#حصريا – مقاطع من الترجمة العربية لسفيتلانا أليكسييفيتش “ليس للحرب وجه أنثوي”   كاتبة وصحفية من بيلاروسيا صدر لها عدة أعمال توثيقية أغلبها عن الحروب السوفييتية. أثارت كتاباتها جدلا كبيرا فى

nnnnnnnn

#حصريا – مقاطع من الترجمة العربية لسفيتلانا أليكسييفيتش “ليس للحرب وجه أنثوي”

 

كاتبة وصحفية من بيلاروسيا صدر لها عدة أعمال توثيقية أغلبها عن الحروب السوفييتية. أثارت كتاباتها جدلا كبيرا فى بلدان الاتحاد السوفييتى وتعرضت لعدة محاكمات قانونية بسبب كتاباتها.

انشأت سفيتلانا نوعا جديدا من الأدب قائما على كتابة رواية من الأصوات المتعددة لشهود مرحلة ما. وحازت على عدة جوائز دولية أهمها جائزة السلام من معرض فرانكفورت للكتاب 2013. وجائزة نوبل للآداب 2015، التى نالتها على أعمالها المتعددة الأصوات التى تمثل معلما للمعاناة والشجاعة فى زماننا.وهى تعمق بأسلوبها الاستثنائى – الذى يقوم على تداخل دقيق بين صوت البشر – الفهم لعصر كامل.

وقعت آلاف الحروب، قصيرة ومديدة، عرفنا تفاصيل بعضها وغابت تفاصيل أخرى بين جثث الضحايا. كثيرون كتبوا، لكن دوما كتب الرجال عن الرجال. كلُّ ما عرفناه عن الحرب، عرفناه من خلال “صوت الرجل”. فنحن جميعا أسرى تصوُّرات “الرجال” وأحاسيسهم عن الحرب، أسرى كلمات “الرجال”. أمَّا النساء فلطالما لذن بالصمت.

فى الحرب العالمية الثانية شاركت تقريبا مليون امرأة سوفييتية فى القتال على الجبهات كافة وبمختلف المهام. تثير سفيتلانا أسئلة مهمة عن دور النساء فى الحرب، لماذا لم تدافع النساء، اللواتى دافعن عن أرضهن وشغلن مكانهنَّ فى عالم الرجال الحصري، عن تاريخهن؟ أين كلماتهنَّ وأين مشاعرهنَّ؟ ثمَّة عالم كامل مخفيٌّ. لقد بقيت حربهنَّ مجهولة …

111

فى كتابها “ليس للحرب وجه أنثوي” تقوم سفيتلانا بكتابة تاريخ هذه الحرب؛ حرب النساء.

ما الذى أريد سماعه بعد عشرات السنين؟ هل يهمُّنى كيف وماذا حدث بالقرب من موسكو أو بالقرب من ستالينجراد، ووصف العمليات القتالية، والأسماء المنسية للقمم والذرى التى تم الاستيلاء عليها؟ هل تهمُّنى روايات عن حركة القطاعات والجبهات، عن الانسحاب والهجوم، عن عدد القطارات المنسوفة وعن غارات الأنصار، عن كلِّ ما كُتبتْ عنه آلاف المجلَّدات؟ لا، أنا أبحث عن شيء آخر. إننى أجمع ما يمكن تسميته بمعرفة الروح. أتعقَّب آثار الحياة الروحية، أقوم بتسجيل خلجات النفس والروح. إن طريق الروح، بالنسبة إليَّ، أهم من الحدث نفسه. وليس يهمُّنا كثيرا، وليس عندى فى المركز الأوَّل “كيف حدث هذا؟” بل يقلقنى ويخيفنى شيء آخر: “ما الذى حدث مع هذا الإنسان؟ ماذا رأى هناك وماذا أدرك؟ عن الحياة وعن الموت عامَّة؟ وأخيرا، عن نفسه وذاته؟” إننى أكتب تاريخ المشاعر، تاريخ النفس… لا يهمُّنى تاريخ الحرب أو الدولة ولا حياة الأبطال، بل تاريخ الإنسان العادى الصغير، الذى انتُزع من الحياة إلى لجَّة البطولة فى حدث كبير، فى التاريخ الكبير.

