د. شاكر عبد الحميد يكتُب .. وجوه الموت والحياة فى رواية “فى فمى لؤلؤة” لـ “ميسون صقر”     (1) يرتبط الفم بقوة الكلام والخلق والإبداع، كما أنه يرتبط بتعبيرات

9977

شاكر عبد الحميد

د. شاكر عبد الحميد يكتُب ..

وجوه الموت والحياة فى رواية “فى فمى لؤلؤة”

لـ “ميسون صقر

 

 

(1)

يرتبط الفم بقوة الكلام والخلق والإبداع، كما أنه يرتبط بتعبيرات الرضا والاشمئزاز والفرح والحزن. ويرتبط أيضًا بالصمت والتأمل، وتشبه شفتا الفم صدفتى المحارة، فهما تنفتحان أو تنغلقان، وقد يشبه الكلام الذى يصدر منه اللؤلؤة فى جمالها، أو يشبه الموت فى جلبه للأحزان.

واللؤلؤة قد تكون فى عقد يرتبط بالوضع الاجتماعي، وبالعزة والتباهي، مكانه فوق الصدر، أو القلب، وقد يحيط بالرأس أو اليد، وهو يمثل التنوع فى الوحدة، والكل الموجود فى واحد، وتكون حباته أو لآلئه، أشبه بالتجليات المتعددة للشيء الواحد؛ اللؤلؤ هو التجلى الوضاء، والعقد ذلك الغامض الخفي.

واللؤلؤة رمز قمري، يرتبط بقوة المياه، بالتحكم فى المد والجذر، يرتبط أيضًا بالرحم والجنين، الصَدفة هى الرحم، واللؤلؤة هى الجنين. هى الحياة فى حالة كمون، الجوهر المقدس، المبدأ الأنثوى للمحيطات والبحار، الذى يرتبط بالمبادرة والأشياء التى تشع من ذاتها وبذاتها، قانون الحياة الكونية ومبدأ العدل. وقد تم الاعتقاد أحيانًا أن اللؤلؤة هى نتيجة للضوء الذى تخلل المحارة، تلك المحارة ترتبط بالصمت والكتمان والانغلاق على الذات، لكنها تتعلق بالانفتاح والبوح والحكى والإضاءة والإشعاع؛ المحارة صامتة لكن اللؤلؤة تحكي.

وكذلك تم الاعتقاد أن اللؤلؤة تمثل فى جوهرها وحدة الماء مع النار، الخفى مع الجلي، الصمت مع الكلام، وكلاهما – الماء والنار – قوتان مجددتان متجددتان، ترتبط بالولادة والخصوبة.

كما ترمز اللؤلؤة إلى البراءة والنقاء، الاكتمال والتواضع ولا تتباهى اللؤلؤة بنفسها كما يتباهى صاحبها بها، وقد كتب شتاينبك رواية شهيرة بعنوان “اللؤلؤة” ورسم فيرمير لوحة مشهورة بعنوان “الفتاة ذات القرط اللؤلؤي”.

تبدأ الرواية بإشارات تقوم بها الساردة الرئيسية شمسة، إلى عمليات الغوص، ومشاعر الغواص المتباينة المتضاربة، وهو يتهيأ للغوص، ثم وهو يعود بما يحمله من اللؤلؤ، أحيانًا يساعده الحظ ويخدمه وأحيانًا يحبطه ويخذله، لكن الكتابة هنا كتابة بينية تقوم بالتركيز على هذين الطرفين: الاستعداد للغوص، وما يصاحبه من تهيب، وحالة يكون فيها أقرب إلى المتسول الذى يطلب شيئًا، وقد يلبى طلبه أو لا يلبى كما أشار روبرت براوننج لكنه أيضًا قد يصبح أميرًا حين يعود حاملا لؤلؤته.

