طه حسين فى ذكرى الميلاد والرحيل ثلاثة أحاديث إذاعية عن الشعر العربى القديم تقديم: نبيل فرج   هذه ثلاثة أحاديث مجهولة لطه حسين عن الشعر العربى فى عصوره الأولى، ألقاها

2013-635187397492530728-253_main

طه حسين فى ذكرى الميلاد والرحيل

ثلاثة أحاديث إذاعية عن الشعر العربى القديم

تقديم: نبيل فرج

 

هذه ثلاثة أحاديث مجهولة لطه حسين عن الشعر العربى فى عصوره الأولى، ألقاها عميد الأدب العربى فى محطة الإذاعة العربية فى لندن BBC فى أواخر 1940 ولم تنشر فى كتبه التى تضم الكثير من مقالاته وأحاديثه، ليس من بينها هذه الأحاديث التى لا يعرفها أحد.

وعلى الرغم من أن هذه الأحاديث لم تكن طويلة، كما عودنا طه حسين عندما يعرض لهذا الموضوع الأثير لديه، فإنها تلخص وهى بهذه الدرجة من الاقتضاب رؤيته كباحث متخصص فى التراث، يولى الشعر وتطوره اهتمامه الزائد وعنايته الفائقة.

والذين يعرفون طه حسين جيدا، ويعرفون مدى تعلقه بالشعر، يدركون أنه مؤرخ وناقد أدبى من أرفع طراز، خاصة حين يتحدث عن جماليات هذا الفن ويطرح رؤيته التى تتميز بالخصب والنضج والحيوية، بفضل اطلاعه الواسع على الأشعار العربية والأجنبية فى مختلف الأقطار والمكتبات والأحراز، وتطبيقه مناهج البحث الحديثة، وما يملكه من قدرة روَّض نفسه عليه فى استقصاء النصوص، معتمدا فى تحليله ونقده على حسه المرهف للإبداع الأصيل، الذى يتعدى الحدود الإقليمية، ويمس القلوب والعقول والطباع والأذواق فى كل الثقافات، لا فرق لديه بين ما كان يتلقاه فى الأزهر من الشيخ السيد على المرصفي، وبين ما يلقيه عليه فى الجامعة المصرية المستشرق كارل نالينو أو غيره من الأساتذة الأوروبيين فى جامعات باريس.

ومن يريد أن يتعرف على ارتباط طه حسين الوثيق بالتراث العربي، ويقف على جهوده فى دراسة الشعر والشعراء، عليه أن يرجع إلى كتبه «تجديد ذكرى أبى العلاء 1915» و«فى الشعر الجاهلى 1926» و«مع المتنبى 1937».

ولعل أكثر ما يسترعى النظر فى هذه الأعمال ما تفصح عنه من إيمان طه حسين بأن التراث العربى مقوم أساسى من مقومات الشخصية القومية، وأن التقصير فى إحيائه والعجز عن استنباط حقائقه، تقصير فى الأهداف الإنسانية للدولة.

وفى كثير من المواضع فى كتبه، يذكر طه حسين أن الآداب الحديثة ليست سوى امتداد للآداب القديمة، وعلى هذه الآداب الحديثة ألا تقطع صلتها بالتراث إن أرادت لأدبها الرقي.

أما هؤلاء الذين ينظرون إلى التراث نظرة تخفض من شأنه، ويقفون من الأدباء الشيوخ الوقفة ذاتها التى تقلل من شأنهم، فكان طه حسين يسخر منهم، ومن الشعارات التى يرفعونها، ولا يتوقفون عن تكرارها حتى الإملال.

ولا شك أن احتفال طه حسين بالتراث القديم قد منح أسلوبه، كما منحه إياه قراءته للآداب العالمية، هذه الطاقة التعبيرية التى تميز بها، وجعلت الكثير من الكتاب من جيله والأجيال التالية يحاولون تقليد هذا الأسلوب الذى لا يبارى.

وتناول طه حسين لتراثنا العربي، شعره ونثره، لا يقتصر على المعانى والدلالات التى ينطوى عليها، وما يمكن استنباطه منه.