لقد حدثت آلاف الحروب، قصيرة ومديدة، معروفة ومجهولة. لكن ما كُتب عنها أكثر. كثيرون كتبوا، رجال عن الرجال؛ وهذا ما أدركته على الفور. كلُّ ما نعرفه عن الحرب، نعرفه من خلال “صوت الرجل”. نحن جميعا أسرى تصوُّرات “الرجال” وأحاسيسهم عن الحرب، أسرى كلمات “الرجال”. أمَّا النساء فيلذن بالصمت. لم يكن أحد ليسأل، باستثنائى أنا، جدَّتى أو أمِّي. حتى النساء اللواتى كُنَّ فى الجبهة، يلذن بالصمت. وحتى إذا ما بدأن يتذكَّرن، فيتذكَّرن حرب “الرجال” وليس حرب “النساء”. يتمسَّكن بالقانون. فقط فى البيت، يذرفن الدموع مع زميلاتهنَّ فى الجبهة، ويشرعن بالحديث عن حربهنَّ، التى لا أعرفها، ولا أحد يعرفها. فى جولاتى ومهمَّاتى الصحفية، كنت غير مرَّة الشاهدة الوحيدة، والمستمعة الوحيدة لنصوص وأقوال جديدة كلِّيا. وكنت أشعر بالصدمة، كما فى طفولتي. فى هذه القصص كانت تظهر التكشيرة الرهيبة للأسرار… عندما تتحدَّث النساء فليس لديهنَّ، أو تقريبا ليس لديهنَّ ما اعتدنا قراءته وسماعه: كيف قتل بعضهم الآخرين، ببطولة، وانتصروا عليهم. أو انهزموا أمامهم. وأية معدات تقنية لديهم وأى جنرالات؟ القصص والأحاديث النسائية مغايرة تماما، وعن شيء آخر تماما. لحرب “النساء” ألوانها الخاصَّة، وروائحها الخاصَّة، وأضواؤها الخاصَّة ومساحات مشاعرها المميَّزة، وكلماتها الخاصَّة. إنها تخلو من الأبطال والمآثر القتالية التى لا تُصدَّق. وفيها لا يشعر الناس وحدهم بالألم والمعاناة، بل كذلك الأرض، والطيور والأشجار. وكل من يعيش معنا على هذا الكوكب. إنهم يتألَّمون دون كلمات؛ وهذا أشدُّ وأرهب.

لكن، لماذا؟ – تساءلت غير مرَّة فى نفسى – لماذا لم تدافع النساء، اللواتى دافعن عن أرضهن وشغلن مكانهنَّ فى عالم الرجال الحصري، عن تاريخهن؟ أين كلماتهنَّ وأين مشاعرهنَّ؟ هن أنفسهنَّ لم يصدِّقنَ. ثمَّة عالم كامل مخفيٌّ عنا. لقد بقيت حربهنَّ مجهولة…

أريد كتابة تاريخ هذه الحرب.. حرب النساء

لن أقول لك أين حدث هذا… فى أيِّ مكان… ذات مرَّة مئتا جريح فى حظيرة، وأنا وحدي. نُقل الجرحى للتوِّ من ساحة المعركة، أعدادهم كثيرة. هذا حدث فى إحدى القرى… لا أذكر اسمها، فكم من السنين مرَّت! أذكر أننى لأربعة أيَّام لم أعرف طعما للنوم أو للجلوس. كلٌّ منهم كان يصرخ: «يا أختي! يا أختي! ساعدينى يا عزيزتي!». كنت أركض من جريح إلى آخر. ذات مرَّة، تعثَّرت وسقطت على الأرض، وغفوت على الفور. استيقظت على صوت الصراخ. قائد، ملازم شاب، جريح أيضا، ارتقى على جانبه غير المصاب وصرخ: «اصمت! اصمت، أنا آمركم!» فقد أدرك، أننى منهكة، واستنفدت قواي، والجميع ينادوننى بسبب ألمهم: «أختي! أختي!» فنهضت، وركضت، ولا أدرى إلى أين، ولماذا. وآنذاك، ولأوَّل مرَّة منذ أن وصلت إلى الجبهة، استسلمت للبكاء.