9966

تكتب “ميسون صقر” عن هذه العملية المتواصلة؛ عن وجع الشخصيات ووجع الأحداث والتاريخ لمن ذهبوا ولم يعودوا، ومن عادوا لكنهم كانوا مثخنين بالجروح والآلام الجسدية والنفسية أيضًا. نحن هنا أمام طبقات وراء طبقات من الأحزان والآلام والأفراح والهموم. تغوص فى أعماق شخصياتها وفى أعماق التاريخ. وهى منطقة بينية تقع فى مرحلة ما بين ازدهار تجارة اللؤلؤ والرحلات التى كانت تحدث من أجل صيده، وبين ظهور اللؤلؤ الصناعى المزروع على يد اليابانيين، وتراجع الاهتمام بصيد اللؤلؤ الأصلي، وتجارته، وظهور النفط والتحولات التى طرأت على المنطقة والبشر بعد ذلك.

ويتم سرد حكايات كثيرة عن المنطقة وأهلها فى ذلك الوقت القديم، وعن هؤلاء الذين كانوا يأتون ويموتون، يغادرون أو يقيمون، وعن البريطانيين والإيرانيين والهولنديين والبرتغاليين والهنود وغيرهم.

 

(2)

تفتح الأم صندوق الجدة وتخرج منه ذلك العقد شديد الجمال خاطف البريق، ثم تقول لابنتها: “إنه يحمل تاريخًا كبيرًا من الوجعية”، هكذا تحاول الابنة الساردة الرئيسية فى الرواية أن تستكشف ذلك التاريخ وتحفر فى أعماق تلك الطبقات المتتابعة، تحكى وتتذكر، تربط الحاضر بالماضي، والماضى والحاضر بالمكان، والمكان بالإنسان، وفى كل حكى تظهر شخصيات وأحداث، تظهر عند مستوى التذكر، وتظهر أيضًا عند مستوى التخيلات، فيظهر لنا مرهون عبر الرواية، وكأنه كائن شبه أسطورى “منذ أن دلف إلى تلك الظلمة المكفهرة فى الماء إلا ويذكر ظلمته التى دخلها، وكأنه فى ظلمة القبر، فانتابته الهواجس والمخاوف عندما لامس قدماه شيئًا ظنه سمكًا أو شجرًا “ ثم يكتشف أنها جثة منتفخة أمامه وخلال رعبه منها يتم سحبه، وحين يهجع إلى النوم يعانى الآلام والكوابيس، وهو يتذكر تلك الجثة المنتفخة التى أكلت الأسماك عينها وأنفها وتهرأ فمها وباقى لحمها. رعب فى الليل ورعب فى النهار، طفولة تعسة ورجولة تعيش فى البؤس والحرمان. ويتم تداول القصص والحكايات الحقيقية والمتخيلة والمختلقة حوله. فيحكون عنه فى يقظته وفى نومه، وتحكى شمسة، الساردة الرئيسية، فى الرواية، عنه من خلال ما سمعته من جدتها، وأيضًا من خلال تخيلاتها وتهويماتها التى دارت حوله.

مرهون حاضر فى غيابه وغائب فى حضوره، مشغول بأحلام يريد أن يحققها وعواطف كان يريد أن يصل إليها. يتذكر كيف نام “تحت الأشجار وفى الكهوف، رأى الموتى وهم يدفنون فى الجبال، بعض عظام الموتى أو أطرافهم، بعض أصابعهم أو عيونهم تبزغ من بين الصخور والحجارة، بعد تطاير الرمال عنها”، فأصابه الرعب، لكن صديقه محمد الشحي، قاله له:

“من يموت لدينا لا نستطيع أن نحفر له فى الجبل إلا على مسافة قصيرة لذا تظل الجثث نصفها مدفون فى جزء منه، ونصفها الأعلى بارزا فى الخارج، فنضع فوقها الحجارة والرمل حين تأتى الرياح تتطاير الرمال وتخرج بعض أجزاء من الجثث، تلك التى لم تدفن بشكل جيد، وإنما طمروها فقط تحت الرمل والحجارة، هكذا تغدو أشباحا مرعبة”.

