حكايات من الاستنزاف والعبور سنوات المجد والشقاء بقلم : حجاج أدول   خلال فترة تجنيدى لسبع سنوات. تعرفت وصادقت ضباطا ذوى كفاءة وخلق سام. عبد الكريم قشقوش منهم.. قوى الجسد

333

حكايات من الاستنزاف والعبور

سنوات المجد والشقاء

3335

بقلم : حجاج أدول

 

خلال فترة تجنيدى لسبع سنوات. تعرفت وصادقت ضباطا ذوى كفاءة وخلق سام. عبد الكريم قشقوش منهم.. قوى الجسد رياضى بارع فى كرة اليد. وله ابن عم كان بطلا لرياضة كمال الأجسام ويحمل نفس اللقب.. قشقوش. عبد الكريم حين تكون كتيبتنا فى قلب الصحراء، أى لسنا على خط القناة، فى حالة راحة وهى فترات قليلة عزيزة. كان يهتم كثيرا باللياقة البدنية. فكنا نخرج للجرى مسافات طويلة. ونؤدى تمرينات رياضية، ونلعب كرة قدم نشطة عفية.

الرائد خضر، كان والده لواء فى الجيش. خضر ملون العينين، كان حبيب الجنود لبساطته وتواضعه أتى لكتيبتنا قبل حرب 73 بسنتين تقريبا. أتذكر انه سمح لجنود بمشاهدة مباراة كرة فى تليفزيون خيمته. وبعد انصرافهم اكتشف اختفاء أفرول من ملابسه! لعنهم بأبيهم وأمهم وهو يضحك وانتهى الأمر. ضحك على أنه مقلب من جنود يحبونه ويشاغبونه.

أصيب خضر خلال العبور. نقل إلى المستشفى، لكنه سرعان ما عاد إلى القتال الشرس فى صحراء سيناء وهو يعرج! لم يبق لاستكمال علاجه، فكيف يكون فى المستشفى آمنا وجنوده يجابهون الموت؟!

المقدم عادل، قائد الكتيبة، دربنا أحسن ما يكون التدريب، وكنا نثق فى قدراته. وحين العبور من بحيرة التمساح، كان يقف مع الرائد خضر يتابع مرور مركباتنا المجنزرة البرمائية، داخل حقل ألغام ليطمئن على كل مركبة. وحين ركب مركبته وأخذت فى العبور، داست على لغم فأصيب فى ساقيه ومات فى المستشفى! رحمه الله كان بطلا. بعدها سمعت من محافظ أسوان الأسبق- كان رئيس عمليات كتيبتنا لفترة وصديقا للشهيد عادل  حكايات عن خفة دمه وسرعة نكاته. من نوادره، أنهم كانوا ثلاثة شباب فى إجازة بالقاهرة بالملابس المدنية، منهم الرائد (وقتها) المحافظ الأسبق والمقدم عادل، وجدوا حفل زفاف فدخلوا، كانت العروس جميلة. فتحداهم عادل انه هـ”يبوس”، يُقبل، العروسة! لم يصدقه زميلاه. فتقدم عادل ناحية العروسين متهللا وأخذ العريس بالأحضان الحارة والربت على الظهر والتهانى العميقة والعريس فى دهشة. ثم ترك العريس ليهنئ العروس ويقبلها من خديها ثم يتراجع إلى زميليه المشدوهين واللذين لم يضحكا إلا بعد أن تركا الحفل. رحمه الله.

ضابط آخر كان قائدا لسريتنا، طويل عريض وسيم. طيب مفعم بالرومانسية. بعد سنوات من الحرب، تزوج أرملة شخصية ذات مركز كبير جدا اغتالته السلفية الجهادية. الأرملة كانت محتفظة بآثار جمالها الشهير وبصيتها الأشهر سواء داخل مصر أو خارجها. بقى الضابط معها فى مزرعتها بأمريكا لسنوات.

وفى حرب أكتوبر 73 كان الضباط، كبارا وصغارا، فى المقدمة وسط الجنود، وبالتالى كان الشهداء الضباط نسبتهم من أعلى النسب فى الحروب على إطلاقها.

حين تكون كتيبتى فى المنطقة المركزية التى تحيط بالقاهرة، ننال اجازات مددها ساعات. مثلا اجازة 24 ساعة! يعنى يوم! 48 يعنى يومين! نسير فى الصحراء متوسط ثلاثة كيلومترات، متجهين لمحجر رمل وطوب. فنركب على ظهر عربات اللورى المحملة بهذه الأحجار والرمال والزلط حتى ندخل المدينة. فنتركها وكل إلى بيت أقربائه أو أصدقائه ليستبدل سريعا ملابسه بملابس مدنية ثم يذهب كل إلى ما يريده.. فتاة، امرأة، صديق، مقهى، سينما، حانة. أو نجتمع بسرعة لنسهر معا.. فى مقهى أو شقة لنشرب زجاجات خمر رديئة.. الخ. نستدعى الضحك، نحاول انتزاعه. إن فشلنا نتضاحك. إنها هِستيريا الوجع. أو لغة الآى آى على رأى أديبنا العظيم يوسف إدريس.