أقول… إن الإنسان لا يعرف أبدا قلبه. شتاءً، اقتادوا أمام وحدتنا جنودا أسرى ألمانا. كانوا يسيرون مرتجفين من شدَّة البرد، وقد غطُّوا رءوسهم بقطع من البطَّانيات، بمعاطف محروقة. وكان الصقيع شديدا لدرجة أن الطيور ما إن تطير حتى تسقط. لقد تجمَّدت الطيور. وفى هذا الطابور كان يسير جنديٌّ، شاب، وقد تجمَّدت الدموع على خدَّيه… وأنا كنت أنقل الخبز إلى المطعم على عجلة. لم يستطع أن يرفع عينيه عن العجلة، هو لا يراني، بل يرى العجلة وحدها. خبز… خبز… قسمت قطعة من الرغيف وأعطيته. فأخذه… أخذه وهو غير مصدِّق… غير مصدِّق!

شعرت بالسعادة… شعرت بالسعادة، لأننى لا أعرف الكراهية. أنا نفسى ذُهلت من نفسي…

ناتاليا إيفانوفنا سيرجييفا جندية وممرِّضة

أنا معلِّمة تاريخ… أذكر أن كتاب التاريخ المدرسى أُعيدت كتابته ثلاث مرَّات. وقد علَّمت الأطفال بثلاثة كتب مدرسية مختلفة…

اسألونا، ما دمنا أحياء، ألن تعيدوا كتابته دوننا؟ اسألوا…

أتعرفين كم هو صعب قتل الإنسان؟ كنت أمارس المقاومة سرَّا. بعد نصف عام كُلِّفت بمهمَّة: أن أعمل نادلة فى مطعم الضبَّاط الألماني… أنا شابَّة… جميلة… وظَّفوني. كان عليَّ أن أنثر السُّمَّ فى قدر الحساء، وفى اليوم نفسه ألتحق بالمقاومة. لكننى اعتدت على العمل فى المطعم، إنهم أعداء، لكننى أراهم كل يوم، وهم يقولون لى «شكرا جزيلا… شكرا جزيلا». هذا صعب… قتل الإنسان صعب. القتل أصعب من الموت…

طيلة حياتى العملية كنت أدرِّس التاريخ… ودوما لم أكن أعرف، كيف أتحدَّث عن هذا، بأية كلمات…

ماريا إيفانوفنا موروزوفا «إيفانوشكينا»، جندية برتبة عريف، قنَّاصة:

إنها ستكون قصَّة بسيطة… قصَّة فتاة روسية عادية، ككثيرات من غيرها آنذاك…

هناك، حيث كانت قريتى دياكوفسكوي، شُيِّد الآن حيُّ موسكو البروليتاري. بدأت الحرب، ولم أكمل العام الثامن عشر من عمري. كانت جدائلى طويلة جدا، حتى ركبتيَّ… لم يصدِّق أحدٌ أن الحرب ستطول، كان الجميع يتوقَّعون أنها ستنتهي، ستنتهى قريبا، ونطرد العدو. كنت أعمل فى الكولخوز، ثمَّ أنهيت دورات محاسبة، وبدأت أعمل. استمرَّت الحرب… رفيقاتي… صديقاتى قلن لي: «علينا أن نذهب إلى الجبهة». كان هذا حديث الجميع. سجَّلنا أسماءنا فى دورات بمديرية التجنيد. ربَّما بعضهنَّ سجَّلن حبا برفيقاتهن، لا أدري. تعلَّمنا هناك إطلاق النار من بندقية حربية، ورمى القنابل اليدوية. فى الفترة الأولى، أعترف، كنت أخشى الإمساك بالبندقية فى يدي، كنت أشعر بشعور غير مستحب، ولم أستطع أن أتصوَّر أننى سأقتل أحدا ما، كلُّ ما أردته هو الذهاب إلى الجبهة. كانت حلقتنا تضمُّ أربعين فتاة. من قريتنا وحدها أربع فتيات، صديقاتي، ومن القرية المجاورة خمسا، وباختصار، كانت هناك فتيات من كلِّ قرية، وجميعهنَّ فتيات؛ فالرجال قد سبقونا إلى الحرب، كل من كان فى وسعه ذلك. أحيانا، كان يأتى المراسل، ويطلب منا الاجتماع خلال ساعتين، ثمَّ يأخذهن معه. كانوا يأخذون الناس حتى من الحقول (تلوذ بالصمت). لا أذكر الآن، هل كانت هناك حفلات رقص فى القرية، لو كانت فالفتاة تراقص فتاة، لم يكن هناك شباب. لقد سيطر الهدوء على قرانا.

