكن بطريقة فنية بديعة.. فنرى مشهدا يصور المذيعين الذين يذيعون الأحداث اليومية وكأنهم يعلقون على مباريات المصارعة الحرة.. سيدة تغنى أوبرا وهى تسأل رئيس الجمهورية عن حق ابنها الذى قتل وتسأله أين ذهبت العدالة؟ ممثل يتحدث من داخل حقيبة سفر وكأنه يشير إلى أن الإنسان قد تحول إلى جماد.. ثم نرى مشهدا رائعا لشخص يقف على صدر إنسان آخر وقد أنزل له ميكروفون أمام فمه ليأخذ منه حديثا إعلاميا.. ثم مونولوج مؤثرا للغاية يقول: يمكن أن نحيا فى تلك المدينة وأن تكون لنا أسر وأصدقاء.. لدينا أمل.. ويختتم بفيلم قصير لعائلة المخرج وهو يعلق عليه.. أن والده ما زال يحيا ويعزف للأسرة ويصنع الذكريات.

أخيرا. ما يربط بين تلك العروض الثلاثة أن من صنعوها لم يتحلوا فقط بالشجاعة فى اختيار طرحهم الفنى.. ولكنهم أيضا تميزوا بالإتقان فى تقديم تلك الأعمال.. فبالشجاعة والإتقان نصل إلى المتعة والدهشة.