بالنسبة لى كان أجمل مكان هو حى بولاق الفرنساوي، وهو قطاع من بولاق أبو العلا القريب من النيل. شارع بهيج. كراسى على الرصيف ونجالس حمدى العريض وأخاه محمود “بتاع البنات” وغيرهما. ونتابع نسوان بلدنا بالملايات اللف والجلابيب البسيطة، والاكتاف عارية مثل أعلى الصدر «يخرب بيت الوهابية». ثم نستكمل السهرة ليلا فى حجرة عم عبده زوربا، نسبة إلى زوربا اليوناني. نهبط درجة سلم ثم بضعة خطوات فى ظلام مريب، ثم نصعد درجة سلم ونلف شمال لندخل حجرة عبده، دور أرضي. نشرب “طافية”.. أردأ الخمور الشعبية. ونسمع بعض حوادث وأحداث عبده ونضحك على سيرة صديق من أصدقاء نصّار اسمه محمد البايظ، دائما يقترض نقودا من أصدقائه وأمه وزملاء العمل، ويسكر بها ويخسرها فى القمار، ثم يعود ليلا مخمورا وهو يبكى فى الشوارع ويغني..

-أنا اللى مالى ضاع، ومال الناس ضاع مني. يا دهوتي.

فى أول مرة نسكر بحجرة الزرباوى التى هى فى الحقيقة جحر، خرجت أنا الأول، ظلام دامس. نسيت درجة السلم التى تلى حجرة العمليات فكدت أسقط لكننى تمالكت نفسي، لأتذكر أن قبل الخروج من هذا البيت المتهالك توجد درجة سلم أخرى، صعدتها وكنت فى الزقاق الذى تصله إضاءة خفيفة من نور بعيد. ابتسم لأن الآتى خلفى هو نصّار. أتى وكاد يسقط ثم تمالك نفسه ليتذكر الدرجة الأخرى فيصعدها ويقف جانبى لنضحك سويا.. فالذى بعدنا هو ثالثنا زميلنا رضا التخين! نضحك ونحن نعلم ماذا سيكون.. رضا ينسى درجة السلم فيسقط أرضا ويسب للطافية التى شربها ولعبده الذى استضافنا. ويسمع ضحكنا الذى يقلق سكان البيت والبيوت المجاورة فيسب كل عائلاتنا ويقف يترنح فنزداد ضحكا لأنه سيسقط فى الدرجة الثانية.. ويكون ذلك واقعا.. ويقع رضا التخين ويسبنا ويسب كل شىء يأتى على لسانه المترنح مثله.

بعد كل سهرة لم نكن نمتلك وقتا لنستريح ونتلقى بعض النعاس. فالفجر اقترب. ويجب أن نكون فى كتبيتنا قبل طابور السادسة والنصف صباحا. المشوار بعيد. ومن خشيتى ألا أستيقظ، استخدم منبهى الخاص. عندنا مثل بيقول «الجيش قالك اتصرف» أتجرع أكوابا عديدة من المياه وأنام، نصف ساعة على أكثره وحصره البول توقظني، لأسرع عائدا وأصل فى موعدي.

نحن الجنود مثل الضباط، من أنحاء مصر، من أقصى النوبة للإسكندرية. من المدن والريف. أصحاب شهادات وابناء اصحاب أراض ومحلات، وابناء الغلابة المطحونين. فعلا جيش مصر لا طائفى ولا طبقي. ليس من حقك أن تختار زميلك فى الجماعة أو طاقم المدفع مثلا، هى بختك يا أبو بخيت. ومع طول فترة التجنيد. تحدث صداقات متينة. أرضيتها الجدعنة بالمعنى البلدي. وفى نفس الوقت لم يتآلف البعض سويا. رغم ضرورة أن يكونوا سويا فى نفس المكان وفى نفس الظروف الصعبة. مرغمون أن يبقوا معا ويتدربون معا ويتنالون طعامهم الخ. كثيرا ما نتشاجر معا سواء كنا أصدقاء أم لا، لان الأعصاب متوترة دوما. فحياة التدريب الشاق والقتال الشرس ليست سهلة. عن نفسى كنت أكره أحمد يوسف كرها عميقا. وتضاربنا سويا بقسوة على ضفة القناة منطقة الدفرسوار. يوسف مشهور بلقب الرخم. فعلا رخامته ثقيلة. وبعد مرور حوالى أربع سنوات، فهمنا بعضنا وتجاوز كل منا عما لا يعجبه فى الآخر وصرنا اصدقاء، حتى أننا تقابلنا كثيرا فى اجازاتنا، خاصة سهراتنا فى بيت زميلنا رضا بشارع مصر والسودان. رضا ابن اصحاب الأطيان فى بنى سويف أو المنيا. حيث الطعام الشهى والخمور الفاخرة. وزاملت وصادقت دانيال فريد عطية، سكندرى مثلي. وتشاركنا أغلب معارك حرب الاستنزاف.

