إيهاب اللبان: معرض السريالية المصرية أنتج حراكا ثقافيا نفتقده منذ سنوات  متاحفنا المصرية مليئة بالكنوز الحبيسة نتيجة حجج وهمية سببها الأساسى الهروب من المسئولية   حوار : سماح عبد السلام

6655

إيهاب اللبان: معرض السريالية المصرية أنتج حراكا ثقافيا نفتقده منذ سنوات

 متاحفنا المصرية مليئة بالكنوز الحبيسة نتيجة حجج وهمية سببها الأساسى الهروب من المسئولية

 

  • حوار : سماح عبد السلام

 

تشهد الحركة التشكيلية حاليا إقامة معرض عن السريالية المصرية بقصر الفنون، ولطالما كانت فى حالة تعطش تام لرؤية أعمال فنانيه القابعة بمخازن متاحفنا المصرية أو لدى بعض المقتنين.. إلا أن هذه الفعالية التى اقيمت بالتعاون مع مؤسسة الشارقة للفنون والراعية لها وقطاع الفنون التشكيلية قد شهدت بعض الجدل قبل وعقب إقامتها..

جريدة القاهرة التقت الفنان إيهاب اللبان أحد القائمين على العرض والداعمين للمشروع للوقوف على بعض الجوانب الخاصة بهذا المعرض..

= حدثنا بداية عن أهمية هذا معرض عن السريالية المصرية وجدوى التعاون المشترك بين وزارة الثقافة المصرية ومؤسسة عربية؟

-ان العالم العربى يتعامل مع الفن المصرى باعتباره النموذج ومحور بحثهم باستمرار ومصدر فخر لهم مثلما هو لنا، ونحن نرحب بأى تعاون عربى عربى لأن هذا الوقت الذى يحتم علينا التكاتف فى كل المجالات السياسية والاقتصادية وكذلك الثقافية والتى كانت دائما أحد أهم محاور الترابط المؤثرة والمؤكدة لعلاقتنا القوية وهذا ما نسعى إليه. وتقديم معرض ضخم عن أحد أهم مراحلنا الفنية أمر ضرورى ومهم.

= علمنا مسبقا بأن المعرض يشتمل على أعمال من خلال الفترة 1938 حتى 1965، إلا أننا شاهدنا أعمالا لفنانين فى مطلع السبعينات وحتى التسعينات، كما ضم المعرض أعمالا لا تنتمى للسريالية بحد تعبير البعض.. فلماذا هذا اللبس؟

-المعرض هو مشروع بحثى فى المقام الأول، ويختلف هذا المشروع عما اعتدنا تقديمه فى الفترة الأخيرة. نحاول تقديم جملة بحثية جديدة فى هذا التوقيت، فقد مر على السريالية عدد كبير من السنوات. وعندما نتطرق لمثل هذا المشروع فنشاهده من وجهة نظر فاحصة، من حق فريق البحث صياغة المشروع من وجهة النظر التى يتفق عليها والتى ربما تضيف جملة جديدة فى ذهن الحركة التشكيلية المصرية والمتابعين والجمهور. البحث معرض للعديد من الاختلاف فى وجهات النظر، إذن الموضوع قابل جدا للمناقشة. ومن أهم وظائف هذا المشروع أنه أنتج هذا النوع من الحراك الثقافى الذى نفتقده منذ فترة، وهذا بحد ذاته مكسب كبير. حيث اننا ناقشنا كفريق بحث رأينا أنه ربما يكون من المفيد بجوار انتاج هؤلاء الفنانين السرياليين أن نعرض بعض النماذج المتقدمة أو المتأخرة من انتاجهم. وكنا نرى أن هذا يعكس صورة شبه كاملة عن تجربة الفنان بمختلف مراحلها، فيمكن من هنا تكوين وجهة نظر وعقد مقارنات بين إنتاجه فى مختلف المراحل. كثير من الفنانين لم ينتموا الى السريالية طوال حياتهم ولكنها كانت مرحلة فى مشوارهم الفنى. وعلى سبيل المثال نجد جزءا كبيرا من أعمال رمسيس يونان تنتمى للاتجاه التجريبى وهو أحد المؤسسين. كما ان محمود سعيد اشترك معهم فى أول المعارض بلوحة ذات الجدائل الذهبية رغم أنه ليس سرياليا. ولكن نجد أن القوام الفعلى البنائى لهذ العرض يعتمد فى جملته الكبيرة على الإنتاج السريالي، إلا أنه لا يوجد مانع من عرض أعمال أخرى لهلاؤء الفنانين فى مراحل مختلفة من انتاجهم لم يقدموا خلالها انتاجا سرياليا مثلما وضعنا بورترية شخصيا لعبد الهادى الجزار لا ينتمى للسريالية.. وهذا واضح ومقصود . فالعرض لغير السرياليين كان جزءا من توجه المعرض. ربما يعترض البعض ولكن ربما نتلاقى عند هدف مشترك. إذ تقرر البحث الى أى مدى امتدت هذه المرحلة السريالية فى الحركة التشكيلية. وعلى هذا الأساس تم العرض لبعض الفنانين الذين ينتجون أعمالا بها ملامح سيريالية من غير المتعارف عليهم بأنهم ينتمون لهذا الاتجاه؟

