التجريـبـى… بهجة التلقى واللقاء أمانى سمير   ما أصعب فعل الكتابة.. خاصة عندما يتعلق الأمر بإبداع الآخرين! ومع انتهاء أيام المهرجان التجريبى المسرحية.. وجدت أن حالة الزخم المسرحى ومتعة لقاء

999

التجريـبـى… بهجة التلقى واللقاء

أمانى سمير

 

ما أصعب فعل الكتابة.. خاصة عندما يتعلق الأمر بإبداع الآخرين!

ومع انتهاء أيام المهرجان التجريبى المسرحية.. وجدت أن حالة الزخم المسرحى ومتعة لقاء الأصدقاء من محبى المسرح وصناعه.. كذلك بهجة التلقى لإبداعات متنوعة تنوع الدول المشاركة واختلافاتها.. كل هذا أوشك على الانتهاء.

وعند نهاية اللقاء.. يأتى الحديث عما كان من عروض مسرحية مهمة تعكس تجارب وأفكارا مغايرة.. أو تقليدية، لكنها فى النهاية عمل مسرحى يستحق الاحترام.

ولأن العزيزة نورا أمين قد شرفتنى بالاختيار، لأكتب عن رأيى النقدى أو فلنقل التحليلى، للعروض التى استهوتنى فى دورة العودة للمهرجان التجريبى.. فقد اخترت أن أشارك قراء «القاهرة» الأعزاء عروضا اجتمعت فى الهم.. وكانت الإجادة هى عنوانها الرئيسى.

ميرسيدس والغربة داخل الوطن

جاء العرض الأرمينى «ميرسيدس» قطعة فنية مشغولة برقة عن الاغتراب داخل الوطن.. تجسدها لنا فرقة مسرح «شباب ولاية بريفان».

تختار «زاروهى» إحدى أختين أرمينيتين أن تعود إلى أرمينيا وطنها الأم، بعد أن قضت سنوات طفولتها وصباها فى اليونان.. التى هاجرت إليها مع أختها ميرسيدس.. والتى فضلت البقاء فى اليونان.

كانت أحلام «زاروهى» هى الحياة فى جنة الوطن، الذى اغتربت عنه بسبب المذابح التركية للأرمن فى 1915.. لكنها فوجئت بضياع الحلم بالجنة تحت حكم الدولة السوفييتية، لكنها تقرر الاستمرار فى أرمينيا، وتتزوج.. لتنجب البراءة الصامتة فى صبى معاق.. والتمرد على الحياة المتقشفة التى تحياها الأسرة فى شخص الابنة الجميلة التى تخرج من بيت الأم والأب لتواجه الحياة القاسية.. وتعود لأمها نادمة.

ترتبط «زاروهى» بأختها «ميرسيدس» عن طريق الخطابات وصناديق الهدايا التى ترسلها الأخت المقيمة فى اليونان، وتحكى لنا وهى تعمل فى حياكة الملابس عن ذكرياتها وأحلامها والامها، بينما نرى فى لقطات شاعرية تتابع الزمن على هذه الأسرة البسيطة حتى سفر الأب للحصول على المال والقبض عليه فى روسيا بتهمة ممارسة أفعال غير قانونية.. لتبقى الأم مع ابنها المعاق، تعانى مرارة الوحدة والحياة فى وطن كالسجن.

ينتهى العرض بعودة الابنة واستقبالها لاخر هدايا الخالة «ميرسيدس»، صندوق صغير يحوى رفات الخالة التى توفيت دون أن ترى أختها.. وتموت «زاروهى» دون أن تعرف أن ميرسيدس قد ماتت.

عرض شاعرى.. تخلق فيه السينوغرافيا البديعة حالة من الشجن، تستدعى دموعك كمشاهد مع انسياب الموسيقى الأرمينية حتى لو لم تستطع التواصل مع العرض على مستوى اللغة.

الصور المصاغة بالأبيض والأسود على الخلفية بعرض المسرح وفى العمق لأسرة «زاروهى».. تعود بك لأيام الأربعينات من القرن الماضى.. وتذكرك بليالى الاسكندرية التى كان يعيش فيها الأجانب كمصريين.. فصورة العرض «ميرسيدس» ليست بعيدة عن ذاكرة المصريين.

عبر المخرج «هاكوب جازانكيان» عن تتابع الزمن من خلال ثلاث فتيات جميلات، يظهرن خلال العرض بالألوان: الأبيض عن الحياة.. والأحمر عن الحرب.. والأسود عن الموت.. والثلاثة يعبرن المسرح فى فواصل حوارات الذاكرة التى تتبادلها «زاروهى» و«ميرسيدس» عبر الخطابات.. فكان اختيارا رومانسيا لصورة شعرية على خشبة المسرح.

ملابس العرض والموسيقى أضافت الكثير لحالة العرض الرقيقة.. ولمست قلوب المشاهدين، رغم اغتراب اللغة.. وقد وزعت الفرقة قبل العرض ملخصا يحوى سطورا عن مشاهد المسرحية، إلا أننى افتقدت النص الذى بدا لى من خلال الأداء التمثيلى أنه نص شديد الرقة والإتقان.. فكان من الأجدر بإدارة المهرجان صياغة ترجمة باللغة العربية لاتمام التواصل الفنى.

