قراءة فى دفتر الثقافة الجماهيرية «5» لماذا نجح بيت الشعر في الأقصر بقلم : أشرف البولاقى   هل يقرأ السادة الوزراء أو رؤساء الهيئات بعضًا مما ينشَر فى الصحف والمجلات

egypt1

قراءة فى دفتر الثقافة الجماهيرية «5»

لماذا نجح بيت الشعر في الأقصر

2333

بقلم : أشرف البولاقى

 

هل يقرأ السادة الوزراء أو رؤساء الهيئات بعضًا مما ينشَر فى الصحف والمجلات من تقييمٍ أو نقد أو حتى مناشدات ونداءات حول شكاوى أو مقترحات أو تصورات المواطنين حول أدائهم أو أداء بعض هيئاتهم ومؤسساتهم؟ الإجابةُ – دون تَحامُلٍ أو تَجَنٍ – نعم بعضهم يقرءون، وفى الغالب يتم رفْع تقرير لهم عن بعض ما يُنشَر، فإذا كان المنشور كارثيًا متعلقًا بحريق أو موت أو نيابة عامة فإنهم يتواصلون مع ما يُنشَر ردًا أو تعقيبًا… لكن إذا كان المنشور متعلقًا بفكرة الأداء أو بفلسفة العمل فإنّ أُذُنًا مِن طين وأخرى من عجين كما يقولون!! نشير إلى ذلك لأن خطورة الصمت أمام انتقاد الأداء أو طلب ضرورة مراجعة فلسفة وآليات العمل أشد وأنكى من أهمية التواصل فقط فى حالات كوارث الحريق والموت وتحقيقات النيابة؛ لأن تجاهُل الأولى مؤدٍ بالضرورة إلى الثانية آجلا أو عاجلا… خاصة أن انتقاد الأداء وفلسفة العمل لا يحتاج أكثر من التجرد والموضوعية فى النظر… ونحن فى هذه القراءة لن نزيد على أن نقارن بين مؤسستيْن – إن جاز أن نسمّى إحداهما مؤسسة – بعملان فى العمل الفنى والثقافى فى مصر… وهى مقارَنة لن تتطلب من صانع القرار وزيرًا كان أم رئيسَ هيئة أم قياديًا كبيرًا أكثر من النظر والبحث ومِن ثم اتخاذ قرار بالاعتراف أن هناك خطأ ما ومِن ثم تبدأ إجراءات بعينها بالتعديل الفوري. والذى استدعى عندنا هذا الطرح كثرة الكتابات والانتقادات التى وجّهها – ولا يزال يوجهها – عدد كبير من الكُتّاب والمثقفين تجاه أداء بعض مؤسساتنا وهيئاتنا وتجاه أداء هنا أو سياسة هناك دون أن يتفضل مسئول واحد بالاعتراف أن شيئًا مِن حق فيما يُكتب، ودون أن تمتد يد واحدة لتصدر قرارًا أو تتخذ وسيلة لإصلاح… وإذا كان كل ما سبق أن كتبناه عن بعض التقصير فى أداء القائمين على سياسات وبرامج الهيئة العامة لقصور الثقافة يبدو مبالغًا أو حتى متجنيًا فإننا سنخصص هذه القراءة لمقارَنةٍ بسيطة بين مركز ثقافى صغير هو «بيت الشعر» بمدينة الأقصر وبين مؤسسة كبيرة وضخمة كهيئة قصور الثقافة؛ لنرى وننظر كيف تدار الأمور هنا وكيف تدار هناك.

الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي

الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي

 

يحتفل بيت الشعر بمدينة الأقصر هذه الأيام بمرور عام كامل على إنشائه وتأسيسه، وهُما – الإنشاء والتأسيس – اللذان تمّا بمنحة كريمة من الدكتور سلطان القاسمى حاكم الشارقة ضمن مبادرته الثقافية بتأسيس وإنشاء بيوت للشعر بعدد من الدول العربية، ولقد استطاع بيت الشعر فى الأقصر أن يلقى حجرًا ثقيلا بالفعل وبالقوة معًا فى بحيرة الثقافة ليس فى الجنوب فقط من خلال ندواته وأمسياته ومحاضراته، ولكن فى مصر كلها بأنشطته وبرامجه وحيويته التى امتدت أسبابها وآلياتها ونتائجها إلى خارج مصر أيضًا من خلال استضافته لمبدعين ومثقفين عرب ليشاركوا فى فعالياته، ومن خلال تغطيات إعلامية صحفية وعبْر مواقع الأخبار، فضلا عن قنوات فضائية عربية… كل هذا فى صمتٍ وهدوء دون أن يلتفت الإعلام الرسمى الحكومى المصرى لا بصحُفِه ولا بإذاعاته ولا بقنواته الفضائية لهذا الحدث المستمر بشكل أسبوعى دون انقطاع!! ولا يكاد المراقِب أو حتى المشاهِد العادى يصدق أن ندوات وأنشطة بيت الشعر تكاد تمتلئ عن آخرها بالحضور حتى ليبحث الحاضِر متأخرًا عن مكان فلا يجد!! يحدث كل هذا فى الوقت نفسه الذى تشكو فيه مواقع الثقافة الجماهيرية من قصور وبيوت ومكتبات من انصراف الجمهور وعدم تردده على المواقع، وعدم تواصله مع الخدمات الثقافية المقدّمة!!

وليس مِن قبيل التزيد أن نقول هنا إن أول سؤال توجهه قيادات الثقافة الجماهيرية لمرءوسيها تعليقًا على تنفيذ ندوة أو محاضرة أو أمسية شعرية هو كَم كان عدد الحضور؟ وإذا كنا حَسَنى النية فى تفسير السؤال فسنقول إنه سؤال طبيعى ومشروع متعلق بطبيعة الخدمة التى تؤديها الثقافة الجماهيرية، ولأنها تريد أن تطمئن على عدد المستهدَفين الذين تقدّم لهم الخدمة، والحقيقة أننا نكتب فى التقارير أرقامًا غير حقيقية نرفع خلالها عدد الحضور عشرة أضعاف وربما أكثر، لماذا؟ لأن القيادات تريد ذلك.. ولأننا لو ذكرنا العدد الحقيقى لتم اتهامنا بالتقصير فى الدعاية والإعلان،.. ولأن القيادات لا تريد أن تصدق أن هناك خللا ما فى سياساتها وأنشطتها وبرامجها وموظفيها أيضَا… كما أنها لا تريد أن تصدِّق أن الإقبال على السلعة الثقافية بعرضها بالطرق القديمة والأدوات التقليدية أصبح أمرًا غير ذى فائدة… وإلا فلماذا نجح بيتُ الشعر فى مدينة الأقصر فيما لم تنجح فيه الثقافة الجماهيرية؟!!

على المستوى العام لا يختلف بيت الشعر فى الأقصر عن أى موقع ثقافى تابع للثقافة الجماهيرية من حيث المهمة والهدف والرسالة، وربما من حيث السلعة المقدَّمة، فهو مكان فيه قاعة أو قاعاتان يتردد عليه الشعراء وينشدون الشعر، وهناك حضور يستمع ويناقش.. لكن هذا المستوى العام فى المقارنة الأولية يكاد يتضاءل أو يختفي، أو يمنعنا الحياء من استدعائه للذهن مرة أخرى عندما ننظر إلى كل جوانب المقارنة بين مكان واحد فقط صغير وضيّق، وبين مؤسسة ضخمة وكبيرة وواسعة لها إدارات وأقاليم ومواقع وقيادات وميزانيات ضخمة!!