وإنما يشمل هذا التناول العصر الذى لا ينفصل فيه النص عن بيئته وزمنه، ونجد فيه أنفسنا كما تجد الأجناس الأخرى نفسها فيه.

وللمجاوزة الجغرافية بين الأقطار تأثيرها فى الإنتاج بما يفيده بعضها عن بعض، كتأثير البيئة والعصر والعلاقات الدولية بين الأقطار.

ولهذا كان طه حسين يعقد المقارنات الموضوعية دائما بين الآداب، سواء الآداب القديمة، أو الآداب الحديثة.

ومن النقاد من يعد طه حسين أهم من خاض هذا الميدان، ميدان الدراسات المقارنة فى تاريخ الثقافة العربية، بعرضه للأفكار العامة المشتركة فى الآداب، ولتياراتها السائدة، وتلخيصه المحكم لها.

وقد كانت الحياة الثقافية فى بلادنا تتابع وتقبل على أحاديث طه حسين عن الآداب وفى مقدمتها أدب اليونان والأدب الفرنسي، مثلما تقبل وتتابع أحاديثه عن التراث العربى وأدبنا المعاصر.

وأرجو ألا يؤخذ كلامى على أن تمكن طه حسين ينحصر فى الشعر فقط، ذلك أن من يقرأ ما كتبه عن توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويحيى حقى ومحمد كامل حسين وغيرهم، يقطع بأننا إزاء ناقد محترف يضارع فى فهمه لأسرار الفنون كالمسرح والرواية، وتقييمه لها أكبر النقاد، الذين يحرصون على أن يكون أدباء وطنهم أندادا للأدباء الأوروبيين، وأن نكون معهم شركاء فى الحضارة الراهنة.

ومن الواضح أن الإذاعة العربية فى لندن كانت تدرك قيمة ما أذاعت فى محطتها بصوت طه حسين، فقامت بحفظه فى أرشيفها، كي لا يضيع فى الريح، وطبعته فى نشرتها الشهرية التى توزعها على المشتركين فى هذه الإذاعة فى أنحاء العالم.

ونقلا عن هذه النشرة الخاصة تنشر «القاهرة» هذه الأحاديث فى ذكرى ميلاد طه حسين فى 14 نوفمبر 1889، وذكرى رحيله هذا الشهر فى 28 أكتوبر 1973.

341

الحديث الأول

خصائص الشعر الرائع، انه حى دائما، وان شبابه خالد وان جماله متجدد أبدا. فهو لا يمثل العصر الذى قيل فيه وحده ولكنه يمثل العصور مهما تختلف والبيئات مهما تتباين. وأعتقد أن هذه الخاصة قد توافرت لشعرنا العربى كما توافرت لقليل من الشعر القديم. فشعرنا الحماسى لا يمثل حياة الأمة العربية فى عصورها الأولى فحسب، ولكنه يمثل حياتنا نحن الذين نشعر شعورا عربيا ونفكر تفكيرا عربيا مهما تختلف ظروفنا ومها تختلف عصورنا. فكما كان العربى القديم قبل الإسلام يشعر بالعزة ويصور هذا الشعور، فنحن كذلك عندما نسمع هذا الشعر العربى الذى صور به الجاهلى شعوره بالعزة أو بالقوة نجد فى أنفسنا مثلما كان يجده ذلك العربى القديم، وإن كان بيننا وبينه عصر طويل وقرون تتجاوز العشر. وهذا الشعر الحماسى هو مرآة صادقة لنفس الأمة العربية مهما تختلف عصورها ومهما تختلف بيئاتها.