3334

ومن أصدقائي، حكمدار طقم مدفع مضاد للدبابات. سمارة صعيدي، اقصراوى يعمل خفيرا فى معبد الكرنك، اسمه عبد الله. يقرأ ويكتب بصعوبة، وحديثه به تهتهة. طيب مسالم، لكنه وقت القتال أثبت شجاعة وطلاقة غريبين. حطم أكثر من دبابة اسرائيلية. فان كان لسانه عييا، فمدفعه كان منطلقا بسلاسة ودقة وفصاحة. كم كنت أحبه وأحترمه، وبعد انتهاء فترة الجيش، سألت عنه حين ذهبت مرارا إلى معابد الأقصر ولم أعثر عليه. وكتبت عنه فى قصتى «رقصة الذبيح» وقد شبهته بتمثالى أجاممنون.

ومثل عبد الله الصعيدي، كان عبد الجواد من فلاحى الدلتا. قصير نحيف، وداخله غل سنوات تجنيد اليمن ثم الاستنزاف وحتى العبور. حوالى ثلاث عشرة سنة! بعد أن عبرت وحدتنا القناة هاجمتها دبابات العدو، تم تدميرها. عبد الجواد كان تسليحه مدفع آر. بي. جى. وهو يشبه ماسورة مفتوحة من الجهتين، لذلك حين يتم إطلاق الدانة منها لا يحدث رد فعل، فقط نافورة نار. سلاح بسيط، لكنه ذو فاعلية أفزعت العدو وحيرتنا حيرة فرح، لكن الآر بى جي، يحتاج لجندى شجاع شجاعة غير عادية، فحامل الآر بى جي، عليه أن يقترب من الدبابة التى هى قلعة حديدية رهيبة، بها مدفع هائل ورشاشات خطيرة. دبابة كانت فى قطاع سرية عبد الجواد، أصيبت بالـ آر. بي. جى. وثب من برجها جندى صهيونى يلوّح بمنديل أبيض. صوّب عبد الجواد الآر. بي. جيه. صوبه فى الرأس وأطلق قاذفة فانطلق الصاروخ ليطيح برأس الصهيوني. عبد الجواد يذهب إلى جثته. ينظر إليه من عل. يجلس بجواره. يقوم بخلع حذائه وإلقائه بعيدا، يخلع حذاء الجثة الصهيونية ويرتديه ثم يخبب مستكملا مهمته! كتبت هذا فى قصتى «شالوم.. هئ» عبد الجواد هو بطل القصة كلها. وفى القصة، كل مقطع أنهيه بعبارات.. «عبد الجواد.. أنت فى حقدك شنيع. عبد الجواد أنت فى انتقامك مريع» كان زميلا لى سنوات طويلة وكان مغلولا من الصهاينة، ومن منّا لم يكن مغلولا منهم؟ وبينت فى القصة لم كل هذه القسوة، إنها رد على إهانتهم لنا فى 67 وسفكهم لدمائنا فى خسة وجبن. قتلهم للأسرى المصريين وضربهم للمدن بما فيها من مدنيين. كنا على حدود الاسماعيلية وشاهدنا ومبانيها تتهاوى تحت قنابل الصهاينة.