7744

وأول سبب من أسباب نجاح بيت الشعر فى الأقصر هو عدم وجود موظفين فيه يطاردهم دفتر حضور وانصراف، يدير المكانَ ثلاثةُ نفر أحدُهم مدير المكان، والثانى مدير الأنشطة والبرامج، والأخير عامل يفتح الأبواب وينظّف المكان!! نجح بيت الشعر فى الأقصر لعدم وجود قيادات عليا تملى عليه أن ينفذ فى المولد النبوى ندوة أو محاضرة، وبسبب اختفاء تلك الإدارة العليا التى تفرض عليه الاحتفالَ بتحرير سيناء، أو المشاركة فى محو الأمية!! كان لا بد أن ينجح بيت الشعر فى الأقصر لأنه إدارته ومؤسسيه احترموا الشعرَ والشاعرَ معًا، إذ لا يمكن أن تقام أمسية شعرية ولا ندوة أدبية يشارك فيها عشرون شاعرًا ولا حتى عشرة شعراء.. هُم ثلاثة شعراء أو أربعة فقط على الأكثر. كيف لا ينجح بيت الشعر فى الأقصر وأهم تقليدٍ عنده هو الحفاظ على قيمة وكرامة الشاعر ومكافأته مكافأة تليق بكينونته وطبيعته ككائن مختلف وفنانٍ على غير العادة؟ أتكون مكافأته خمسين أو مائة جنيه كما تفعل المؤسسة الثقافية؟ لا.. تبدو تلك إهانة كبرى للشاعر، لا بد وأن تكون قيمة مشاركته أضعاف أضعاف ذلك، فضلا عن توفير الإقامة والانتقال والإعاشة اللائقة له، بل والترويح عنه فى زيارات سياحية!! كان طبيعيًا أن ينجح بيت الشعر فى الأقصر لإصراره على تنفيذ أجندة الفن والجمال بكل قسوةٍ وصرامة، إذ لا مكان ولا حديث عن أنصاف الشعراء أو عن أشباه المبدعين بدعوى تشجيع المواهب، وصقل التجارب، لا يوجد هناك شاعر كبير ولا شاعر صغير… الشاعر وصاحب التجربة فقط هو الذى تتم دعوته حتى لو اختلفت تجربته أو تباين مشروعه مع ذائقة مدير المكان أو حتى مع سياسة البيت فى الحفاظ والتكريس لشكل شعرى أكثر من غيره… فانفتح البيت على كل التجارب الشعرية دون إقصاء أو مصادرة… أمَّا تشجيع المواهب وصقل التجارب فيتم عبر وِرَش فنية… نجح بيت الشعر وفشلت المؤسسة بسبب تقدير البيت واحترامه للجمهور عندما وفّر له مكانًا نظيفًا ومكيّفًا، وحرص على توفير مشروب له كواجب ضيافة… بل واعتبر الجمهور شريكًا فاعلا فى خطط وبرامج وأنشطة البيت بأخذ رأيه والنقاش معه!! ما كان لبيت الشعر أن ينجح لولا حرص مديره ومؤسسيه على تشكيل مجلس أمناء مصغر من مختلف التيارات والأعمار لاقتراح الأنشطة ووضع التصورات، دون أن يستبد عضو واحد برأي، ودون أن يستأثر جيلٌ دون غيره بامتلاك زمام الأمور بحجة الريادة والسن والتجربة وما إلى ذلك!!