ويخيل إليّ أن فنين من فنون الشعر العربى يصوران النفس العربية أصدق تصور وأجمله وأروعه، وهما الحماسة من جهة، والغزل من جهة أخرى. أما الفنون الأخرى التى تأتى بين هذين الفنين كالمدح والهجاء وما إلى ذلك، إن صورت النفس العربية فإنما تصورها مصادفة وفى غير اضطراد. فأما الحماسة والغزل فيصوران النفس العربية تصويرا دائما صادقا متصلا، ذلك لأن الحماسة تصور الناحية الحادة الصادقة من شخصية الفرد ومن شخصية الجماعة، والغزل يصور الناحية الرقيقة الحساسة الشاعرة بلذة الحياة وجمالها بآلام الحياة وحسراتها فى نفس الفرد وفى نفس الجماعة أيضا. فأما ما عداهما من الفنون فإنما يصور أشياء تذهب وتجىء. منها الطارئ ومنها ما يتعلق بالظروف الخاصة والملابسات الفردية. والشعر الحماسى العربى هو الذى يقابل عند الأمم القديمة الشعر القصصي. فهو يصور ما فى الجماعة من خصال من حيث إنها جماعة. يصور قوتها وبأسها وصبرها واحتمالها ولقاءها للخطوب وصبرها على هذه الخطوب وتصرفها فى الأزمات ونفوذها من هذه الأزمات. كما أنه يصور صبر الفرد وقوته وجلده وصلته بين جماعته سواء كانت هذه الصلة حسنة أم سيئة، راضية أم ساخطة والشعر الحماسى عندنا فى أدبنا العربى القديم قد اختلفت عليه أدوار كثيرة وتلون بألوان مختلفة، ولكننى فى هذه الأحاديث الثلاثة لن أتحدث إليكم إلا عن ثلاثة ألوان لهذا الشعر – اللون الأول لون الشعر العربى الجاهلى الحماسي، وهو ليس مقصورا على العربى الجاهلى وحده ولكنه يمتد بعده للإسلام وقتا طويلا. وهو الذى يصور العصبية العربية ويصور حياة القبيلة والعلاقة بينها وبين الفرد، وما يكون من جهاد بين القبائل ومن جهاد بين الأفراد. لا يعتمد إلا على الحياة العملية الخالصة وما ينتج منها من الأخلاق التى تطور نفس الفرد ونفس الجماعة.

واللون الثانى ظهر بعد الإسلام واستمر قرنين أو أكثر من قرنين وهو الحماسة الحزبية. وهذا اللون هو الذى يصور ما كان بين الأحزاب السياسية والدينية من خصومات، ونضال هذه الأحزاب عن آرائها ومبادئها.

واللون الأخير ظهر فى أواسط القرن الثالث، ولعله قضى بانقضاء فلسفة أبى العلاء المعري. وهو شعر الحماسة القومية الذى يصور العصبية للأمة العربية من حيث هى أمة تجاهد أمما أخرى كالفرس والروم وغيرهما من الأمم التى برزت فى ذلك الوقت.

أما اللون الأول الذى يصور الحياة العصبية العربية فهو الذى نجده فى هذا الشعر الجاهلى وفى هذا الشعر الإسلامى البدوى الذى كان يقال فى بلاد العرب بخاصة وربما قيل فى بلاد العراق أيضا. وهو يصور ما كان بين القبائل العربية من صراع على الحياة المادية من جهة، وعلى التنازع فى الشرف والحسب والمكارم من جهة أخرى. وهذا اللون إن صح أن يوصف بشىء فهو يوصف بأنه يصور النفس العربية فى أول أطوارها، يصورها كريمة ساذجة ولكنها فى سذاجتها مشتملة على أكرم ما يمكن أن يمتاز به الفرد والجماعة كثيرا من الصبر واحتمال المشقة والجهاد سواء بالقياس إلى الطبيعة القاسية التى كانت تخضع لها الأمة العربية فى صحرائها أو بالقياس إلى ما كانت تقتضيه هذه الحياة من نزاع على الماء والمرعى وعلى أيسر الأشياء. ومن ثورة لأبسط الأشياء تستدعى نشوب الحرب وتستدعى القتل والجرح والفرار والكر وما إلى ذلك.