438

= يثار تساؤل بأن اعمال عبد الهادى الوشاحى ممنطقة بينما السريالية ضد المنطق.. فكيف ترى أنه تأثر بالاتجاه السريالى ومن ثم عرضتم له؟

-هناك فرق بين المنطقية فى التنفيذ أو فى المفهوم. نعم أعمال الوشاحى تعتمد بشكل كبير على المنطق فى بناء التكوين وبدايات الخطوط ونهايتها وحرفية التنفيذ مما يؤكد أن هناك منطقية فعلية فى تنفيذ العمل. أما المفهوم الذى تعتمد عليه أعماله فمن المؤكد أنه بعيد بشكل واضح عن المنطق. وإذا كان يقُال ان الوشاحى منطقى جدا فى بناء التكوين وإخراجه إلا أنه لديه جزء كبير غير منطقى فى المعالجة التى يقدمها. كان يمنطق الشكل بنائيا لكن التفكير نفسه ربما يكون خارج المنطق. وقد رأينا ملمحا سرياليا فى أعمال الوشاحى وقمنا بعرض منهجنا على الجمهور والباحثين والنقاد لما وصلنا إليه من تفكير قابل للمناقشة. وذكرنا اننا سنطرق الى بعض الفنانين الذين يمتلكون ملامح سريالية. بالنهاية هو بحث خاضع للمناقشة. وربما هذا التفكير يسمح بإضافة آخرين.

= يبدو أنه لم يكن لديكم استعداد تام لإقامة هذا العرض بقدر الإعلان والضجة التى أثيرت قبله، إذ لم نر كتالوج توثيقيا مصاحبا للعرض أو حتى ملفا صحفيا أو ندوات؟

المعرض حدث فنى مهم وكبير والدلائل عليه كثيرة، إذن عندما يكون هناك حدث بهذه الأهمية كانت الحركة التشكيلية فى احتياج كبير له حيث اننا نلاحظ ان المشهد التشكلى مؤخرا ليس به حراك فعلى منذ فترة طويلة ومجرد التفكير بصناعة مثل هذا الحدث كان له أهداف كبيرة اعتقد أنه قد تحقق جزءا كبيرا منها. وقد حظى هذا المعرض بمتابعة مباشرة ودورية من السيد وزير الثقافة الكاتب حلمى النمنم. كما قام كل القائمين عليه بمجهود كبير بداية من مؤسسة الشارقة للفنون الراعية للحدث وقطاع الفنون التشكيلية لكى يخرج بهذه الجودة والتقنية. إذا استمر العمل عليه حتى قبل عرضه بيوم واحد. ومن المنتظر إصدار كتاب ضخم يجمع كل الأبحاث والدراسات عن السريالية ويوضح كيفية صياغة القائمين على المعرض لوجهات نظرهم المختلفة، وهذا سيطلب بعض الوقت حتى يخرج بشكل يليق بهذه الفعالية. بحيث يكون كتابا شارحا ووافيا لكل توجهات المعرض. نحن نخاطب جمهور الفنانين والذى يستطيع اكتشاف أشياء عن المعرض. ولكن هذا لا ينفى الاستعداد لإصدار كتاب بشكل حرفى موثق لهذه الفعالية وهو ما لم يتثن لنا قبل افتتاح المعرض.

