لملمة الأشلاء فى “مبقعة بالكذب” لنبيل درغوث بقلم  : محمد على بن غنية  (تونس)      عابرا أحمل أشيائي وألم أشلائى فى قفاف يبدأ الآن السفر سفر سفر أشلائى للتراب أشيائى

jomhouria-777

لملمة الأشلاء فى “مبقعة بالكذب” لنبيل درغوث

بقلم  : محمد على بن غنية  (تونس)   

 

عابرا أحمل أشيائي

وألم أشلائى فى قفاف

يبدأ الآن السفر

سفر

سفر

أشلائى للتراب

أشيائى للسماء

شذرات يوقع بها الأديب والباحث التونسى نبيل درغوث سفر الفجيعة فى مجموعته مبقعة بالكذب ولعل اختياره للشذرات هو محاولة للملمة الخطاب، خطاب الذات التى شتتها الزمن أو ربما يجمع أشلاءه متوعدا الكذب بالشر فاضحا الواقع كاشفا زيفه. إن نبيل درغوث واع بدور الشذرات فى التعبير عن رؤيته الفكرية وموقفه من الحياة أو لعله يتخطى ساعات الليل مناجيا السماء . فإذا عدنا إلى تعريف الشذرة مثلما وردت فى المعاجم نجد: قطع الذهب تلتقط من معدنه والشذر خرز يفصل به بين حبات العقد و حوه والشذر اللؤلؤ الصغار ويقال تفرقوا شذرا مذرا أى ذهبوا مذاهب شتى مختلفين.

ويقال تشذر فلان تأهب لقتال أو شر و توعد و فضح وشذر كلامه بشعر زينه .

فهل نبيل درغوث يلتقط أشلاءه أم يفصلها عن عالم التراب منعتقا إلى السماء أم يتحفز للقتال أم يعرى الواقع وليس اختيار الشذرات جديدا فى الثقافة العربية والفكر الإنسانى فلقد اختارها الفلاسفة والمفكرون والمتصوفة وسيلة تعبير لتجاوز الواقع والتحرر من قيود الخطاب مكرسين التفكك والتجاوز اللغوى بالاقتضاب بالإيجاز والتكثيف طريقهم إلى معرفة الحدس بالخروج عن نسق العقل وقد تبلورت أكثر مع الفكر النيتشوى فى “هكذا تكلم زرادشت“ و“نقيض المسيح“ وهذا ما نجد صداه فى مجموعة مبقعة بالكذب و قد فصلت ذلك الدكتورة نوال بنت ناصر السويلم أثناء تقديمها للكتاب محللة أقسامه الأربع المعنونة بـ« العتمة، الفحمة، الجهمة، سكون الليل» إذ يحاكى تقسيم العرب لساعات الليل الثالثة والرابعة والخامسة ليسكن الليل ساعات أولى تتململ فيها الذات تنشطر تتفكك تتشظى بل تتفرق أشلاء يحاول الشاعر نظمها باحثا عن السكينة فالليل لدى العرب زمن الإسراء وهو زمن الرحلة رحلة الذات بحثا عن الكيان فهل أن نبيل درغوث يبحث عن ذاته أو تراه يسخر من ذواتنا ففرق أشلاءه أشلاء مختارا الوحدة والظلمة والثورة مستحضرا خطاب جبران أنا غريب عن جسدى لكنه يتجاوز العدم بالكتابة إذ يقول فى تصديره للمجموعة الكتابة هى وسيلة مدهشة لصمود الذات و استمرارها فى الوجود رغم برد العدم الذى يهاجمنا من كل ناحية فى عالم مخيف ومرعب «عالم افتقد فيه درغوث أمه نلاحظه من خلال الإهداء» إلى أمى مرة أخرى افتقدها جسدا وروحا فتقطعت أشلاءه «فى غيابها أحسستنى ناقصا» ولكنه يلملمها بالكتابة “إكسير الحياة“ وإذا كانت الشذرة كما عرفها أحد النقاد أقرب إلى التراجيديا فلن نجد تراجيديا أكثر من مأساة مثقف قدم نفسه فى آخر شذرة أنا وهم

أنا و همى فى الشرفة

سقط حرف من الجملة

أنا وهم

فالحياة لدى نبيل درغوث “امرأة عابرة“ “إقامته جبرية ليلة وحدة وعراء“، “ نديمه” روح عزلته تذكرنا غربته بعالم جبران والشابى عالم الرومنطيقى عالم التحدى إذ يتكثف فى خطابه معجم الغربة والتحدى ساخرا مما حوله “لماذا لحمى خبزهم اليومي؟“.. أما صلبونى أمس؟… فليأتوا إلى فى قبرى فهل هو “شهريار التهمته الحكاية “ يحتاج شهرزاد “ أنا محتاج إلى امرأة ترتب.. قلقى “وتعود صورة المسيح فى شذرة“ الأربعون “ أربعون عاما.. والحقيبة على ظهرك مثل الصليب.. سفر لم يحضر بعد

الشاعر يستعجل السفر ليتجاوز “ ألسنة مبقعة بالكذب“ مطيته الكلمة“ عنقاء أيتها الكلمة.. تبعثين من جديد..قلقة فيتساءل داخل “حانة المجاز“: هل رأيتم قافيتى؟ قالوا: ارتحلت مع قافلة صوب الصحراء.. تبحث عن إيقاع طبول الجدود“.

وما زال الليل يؤرق الشاعر”رحل الليل منطويا كشراع.. بقى النوم مرفوعا لذا نراه يتوسل هيبنوس إله النوم الإغريقى وأنا على باب هيبنوس متوسلا الدخول…لكن.. تجيء الشمس..ولا أنام“.

نبيل درغوث مثقف عربى تفرق أشلاء طائر فينيق يحترق لعله يولد من جديد فى عالم عربى مترد مزق أشلاء. فقد أمه نكد حظه بيد أن الكتابة المختلفة هى حظه فشذر كلامه بشعر زينه .

___________________________________

“مبقعة بالكذب” لنبيل درغوث

إصدار مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر-القاهرة 2016