هذا الشعر الحماسى القديم الذى يصور النفس العربية الساذجة قبل ظهور الإنسان يصورها مثل كل شىء صورة محتملة ويصورها مثل كل شىء كريمة جريئة لا تحرص على المال إلا ريثما تنفقه، ولا تحرص على الدعة إلا ريثما تتجاوزها إلى الشدة ولا تحرص على اللين ريثما تدعه إلى القسوة. وهذا الشعر يصور لنا الفرد مؤمنا بنفسه أشد الإيمان قويا فى هذا الإيمان إلى أقصى غايات القوة. لا يتورع أن يقترف الآثام المنكرة دفاعا عن قوته وعن عزته وعن كرامته ولكنه فى الوقت نفسه على اعتزازه بفرديته وبشخصيته يفنى فى القبيلة فناء يوشك أن يكون تماما، لا يكاد يشذ من ذلك إلا بعض الأفراد الذين يسمون بالصعاليك والذين كانت تتبرأ منهم قبائلهم فتفنيهم وتتركهم لشأنهم.

أما الفرد العربى الذى يصوره الشعر الجاهلى والشعر الإسلامى العربى فهو فرد مؤمن بقوته ومؤمن بشخصيته حريص على حقه ولكنه فى الوقت نفسه متضامن أشد التضامن مع قبيلته. إذا مدح نفسه فإنما هو يمدحها من حيث هى فرد من أفراد القبيلة، وإذا ذم فردا من الأفراد فإنما يذمه من حيث هو فرد من أفراد القبيلة، فالتضامن القبلى قائم بين الفرد وبين قبيلته أو بين أفراد القبيلة الواحدة كأقصى ما يكون التضامن وأقوى ما يكون التضامن. وهذا الشعر الحماسى يصور الفرد وهو راض عن قبيلته حين تبلى فتحسن البلاء وهو ساخط على قبيلته حين تصيبها الحوادث فلا تثبت لها. فهذا شاعر يقول:

فدع نفسى وما ملكت يميني/ كوارث طبقت فيهم ظنوني

وهذا شاعر آخر يقول:

ولو أن قومى انطقتنى رماحهم/ نطقت ولكن الرماح اجراد

هذا شعر قد رضى عن قبيلته فهو يحمدها ويحمد نفسه أثناء حمده لها، وشاعر آخر قد سخط قبيلته فهو يعيبها ويعيب نفسه فيما يعيب قبيلته. وهو إذا مدح نفسه أو قبيلته فإنما يمدح بالشجاعة ويمدح بالكرم ويمدح بالبأس ويمدح بحسن لقاء الضيف وبحسن الصبر على البأس والعزاء وما يتصل بهذه الأخلاق من وفاء بالعهد وبر بالوعد وامتناع عن الدنيات واباء بما لا يليق بالرجل الكريم.

مهما تقرءون من شعر شعراء العرب فى العصر الجاهلى ومن شعر الشعراء المتعصبين لقبائلهم فى العصر الإسلامى فستجدون دائما هذه الخصال، خصال الشجاعة والنجدة والبأس والكرم والجود والوفاء والاباء وما إلى ذلك. ستجدون هذه الخصال تصور صورا مختلفة ولكنها كلها صور جميلة. وتصور هذه الصور فترسم لنا النفس العربية فى كل خصلة من هذه الخصال وترسم لنا نفس القبيلة مجتمعة ومتفرقة فى هذه الخصال نفسها. وهى من الناحية مرآة صادقة جميلة ترى فيها العربية القديمة. ثم لا نكاد نقرأ الشعر نفسه فى هذا العصر حتى نرى فيه نفسنا أو على أقل تقدير نرى فيه المثل العليا التى يتمثلها كل واحد منا لما يجب أن يكون عليه هو لما يجب أن تكون عليه أمته ولما يجب أن تكون عليه البيئة التى يعيش فيها.

فإذا قرأنا شعر طرفة أو شعر امرئ القيس فى وصف نفسه وفى وصف قومه فما أسرع ما نجد أنفسنا وآمالنا وميولنا فى هذا الشعر وما أسرع ما يحس كل واحد منا أن هذا الشاعر لا يتحدث عنا نحن. وما أسرع ما نتمثل بهذا الشعر الذى نقرؤه. وما أسرع ما نجد أنفسنا فيه كما نجد أنفسنا فيما نقرأ من شعر الشعراء المعاصرين. بل ربما وجدنا أنفسنا فى ذلك الشعر القديم أكثر مما نجدها فى شعر المعاصرين.