محمود على السيد، جندى قناوى خفيف السمار خفيف الدم. أقرب إلى السذاجة ويعشق فريد الأطرش خاصة فى أغنية «بقى عايز تنساني» ويغنيها بانسجام وكنا نشجعه أنا ونصار، وأقنعناه بأن حظه وحش، وإلا فكان يجب أن يكون مطربا عظيما وعاشقا لأحلى الفتيات ولا يجاريه أى بحراوى قاهرى كان، أو سكندرى ابن ستين فى سبعين، ولا يعنى عشان انتَ أسمر يعني؟ ذات ليلة كان القمر فيها ساهرا ومحمود عائدا من اجازة، وقبل دخوله الكتيبة، دخن الحشيش وأتى مسطولا. فدخل فى حقل الألغام. شنطة صغيرة معلقة على كتفه، وهو يغنى ويشيح بيديه مقلدا فريد الأطرش «بقى عايز تنساني؟ طب انسى وأنا حنسى.. أنا مش حرجع لك تاني» سمعه جندى الخدمة فأسرع إليه ومن بعيد أوقفه. وزعق فيه بأنه داخل حقل الألغام. انتبه محمود وطار الدخان الأزرق من رأسه. ومن خارج الحقل الزملاء يهدءون أعصابه والدنيا ظلام. أسرعنا حوالى عشرة جنود خائفين على محمود “بقى عايز تنساني”. نرشده أن يعود على نفس الخطوات التى دخل بها. خطوة خطوة وفى كل خطوة تنهار الأعصاب، وكلنا مستعدين للانبطاح أرضا فى حال انفجار أى لغم، فلا تصيبنا شظاياه. وخرج محمود ونال شظايا الضرب منّا ضحكا وفرحا بنجاته. فهو مطربنا المفضل وأحد باعثى المرح فى الغُلب الذى نعيشه. وتمضى سنوات وفى صحراء هايكستب خلال فترة تدريبات، كان محمود “بقى عايز تنساي” نبتشى على خيام فصيلتنا التى ذهبت لتدريباتها. الحر شديد وهو ببنطلون وفانلة حمالات. ثم دخل المغرب عليه فقرر أن يرتدى سترة الأفرول الميداني. لبسه.. فإذا بلدغات قاسية تضربه فى صدره وظهره.. كان داخل السترة عقربين مختبئين. صرخ وخلعها وألقاها أرضا وهرس العقربين وأسرع هابطا من التل الذى به الخيام، متجها لقيادة الكتيبة حيث الطبيب. وتم انقاذه لأن العقربين كانا صغيرين. عمر الشقى بقي. وبقى معنا محمود على السيد يغنى لنا «بقى عايز تنسانى» سبع سنوات كاملة. ولم ننسه.

انتقل طاقمى إلى لسان التمساح، أى لسان بحيرة التمساح التى تطل عليها مدينة الإسماعيلية. موقعى كان على يسار الكتيبة، وفى نفس الموقع على يسارى ببضعة أمتار طاقم مدفع مضاد للدبابات وضع هنا فى حالة عبور دبابات برمائية إسرائيلية، وهو ما فعلناه نحن بعد ذلك.. فقد عبرنا القناة على مركبات مجنزرة برمائية. وكان من ضمن طاقم المدفع المضاد للدبابات فاروق الحلاق. الحلاق لأنها مهنته فى الحياة المدنية، وكان يمارسها فى الجيش فى كتيبتنا. فاروق صادقته سنينا وفقدته فى حرب 73 وكتبت عنه قصة “يوم بكيتك يا فاروق”.

على مياه القناة حين التقائها بساحة البحيرة مباشرة، الجنود الذين كانوا قبلنا فى لسان التمساح، اخترعوا مقعدا مريحا من الحجر خلف ساتر طوبى متين. وقعت فى حبه. بالقرب منه كان صديقى فاروق يحلق لى شعري. فكان أحلى صالون حلاقة فى العالم. يطل على منظر رائع وقت السلم، خطير وقت القتال. أصر أنا على أخذ الحراسة الليلية الأخيرة رغم صعوبتها، ليطلع عليّ الفجر المبهر، فأجلس على  المقعد أنظر للألوان الساحرة المتعاقبة فى الأفق وعلى سطح البحيرة وللقناة، وأحاول أن أنسى الضفة الأخرى حيث برج خزان المياه والمراقب الإسرائيلى بمنظاره المكبّر. وأكثر من مرّة كنت أفاجأ ومعى الراديو الترانستور، بفيروز الرحبانية تغنى أغنية «القدس العتيقة مريت بالشوارع. شوارع القدس العتيقة قدام الدكاكين اللى بقيت من فلسطين» الخ. فلا أملك منع دموعى من الهطول. أكثر من مرة أبكى حنينا للقدس التى لم أزرها، لكنها رمز دينى عميق فى قلبي. فأنا النوبى المصرى المحمّل تماما بعقيدتى الإسلامية وجذورى المسيحية. وحتى الآن رغم شهرة أغنية فيروز «زهرة المدائن» إلا إننى أتأثر أكثر بأغنية القدس العتيقة. تجلب دموعا تتجمع وتتأهب للانحدار لولا تمسكى بإمساكها، إن تركنا البكاء فلن نكف، فحالنا بؤس من انهيار الأحلام وسقوط المشاريع القومية.

من مخطوط «ينابيع الذات. مساحات من السيرة الذاتية 2002»

حجاج أدّول