= كيف تم التنسيق لعرض أعمال ظلت حبيسة المخازن لسنوات طويلة، بمعنى هل تتطلب ذلك آلية معينة فى العرض؟

– قام فريق العمل بالتشاور مرات عديدة، إذ كانت هناك حالة من الحوار الدائم حول كيفية تناول هذا المعرض وفقا لمراحله التاريخية. المعرض يحتوى على أعمال مهمة ونادرة. ومن المؤكد متاحفنا المصرية مليئة بالكنوز الحبيسة نتيجة حجج وهمية سببها الأساسى الهروب من المسئولية اتجاه هذا التاريخ المهم بذريعة الخوف الذى صاحبه لسنوات عديدة حالة من السكون غير قادرة على إقامة أى حراك فعلى لصالح المشهد التشكيلى المصرى.

= ولكن تسود حالة من التخوف لسفر الأعمال وعرضها بالخارج دون رجوعها أو ربما تعرضها للتزوير.. وهذا القلق حق مشروع بالطبع؟

عندماعرضت علينا مؤسسة الشارقة هذا المشروع تم دراسته من كل الجوانب بشكل وافر حيث تم الاتفاق على أن تكون مصر محطة انطلاقه الأولى. حيث كانت أولوياتنا إتاحة عرض هذا المنتج النادر على الجمهور المصرى أولا، على أن يتم عرضه لاحقا ثم ينقل فى بعض العواصم العالمية بعد أخذ موافقة وزارة الثقافة على كل محطة يتم انتقال المعرض إليها. وهناك إجراءات تأمينية كبيرة فهذا أمر مفروغ منه. هو موضوع يشُرف عليه لجان عديدة.

= كشف معرض السريالية المصرية مدى تراجع الحركة التشكيلية الراهنة.. فما تعليقك؟

-أعتقد أن المشهد التشكيلى الراهن ليس ضعيفا فى بناؤه وتكوينه ولكن ربما يكون فى بعض مظاهره التى إذا أحسنا صياغتها وتقديمها لظهرت ملامحها القوية. وهنا تظهر أهداف المعرض، بحيث يتم عقد مقارنات بين المراحل التاريخية فى الفن المصرى وهذا شىء مهم ربما يكون محرضا للأجيال الحالية لكى تنتج بنفس الجدية والاهتمام. وان يخرج أفكار وحركات فنية مهمة. لكى نعيد للفن المصرى رونقه.

= لكن بماذا تفسر حركة الهجوم التى تعرض لها المعرض قبل افتتاحه، وأنت بصفة خاصة؟

أى محاولة مغايرة ومختلفة عن المنهج السائد فى الفترة الأخيرة تتعرض للهجوم. بالنسبة لى أؤمن بما أقدمه وأعلم تماما قدر المسئولية، وأعى جيدا أنه ربما يكون هناك بعض الهجوم، لكن قناعتى بضرورة تقديم هذا الحدث المهم تحتم على التصدى لمثل هذا المشروع، ولابد أن نؤكد بشكل كبير أننا جميعا مهمومون بالحفاظ على تاريخنا الفنى وتقديمه بشكل لائق للجمهور. وأعرف أن هناك حالة سكون تسود الحركة التشكيلية منذ سنوات طويلة. وهذا السكون أراه هروبا من المسئولية.

= لكنك تبدو كفتى قطاع الفنون التشكيلية المدلل بحد وصف البعض؟

-أبنى مشوارى فى الإدارة الفنية المصرية وأنا أضع بذهنى معالم واضحة وقادرة على صنع النجاح ومنها والرغبة والإرادة والطموح. وأعتقد اننى أقوم بذلك لصالح الحركة التشكيلية وفيما قدمته عبر سنوات مضت شاهد وداعم لى. فأى شخص يستمد صلاحياته بقدر ما يبذله من مجهود، وهذا بالقطع ليس تدليلا ولكنه ربما يكون ثقة مبنية على تاريخ معتمدة على ما انتجه سابقا.