سرعان ما انتشر نداء اللجنة المركزية للكومسومول والشبيبة للجميع بأن يهبُّوا ويدافعوا عن الوطن، لأن الألمان أصبحوا على مقربة من موسكو. لن نسمح بأن يحتلَّ هتلر موسكو! هذا ما ردَّده الجميع ولست وحدي… ورغبت جميع الفتيات فى الالتحاق بالجبهة. أبى كان يحارب هناك. كنا نظن أننا نحن الفتيات سنكن وحيدات، متميِّزات… وعندما وصلنا إلى مديرية التجنيد وجدنا العديد من الفتيات، فتملَّكنى العجب. وتسارعت نبضات قلبى بقوَّة. لكن الانتقاء كان صارما للغاية. الشرط الأوَّل: يجب أن تكون بحالة صحِّية جيِّدة وبقوَّة بدنية. خشيت ألا يأخذوني، لأننى فى طفولتى كنت أمرض كثيرا، كما أن عظامى واهنة، كما كانت تقول أمِّي. ولهذا كانت الفتيات ينعتننى بالصغيرة. وثانيا، إذا لم يكن هناك فى الأسرة من الأطفال غير التى كان عليها الالتحاق بالجبهة، فلا يأخذونها عادة، لأنه لا يصح أن تبقى الأمُّ وحدها. يا لأمَّهاتنا! لم تكن الدموع تجفُّ من مآقيهن… كنَّ يؤنِّبننا ويرجيننا… لكن، كان عندنا فى الأسرة شقيقتان صغيرتان وشقيقان أصغر منى بكثير، لكن تم احتسابهم. ثمَّ إن الجميع تركوا الكولخوز، ولم يعد هناك من يعمل، ولم يرغب مدير الكولخوز فى مغادرتنا. وباختصار، رفضوا أخذنا للجبهة. ذهبنا إلى لجنة الكومسومول المحلِّية، ورُفض طلبنا أيضا، وعندها توجَّه وفد منا إلى لجنة الكومسومول فى المقاطعة. كنا جميعنا متحمِّسات، قلوبنا كانت تنبض بقوَّة. ورُفض طلبنا أيضا. وبما أننا فى موسكو، فقد قرَّرنا الذهاب إلى اللجنة المركزية للكومسومول، إلى أعلى المسئولين، إلى السكرتير الأوَّل. كنا نتحرق شوقا لتحقيق ما أردنا… من سيتكلَّم باسمنا، من الأكثر جرأة؟ كنا نظن أنه لن يكون هناك أحد غيرنا، لكن كان من المستحيل المرور فى الحشود التى يغصُّ بها الرواق، وليس الاقتراب من السكرتير الأوَّل. فقد توافدت الشبيبة من جميع أنحاء البلاد، فكثير منهم أصبح ضمن المناطق المحتلَّة واستشهد ذووهم، وتشوَّقوا للذهاب إلى الجبهة انتقاما. من جميع أنحاء الاتِّحاد السوفييتي. نعم، نعم… وباختصار، شعرنا بالحرج بعض الوقت…

مساء، استطعنا الدخول إلى مكتب السكرتير الأوَّل. سألونا: «كيف ستذهبن إلى الجبهة وأنتن لا تعرفن كيفية إطلاق النار؟» أجبنا جميعا، على الفور: «لقد تعلَّمنا…».

-«أين؟ كيف؟ وهل تعرفن التضميد؟»

* «لقد علَّمنا طبيب المنطقة فى دائرة التجنيد».

عندها لاذوا بالصمت، وأخذوا يفكِّرون جدِّيا فى شأننا. ثمَّ كانت لدينا ورقة رابحة، فنحن لسنا وحدنا، بل عددنا أربعون فتاة وكلُّنا نعرف استخدام البندقية وتقديم المساعدة الطبِّية الأوَّلية. قيل لنا: «اذهبن وانتظرن. سنلبِّى طلباتكنَّ». عدنا والسعادة تغمرنا، لا يمكننى نسيان هذا …

بعد يومين، وصلت دعوة للالتحاق بالجبهة لكلٍّ منا…

حضرنا إلى دائرة التجنيد. وهنا أدخلونا من باب، وأخرجونا من باب آخر… دخلت بضفيرة جميلة، وخرجت دونها… دون ضفيرة… حلقوا شعرنا على الطريقة العسكرية… وأخذوا فساتيننا. لم أتمكَّن من إرجاع ضفيرتى وفستانى لأمِّي، فقد رجتنى أن أترك أثرا منى عندها. وألبسونا على الفور قمصانا وسراويل، وقبَّعات، وزوَّدونا بحقائب ظهر، ونقلونا بقطار الشحن، وأجلسونا على القش. لكن القشَّ كان طازجا طريا، تفوح منه رائحة الحقل.