هكذا عاش مرهون طيلة حياته يطارد الأشباح وتطارده، يطارد الأحلام والأوهام، لكنه فى أحواله جميعها، كان صادقًا، وكان قويا ونبيلا، ظلت حياته موجودة فى المنطقة البينية التى تجسدها صورة تلك الجثث المطمورة، التى لا هى مدفونة تمامًا ولا ظاهرة تمامًا، بل هى فى مرحلة ما بين المرحلتين الإخفاء والإظهار، الستر والكشف، وظلت روحه كذلك، دائمًا وأبدًا تصعد وترتقى لكنها سرعان ما تجد نفسها نائمة فى متاهة.

ظل مرهون ومحمد الشحى صديقه “يذهبان إلى البحر” ويغوصان، كان اللعب ممتزجًا بالتعلم، ولم يكن مرهون إلا طيفًا يخرج طافيًا على وجه الماء ويغوص. لاحظه النوخذة أبو حمد وهو على مقهى أمام البحر فسأل عنه. كانت تلك هى البدايات الحقيقية لتسارع الأحداث وتلاحقها، ولتتابع تلك الحكايات الخاصة والعامة، عن الماضي، والرعب، والأعماق، عن الحياة والموت، واللؤلؤ، والمحار، وعظام الموتى التى كان يحمل بعضها عندما يغوص فى كل مرة “حتى سمى حفار القبور” هكذا كان مرهون “كلما غاص ظهر له شبح جثة”، وقد كان يسمع وهو فى أعماق الماء أصواتًا لا يعرف مصدرها، وكان الجميع يحذرونه من البقاء طويلا تحت الماء، وقد كان يستدعى صورًا وذكريات فى كل مرة، ينزل فيها إلى الماء، وكانت الأصوات تخرج من العظام نفسها ومن البحر نفسه، تحكى له حكايات حول أصل هذه العظام.

تستمر الجدة فى سرد حكاياتها، ويتم استدعاء جد مرهون واستدعاء حكاياته، تلك التى يستمر من خلالها حضوره الخاص، متجليا على أنحاء شتى، وهو “يقلب المحار، المحار الأسود الحى الذى يصطاده ويصعد به، وهذه اللآلئ التى تخرج منه مصدر رزقه الذى هلك من أجله الكثيرون“، فمثلما ارتبط اللؤلؤ بالبهجة والفرح، فإنه ارتبط أيضًا بالموت والديون التى توارثها أحفاد عن أجداد.

ذات مرة تفتح محارة صدفيتها لذلك الجد (جد مرهون) “وحين اقترب منها أسرعت لتنغلق على لؤلؤتها الفريدة كانت يده أسرع فانغلقت عليها، لم يستطع أن يخرج سكينة ويقتطعها، ما زالت حية، والوقت لا يسعفه، أسرع بشد حبل الصعود فالمغاصة عميقة، لا يرتادها إلا الغواصون المهرة الذين يستطيعون البقاء فى المياه مدة أطول. فصعد بها وهى تغلق صدفيتها على يده، تجمع حوله الصيادون وفتحوا المحار، كانت تحوى لؤلؤة كبيرة ذات شكل غريب، أخذها النوخدة ونسى جده، قال: «إنها لؤلؤة فريدة تحتاج فقط إلى يد خبير يقشر طبقاتها الأولى فيخرج جمالها الفتان».

لماذا أصبحت هذه اللؤلؤة محور الأحداث والمصائر بعد ذلك ؟ وأدى ظهورها إلى نوع من الصدع فى بنية السرد، أصبحت هناك بؤرة له تدور حولها الشخصيات والأحداث وعلى نحو لم يكن يحدث قبل ظهور لؤلؤة الأعماق هذه، ومثلما ظهرت اللؤلؤة إلى الحياة، فقد أخذت من جسد ذلك الجد الحياة.