عرض «ميرسيدس» قصيدة شاعرية مكتملة الصورة.. عن الاغتراب فى الوطن.

القبو التشيلى وقسوة المضمون

يأتى العرض التشيلى « القبو» «bunker» معتمدا الأسلبة كمدرسة الأداء لممثلين يتمتعون بلياقة بدنية عالية.. وحركة مسرحية متقنة.. إلا أنه يخلو تماما من المتعة والمشاعر الإنسانية.

اختيار الأسلبة كنوع للأداء فى هذا العرض، يتناسب تماما مع منطق العرض وما يطرحة من أفكار عن وحشية الإنسان حين ينعزل عن المجتمع، ويعيش فى بوتقة خوفا من الاحتكاك والتأثر بالآخر.. فينتهى به الأمر بالتوحش وفقدان الإنسانية.

يبدأ العرض بمشهد لعائلة مكونة من أب وأم وثلاثة أطفال يرتدون بدلا كبدل رجال الفضاء وأقنعة عازلة.. ونشهد لحظة ميلادهم بخروجهم من هذه البدل المعقمة.. لتبدأ الأحداث للأم تعد الإفطار بأوامر من الأب المسيطر على كل تفاصيل حياة هذه الأسرة التى تعيش فى قبو منعزل عن المجتمع.. هم فقط أفراد مجتمعهم المغلق.

نتابع حياة هذه الأسرة وتطور العلاقات بين الأب والأم التى هى «ممثلة من طراز رفيع» تحاول أن تقيم حياة أسرية منضبطة.. تهتم بالنظافة وإعداد الطعام.. وتمارس العلاقة الحميمة مع زوجها المنضبط القاسى فى مواعيد ثابتة، بعد أن تعطى الأطفال الابنة وأخواها مشروب الشوكولاتة.. لتصبح كلمة «شوكولاتة» كناية عن العلاقة الحميمة داخل هذه الأسرة.

يكبر الأطفال.. لتصبح الابنة صبية.. ونرى فى مشهد صمم برقى شديد، كيف تعلم الأم ابنتها التى وصلت مرحلة البلوغ النظافة الشخصية، بينما نتعرف على بلوغ الولدين من مشهد مشابه للأب يعلمهما حلاقة الذقن.

ولأن الكبت والقهر هما عنوان الحياة داخل القبو.. فقد عالج المخرج بالأسلبة المشاهد الشائكة عن العلاقات المحرمة بين الأخت وأخيها.. والأخ الشاذ ورغباته المنحرفة بطريقة راقية تلمح ولا تصرح.. مما وضع العرض فى مكانه الصحيح.

وينتهى العرض بقتل الأم  الابن الشاذ.. وتنتظم الحياة داخل الأسرة، لتحل الابنة محل الأم ويحل الابن محل الأب.. وتستمر الحياة داخل المجتمع المغلق.

العرض يعرض لفكرة شديدة الأهمية.. وهى أن الانعزال يؤدى إلى الانهيار، وهو ما تعانى منه المجتمعات المنغلقة.

ركائز الدم وغلبة الفكرة على الفن

يفتقد العرض السويدى العراقى «ركائز الدم» المتعة الفنية.. حيث غلب على صانع العرض «أنمار طه»، التكثيف الحركى واستعراض المنطق الجسدى على الكلام المنطوق، فجاء العرض مبهم المعانى، غير ممتع على الإطلاق.. لكنه يحمل فى طياته جهدا خارقا لمؤديه ويبعث على الاحترام.

سينوغرافيا العرض لـ«أنمار طه»، قاتمة وشحيحة لكنها تناسب حالة العرض التجريدية.. التى تقول إن الجسد الإنسانى منتهك.. وان الزحف التغيبى بواسطة التدين المظهرى يقضى على حق الإنسان فى الحياة.

«ركائز الدم» نموذج مثالى للعروض التجريبية التى غربت الجمهور عن تداول أيام المهرجان التجريبى على مدى سنواته الماضية وحضور عروضه المسرحية، فهو عرض مغترب لفنان يعانى الاغتراب فى التواصل.

وهنا اسكت عن الكلام المباح

وتبقى لى كلمة.. أهمس بها فى أذن القائمين على المهرجان التجريبى.. فقد كانت عودته مبهجة لنا جميعا.. أعادت إلى محبى المسرح وصنّاعه متعة المشاهدة والمناقشة..  لكن لتحقيق النجاح والتطور للمهرجان مستقبلا، لا بد من الوقوف على الهنات التى شابت أيام التجريبى.. وهو ما يستدعى التقييم الموضوعى لتصحيح المسار.. وهذا لا يقلل من الجهد المقدر.. ولا من البهجة التى سعدنا بها طوال العشرة أيام.. مدة مهرجاننا العائد.

فلكم كل التحية وجزيل الشكر.