ولم يكتفِ بيت الشعر فى الأقصر باعتباره مكانًا ومقصدًا وقِبلةً يتردد عليه الجمهور والأدباء والمثقفون فقط لكنه سعى أيضًا للانتقال بأنشطته وفعالياته فى المدن والقرى والمحافظات المجاورة، أقام ثلاث ليالٍ شعرية فى ثلاث مدن بمحافظة البحر الأحمر، وينتقل أسبوعيا تقريبا لمدينة من مدن محافظة الأقصر يصحب خلالها ضيفًا من ضيوفه، ويمد البيت يده للتعاون مع المؤسسة الثقافية الرسمية ومع المؤسسات الأهلية الأخرى.. ولا يمكن تبرير هذا النجاح الساحق لبيت الشعر بوجود الميزانية الضخمة؛ فالجمهور أو الحضور لا يتقاضى شيئا من تلك الميزانية!! نعم هناك ميزانية لكنها لا تتضمن أجندة ولا تفرض نشاطًا، ولم يحدث قَط أن قام بيت الشعر بالاحتفال بعيد استقلال الإمارات العربية، ولا عقد أمسية شعرية للتغنى بمآثر أميرٍ أو حاكم أو سلطان، كما لم يجد نفسه مضطرًا للاحتفال بصوم رمضان، ولا تمجيد ثورة يوليو.. بضاعته كلها وأجندته بأسرها الشعر والأدب والثقافة والفنون والحفاظ على اللغة العربية باعتبارها هوية للأمة… وحفاظه هذا على العربية لم يمنعه من تخصيص أمسيات وندوات لشعر العامية بل وللتراث الشفاهى والأدب الشعبى مع حرية مطلَقَة فى اختيار العناوين والمَحاور والضيوف وتحديد المواعيد المناسبة… وهى تلك الحرية التى استثمرها مديرا المكان وهُما مبدعان ومثقفان ومِن ثَم انطلقا بأفكارهما ومشروعاتهما.. ولنا أن نتخيل لو أن واحدًا منهما تم توظيفه فى موقع ثقافى تابع للمؤسسة الثقافية أكان فى مُكنتِه أن يحقق شيئًا من نجاحٍ أمام الأجندات المفروضة عليه بضرورة تنفيذ كذا، وبالتعاون مع كذا، وبالاستعانة بكيت وكيت؟؟!! والحديث عن مديرَى بيت الشعر بالأقصر يحيلنا فورًا إلى أزمة مديرى عموم وقصور وبيوت ومكتبات الثقافة الجماهيرية، وإصرار الهيئة أو لنقُل إصرار المنظومة الإدارية الوظيفية فى النظام المؤسسى كله فى مصر على اختيار المديرين تبعًا لدرجاتهم الوظيفية وعدد سنوات خدمتهم دون أى اعتبارات للكفاءة ولا للقدرة الثقافية ولا للملكات العقلية المرتبطة بطبيعة العمل الذى يقوم به، يكفى فقط أن يكون سِجلُه الوظيفى خاليًا من الجزاءات بعد الاستشارات الأَمنية ليتم الدفع به مديرًا لموقع ثقافي!! صحيح أن الآونة الأخيرة شهدت مسابقاتٍ واختبارات لاختيار مديرى العموم ووكلاء الوزارة لكنها تدور كلها فى مساحة واحدة وفى فضاء واحد، ويظل الاختيار مغلقًا حول دوائر محددة ومحدودة الأفق، ولعل الصراعات الإدارية الوظيفية التى تشتعل بين مديرى العموم ومديرى القصور تكشف عن مستويات تلك الدوائر وعن حجمها بين مدير عام يناصب مدير قصر العداء لخوف الأول من أن يتم تصعيد الثانى مكانه، ولتطلعات الثانى ليجلس على مقعد الأول وما يستتبع ذلك كله من استقطاب موظفين لكل طرف… أيُعقل فى ظل هذه المنظومة أن نتحدث عن فعل ثقافى حقيقى أو حراك مجتمعى معرفى ينهض بدولة أو مجتمع؟! إن ما تحتاجه الهيئة العامة لقصور الثقافة لا علاقة له بإقالة رئيسها واستدعاء غيره، لكن يتطلب نسف المنظومة بأسرها والنظر إلى التجارب الثقافية الأخرى، وتوفير ميزانيات تتفق مع صناعة المعرفة باعتبارها سلاحًا حقيقيًا وليست ترفًا موجهًا لتسلية المواطن وتزجية أوقات فراغه…. وكل ما يحدث عدا ذلك هو مِن قبيل الترقيع والضحك على الذقون إن لم يكن الضحك مع الذقون نفسها التى طالت فى أيامنا هذه حتى لأصبحنا نستدعى قول الشاعر العربى القديم: لقد كانت مَجالِسنا فِسَاحًا.. فضيَّقَها بلحيتِه رَبَاحُ!!!