كان خيال مرهون البصرى شديد التوهج والحضور، مولعا بالماضى والتاريخ وبمحاكاة الشخصيات وتقمصها، وإعادة تمثيل أدوارها تحت الماء. هكذا أصبح الغوص لديه نوعًا من المتعة ومن المقامرة، أسموه حفارا، لكن البحر لم يكن بالنسبة إليه مجرد قبر، بل عالمًا رحبًا فسيحًا من الكنوز والأحداث والأخيلة والتوهمات والذكريات.

وما كان يحدث تحت سطح الماء وفى أعماقه، كان يحدث مثله وأكثر فوق سطحه، على السفن، وداخل البلدة، وأثناء الرحلات وعبر البلدان لكن أعماق البحر  كانت هى المسيطرة سواء من خلال اللؤلؤ الذى يتم صيده أو تتولد الرغبات فى صيده، كانت مسيطرة على ما كان يحدث هناك فوق سطح البحر وعبر الزمان والمكان والشخصيات.

9988

(3)

فى الرواية كثافة معرفية تتعلق بتاريخ اللؤلؤ وأنواعه والشخصيات التاريخية الشهيرة التى ارتبطت به، منذ كليوباترا وأنطونيو ووصولا إلى العصر الحديث، كما ترصد عالم الأشياء التى ارتبطت باللؤلؤ بحياة البشر، بيعًا وشراء واقتناء. وأيضًا تلك الحروب والصراعات والتحالفات، ونشأة المدن الجديدة والمهن والعلاقات. هكذا نجد أمامنا، وعبر هذه الرواية، نوعًا من الحضور المعلوماتى والمعرفى الكثيف والكاشف الذى أسهم فى تقديم خلفية دينامية متحركة، وخلفية ساكنة صامتة أيضًا، لكل ما جرى فوق سطح الماء، وتحته، من وقائع وأحداث، هل كانت هذه الخلفية الإنثروبولوجية هى التى انتهت إليها شمسة خلال دراستها بالجامعة وحاولت أن تقنع أستاذها عز الدين بها دون جدوى؟ هل كانت شمسة تبحث عن جانب آخر أو مستوى آخر من الكنوز واللآلئ الرمزية والمجازية فى حياة الناس وكفاحهم وثقافتهم وصورهم والتى أرادت أن تحكى من خلالها حكاياتها الخاصة، وكذلك كل تلك الحكايات القديمة الأخرى التى سردتها جدتها بطريقتها كى تضاف حكاية إلى حكاية وصورة إلى صورة ومن ثم يكتمل المشهد العام على نحو أكثر وقعًا وتأثيرًا.

كما أن فى الرواية وصفا لتفاصيل الرحلة وما تشتمل عليه من جوانب إنسانية إيجابية وسلبية، من إلقاء أشعار ينشدها الشاعر خلفان، وترديد  لبعض آيات من القرآن الكريم، ومواجهة الجوع والأمراض وحرارة الجو الشديدة والخوف من هجوم للقراصنة، ومن الرياح والعواصف وما يحدث خلالها من إلقاء للمراسى وتحريك الأشرعة ومحاولات لقياس الأعماق، وكذلك من قسوة يمارسها النوخذة على الغواصين حتى أنهم يقومون أحيانًا بأكثر من مائة غطسة فى اليوم الواحد. كانت حياتهم قاسية، وكانت آذانهم تؤلمهم أحيانًا من كثرة الغوص فتنزف دمًا وقد يصابون بالصمم مثلما حدث مع غانم.