شُحِّنا بمرح. بجرأة. مع الطرائف والنكات. أذكر، كم ضحكنا كثيرا!

إلى أين نحن ذاهبات؟ لا نعرف. وفى نهاية الأمر، لم يكن يهمنا كثيرا أين سنكون. المهم، فى الجبهة. الجميع يحاربون، ونحن أيضا. وصلنا إلى محطَّة شلكوفو، بالقرب منها كانت مدرسة نسائية للقنَّاصات. تبيَّن أنهم نقلونا إليها. شعرنا بالفرح؛ فهذا عمل قتالى حقيقي، وسوف نطلق النار.

وبدأنا نتعلَّم. درسنا النظام الداخلى للخدمة القتالية، الانضباط، التمويه حسب الأماكن، الوقاية من السلاح الكيمائي. ثابرت الفتيات على الدراسة. وتعلَّمن فكَّ وتركيب بندقية القنص بأعين مغمضة، وتحديد سرعة الريح، وحركة الهدف، والمسافة من الهدف، وحفر الحُفر، والزحف على البطن… كل هذا تعلَّمناه. المهم أن نتوجَّه إلى الجبهة بأسرع وقت، إلى النار… نعم، نعم… بعد انتهاء الدورة، حصلت على علامة كاملة فى الرمى والمناورة. الأصعب كان، كما أذكر، الاستيقاظ على جرس الإنذار والتهيئة الكاملة خلال خمس دقائق. أخذنا جزماتنا أكبر من مقاسات أرجلنا بدرجة أو درجتين، كى لا نضيع الوقت فى ارتدائها. خلال خمس دقائق، كان علينا ارتداء ملابسنا وتجهيز أنفسنا والوقوف فى الصف. حدث عدَّة مرَّات أن ارتدينا فيها الجزمة دون جوارب. وكادت إحدى الفتيات أن تتجمَّد رجلها فى الجزمة. ولاحظ المدرِّب، فوجَّه ملاحظة إلينا وعلَّمنا كيف نلفُّ أقدامنا بقطعة قماش. كان يقف أمامنا ويهدر: «يا فتياتي، كيف سأجعل منكن جنودا، وليس هدفا للضباط؟» فتياتي…فتياتي… الجميع كانوا يحبُّوننا ويشفقون علينا. بينما كنا ننزعج من أنهم يشفقون علينا. أولسنا جنودا مثل الآخرين؟

وأخيرا، وصلنا إلى الجبهة. بالقرب من أورشا… فى الفرقة النارية الثانية والستِّين… قائد الفرقة، كما أذكر، العقيد بورودكين، غضب عندما رآنا: أرسلوا إليَّ فتيات. أي، ما هذه الجوقة النسائية؟ فرقة رقص! هنا حرب وليس حفلة رقص. حرب رهيبة… ثمَّ استدعانا إلى مكتبه، واستضافنا على طعام الغداء. سمعنا أنه يسأل مساعده: «ألا يوجد شيء من الحلويات مع الشاي؟» شعرنا نحن بالاستياء، بالطبع: فمن يحسبنا؟ لقد جئنا لنحارب. أمَّا هو فلم يستقبلنا كجنود بل كفتيات. «ماذا سأفعل معكنَّ يا عزيزاتي؟ من أين جمعوكنَّ؟» هكذا كان يعاملنا. أمَّا نحن فكنا نتصوَّر أننا أصبحنا مقاتلات. نعم، نعم… إنها الحرب!