على ظهر السفينة شخصيات عدة ونماذج بشرية متنوعة: أبو حمد النوخذة، خلفان الشاعر الذى يختفي، وغانم الذى لا يسمع لكنه يحب الغناء، والغواصون ومنهم مرهون ومحمد الشحى وخماس ومسعود وغيرهم، ووليم الإنجليزى الذى يسجل الرحلة ويكتب رسائل إلى المعتمد البريطانى فى الإمارة وإلى صديق له، وعلى خط موازٍ هناك يوسف الذى تزوج بآمنة ابنة زوجة النوخذة «أبو حمد»، وما حدث بعد ذلك من أحداث كثيرة بعد الحصول على اللؤلؤة الكبيرة، وعلى خط ثالث هناك شمسة وصديقتها مروة وزميلها سامح وكذلك أستاذها عز الدين وغيرهم.

هنا محاولة لاستكشاف عالم البحر، وغوص فى بحر الحياة الذى ينبغى عبوره، وتغلغل فى النفس الإنسانية وأنهارها. البحر كرمز للحركة الدائمة، وكمصدر مهم من مصادر الحياة، يحتوى كل الاحتمالات وهو مجمع للتجليات كلها؛ رمز للأم العظيمة، وللحكمة المقدسة اللانهائية. البحر مبدأ أنثوى يرتبط بالموت ويرتبط بالحياة أيضًا، يرتبط بالسطح وبالعمق أيضًا. حالة من حالات الخلق التى لا تكف عن الوجود أو التجدد كما أشار بعض الحكماء الصينيين.

يظهر مرهون لشمسة فى أماكن وأوقات غير متوقع ظهوره فيها، وقد كانت تصدق وجوده على الرغم من أن ظهوره جعلها تدخل فى حالة ممتدة من الريبة والشك وفقدان اليقين، حالة متعلقة بما إذا كان ما تراه وتعيشه حقيقة أم مجرد وهم!! أم أنها قامت بإسقاط ما كان يعتمل فى نفسها عليه، لتحكى ما لم تستطع أن تقوله فى بحثها ودراستها وحياتها؟

خلال ذلك كله يظهر اللؤلؤ ويتجلى ويشع على أنحاء شتى، يظهر فى الأحاديث وفى الصمت، فى اليقظة والنوم، وهو أشبه بحلم أو غائب يتم البحث عنه دومًا، ما إن نجده حتى يضيع، يُقتل من أجله بشر ويعذبون ويهربون ويضيعون، لكنه يبقى بعدهم شاهدًا عليهم، يبقى فى عقد أو قرط أو خاتم أو ملابس أو صندوق محكم الغلق.

من بين الغواصين كلهم كان مرهون وحده هو القادر على الغوص إلى أعماق بعيدة، وخلال غوصه، وفيما هو يطارد أوهامه، تراءت له لؤلؤة بلا محارة ما بين التراب وبعض الأعشاب تحيط بها، وحدها كانت تبرق فى ظلام ذلك العمق، وكأنها سقطت من سفينة، استطاع أن يصل إليها بعد لأي، أمسك بها، كان حجمها كبيرًا لا يوصف، حملها وصعد، كانت لؤلؤة عظيمة ظل البحارة والصيادون والغواصون يحكون عنها ويتقاتلون وقد غير ظهورها من مسار الأحداث على نحو هائل كبير. وقد رويت حكايات كثيرة حول السحر المحيط بهذه اللؤلؤة، وكيف أنها كانت كلما ظهرت اختفت، وكلما اختفت ظهرت، وقد كان الجميع يبحث عنها فى صحوهم وفى نومهم، يخطف غانم اللؤلؤة من يد أبى حمد بينما كان غارقًا فى سحرها، يخطفها ويتظاهر بأنه قد ابتلعها، فيستل أبو حمد خنجره ويغرسه فى بطن غانم، ويواصل شقه بحثا عن اللؤلؤة ثم يلقى بالخنجر ويضع يده داخل بطن غانم الذى كان الدم يتدفق منه بغزارة. هكذا تحول أبو حمد إلى قاتل وغانم إلى قتيل، وكان سعيد وحده الى لاحظ أن غانم لم يبتلع اللؤلؤة بل تظاهر بذلك، وأسقطها بين شباك الصيد والحبال فى لمحة سريعة، يتظاهر سعيد أيضًا بأنه يسقط فى البحر، وخلال ذلك يدفع “مسعود” بعيدًا عنه ويلتقط اللؤلؤة ويضعها فى حقيبة وليم دون أن يراه أحد. لم يلاحظ وليم ذلك، أما يوسف فكان قد رآه وصمم على أن يحصل على اللؤلؤة لنفسه، وقد كان، حصل عليها وتظاهر بالمرض وعاد إلى آمنة زوجته التى غافلته بعد ذلك وهربت باللؤلؤة إلى الهند وهكذا حتى نهاية هذه الرواية التى تشبه المتاهة فى أحداثها ومساراتها وتفاصيلها.

على خط موازٍ تذهب شمسة إلى شركة أدنوك، أقدم شركات النفط فى منطقة الخليج العربي، وكان بها قسم متخصص فى الصور القديمة، بالأبيض والأسود تفتح بوابات الذاكرة البعيدة لنوع ما من نوستالجيا المكان، ومن الحنين للماضى واستعادته من خلال حكايات هذه الصور.

9977

(4)

الكتابة حياة أخرى تقوم بإحضار الأموات، لكن كيف يمكنها أن تكون وسيلة لإحداث الموت أو المرض أو الغياب؟

كأن الكتابة هنا تعنى على نحو ما موت الأشخاص فى الحياة وحضورهم فى الحكايات، لقد أصبحوا يشكلون جانبًا مهّا من الذاكرة والوعى وكذلك اللاوعي، ولم يكن حضورهم الأول فى الحياة إلا مرحلة أخرى من حضورهم الثانى عبر الكتابة والصور الأكثر خلودًا وبقاءً منهم.

ومن ثم، ترصد الكاتبة كيف يتحول الآدمى إلى وحش وكيف تتحول الألفة إلى وحشة والحضور إلى غياب. ومع الصور والحكايات هناك الرسائل، رسائل وليم إلى المعتمد البريطانى وإلى صديقه ورسائل شمسة إلى أستاذها، والرسائل عبر الإنترنت وغيرها، وهى تسهم كلها معًا فى إضاءة ذلك المشهد الكلى الخاص بعالم البحر والصيادين والغواصين والناس الذين عاشوا فى تلك المنطقة، على نحو خاص وحميم.

هناك أيضا استعراض تفصيلى وتصوير ووصف لأنواع اللؤلؤ وأحجامه وألوانه وحضوره الكثيف البارز فى عالم المجوهرات الحديثة وعالم النجوم والشخصيات أمثال مارلين مونرو وأودرى هيبورن وإليزابيث تايلور، وصولا إلى دار ميكيموتو اليابانى الذى اشتهر باللؤلؤ المزروع.

تاريخ من السحر والجمال وثقافة الامتلاك والعرض والطلب والتأمل والخيال، حيث اللؤلؤ يرتبط بالسعادة والصحة والحظ الحسن لدى البعض، وبالشقاء والمرض والحظ النكد لدى آخرين، فمن يصطاد اللؤلؤ يموت ومن يبيعه يمت ومن يمتلكه يمت، وقديمًا، وكما أشار سالم، احدى شخصيات الرواية كان الأقدمون يضعون اللؤلؤ غير المثقوب فى فم الميت أو فوقه أسفل الأنف.

أشخاص من الماضى يحضرون مفعمين بالإنسانية، كانت حياة كل منهم أشبه بلؤلؤة خاصة، وهم جميعهم قد شكلوا معًا سلسلة حكايات أشبه بعقد يتكون من عدد من الآلئ ولم تكن سيرة ذلك اللؤلؤ سيرة ميتة بل كما قالت شمسة إنها حياة كاملة، اللؤلؤ الذى يستدير كما لو أنه كرة أرضية تدور، كما لو أنه كون ينبض “يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان”.