فى صباح اليوم التالي، أجبَرنا على إظهار قدرتنا على إطلاق النار، والتمويه حسب المكان. وكان إطلاقنا للنار جيِّدا، بل أفضل من الرجال القنَّاصين، الذين أعدُّوهم من الخطِّ الأمامى فى دورة لمدَّة يومين، والذين استغربوا أننا ننفِّذ عملهم. إنهم للمرَّة الأولى، غالبا، يشاهدون نساء قنَّاصات. حضر العقيد وشاهدنا كيف نطلق النار، وكيف نقوم بالتمويه حسب المكان… كان ينتقل ويشاهد ساحة الرمي، ثمَّ توقَّف أمام حزمة عشب – لا نرى شيئا. وهنا أخذت حزمة عشب تتضرَّع: «أيُّها الرفيق العقيد، لن أتمكَّن بعد، إنها ثقيلة». وضحك الجميع. لم يكن يصدِّق أننا يمكننا التمويه على هذا الشكل الجيِّد. وقال: «الآن، أسحب كلماتى السابقة بخصوص الفتيات». لكنه كان يتألَّم… ولم يعتد علينا فترة طويلة…

خرجنا للمرة الأولى إلى “الصيد” (هكذا كان القنَّاصة يدعون عملهم). كانت شريكتى فى الموقع ماشا كوزلوفا. قمنا بالتمويه، مستلقلات على بطوننا: أنا أقوم بالمراقبة وماشا تمسك بالبندقية. وفجأة، قالت لى ماشا: «أطلقى النار، أطلقى النار، ألماني…».

أجبتها: «أنا أراقب. أنت أطلقى النار!».

– «بينما نحن نتناقش، سيبتعد» قالت لي.

فأجبتها: «بداية، لا بدَّ من وضع خريطة إطلاق النار، وتحديد نقاط العلَّام: حيث العنبر، شجرة البتول…».

– «ستقومين، كما فى المدرسة، برسم الخرائط؟ لقد جئت ليس من أجل رسم الخرائط، بل لإطلاق النار».

رأيت أن ماشا تغضب مني.

– «وماذا بك، أطلقى النار، ماذا بك؟»

هكذا تجادلنا. وبالفعل، خلال هذه الفترة، أعطى الضابط الألمانى الأمر لجنوده. اقتربت عربة، ونقل الجنود فيما بينهم حملا ثقيلا. وقف الضابط، وأعطى أمره، ثمَّ اختفى. ونحن نتجادل. أرى أنه ظهر مرَّتين، وإذا ما أفلتناه فقد انتهى كلُّ شيء. سوف نفلته. وعندما ظهر للمرَّة الثالثة، للحظة واحدة – يظهر تارة ويختفى تارة – قرَّرت أن أطلق النار. وفجأة ظهرت فى خاطرى فكرة: إنه إنسان، وإن كان عدوا، لكنه إنسان. وبدأت أشعر بارتجاف يديَّ، وجسمى كلِّه، وانتابتنى قشعريرة وخوفٌ ما… هذا الإحساس لا يزال يراودنى فى الحلم حتى الآن… كان من الصعب عليَّ إطلاق النار على إنسان حي، بعد تدريبى على إطلاق النار على أهداف خشبية. إننى أراه فى عدسة منظار البندقية، أراه جيِّدا. وكأنه قريب مني… وداخلى شيء ما يمنعني… لا يسمح لي، لا يمكننى اتخاذ قرار. لكننى تمالكت أعصابى وضغطت على الزناد… فلوَّح بيديه وسقط. لا أعرف، قُتل أم لا. لكن قشعريرة أكبر سيطرت عليَّ بعد ذلك، وظهر خوف مجهول: أقتلتُ إنسانا؟! كان عليَّ أن أعتاد على هذه الفكرة. نعم… باختصار: شيء رهيب! لا يمكن أن أنساه…

عندما عدنا إلى الفرقة، وتحدَّثت عمَّا حدث لى فى الفصيلة. عقدنا اجتماعا. كانت عندنا كلافا إيفانوفا سكرتيرة الكومسومول، فبدأت تقنعني: «عليك ألا تشفقى عليهم؛ بل أن تكرهيهم». فقد قتل الجنود الفاشيون أباها. ما إن نشرع بالغناء، حتى تأتينى راجية: «أيَّتها الفتيات، لا داعى للغناء، سنتغلَّب على هذه السنوات، وبعدها سوف نغني».

ليس على الفور… لم نتمكَّن على الفور. فالكراهية والقتل ليسا عملا نسائيا. ليسا عملنا… كان عليَّ أن أقنع نفسي. أن أحث نفسي…

بعد بضعة أيَّام هتفت لى ماريا إيفانوفنا ودعتنى إلى صديقتها وزميلتها فى الجبهة كلافديا جريجوريفنا كروخينا. سأصغى إليهما من جديد.

_____________________________

بإتفاق خاص مع دار ممدوح عدوان