أكان ذلك لأن هذا الشعر بلغ من القوة والروعة واستحقاق الخلود ما جعله مصورا للأزمنة والأمكنة العربية جميعا؟ أم كان ذلك لأن نفوسنا نحن ما زالت قديمة متأثرة بذلك الشعر القديم وبحياتنا العربية القديمة ولم تبلغ بعد أن تتأثر بالحياة الحديثة هذا التأثر الذى يبعدها من القديم بعدا شديدا؟

أما أنا فأعتقد أن مصدر ذلك الأمران معا. فنحن مهما تختلف علينا العصور ومهما تتطور لا نزال متأثرين بحياتنا العربية القديمة. وشعرنا العربى القديم رائع مستحق للخلود. فاجتماع هذين الأمرين هو الذى يصورنا فى هذا الشعر القديم.

الحديث الثانى

رأيتم فى الحديث الأول أن الشعر الحماسى العربى فى العصر الجاهلى وفى العصر الإسلامى يصور عصبية الأمة العربية، وما كان بين الفرد والقبيلة من صلة وهو يصور النفس العربية والخلق العربى فى سذاجتهما الأولى، وفى طبيعتهما الأولى أيضا. أما اللون الثانى الذى أريد أن أحدثكم عنه الآن، فهو لون الحماسة العربية للرأى والمبدأ، وهو الذى أسميه بالحماسة الحزبية. فقد تعلمون أن الإسلام غيّر من النفس العربية شيئا كثيرا وهو على كل حال أنشأ لها مثلا عليا لم تكن تعرفها من قبل، وهو قد دعاها إلى التفكير فى مسائل تتجاوز الفرد وتتجاوز القبيلة، بل تتجاوز الأمة العربية نفسها. دعاها إلى التفكير فى مسائل تمس الإنسان من حيث هو إنسان وتمس الإنسان من حيث العلاقة بينه وبين الله، ثم تمس الإنسان من حيث إنه قبل الدين الجديد. وكل هذه الأشياء دعت الأمة العربية إلى أن تفكر تفكيرا جديدا وإلى أن تشعر شعورا جديدا، وإلى أن يختلف تقديرها للأشياء والآراء. ولست فى حاجة إلى أن أبين لكم مقدار ما ظهر من الفرق بين الذين اعتنقوا الدين الجديد، والذين احتفظوا بوثنيتهم أيام النبي، حين ظهر الخلاف بينهم، وحين كانت الغزوات الإسلامية، وحين احتاج الشعراء المسلمون إلى أن يدافعوا عن إسلامهم، واحتاج الشعراء الآخرون إلى أن يدافعوا عن أحسابهم وعن وثنيتهم القديمة. فى هذا الشعر الإسلامى الأول الذى قاله شعراء كانوا جاهليين وأدركهم الإسلام وهم رجال، ظهر تأثير الإسلام وظهر التأثير بهذه الآراء الجديدة والمعانى التى تحدث بها الشعراء المتحمسون دفاعا دفاعا عن النبى ودفاعا عن الإسلام.

ولكن الأمر لم يكد يتقدم بالمسلمين ولم تكن تنشأ الطبقة الجديدة من الشعراء الإسلاميين الذين لم يدركوا العصر الجاهلي، حتى كان الشعور الإسلامى هو الأقوى، وحتى أخذ الشعور بالتقاليد والعادات الجاهلية يرجح شيئا فشيئا عند بعض هؤلاء الشعراء، وحتى جعلنا ننظر فى الشعر العربى الحماسى فإذا نحن أمام لونين من ألوان الشعراء: فريق حافظوا على التقاليد الجاهلية محافظة توشك أن تكون تامة لأنهم عاشوا فى بيئات بدوية فكان تأثرهم بالإسلام تأثرا ظاهرا غير عميق، يؤدون الفرائض ويطيعون القوانين ولكنهم يشعرون الشعور البدوى القديم كما كانت تشعر الناس من حولهم، وفريق آخر اندفع فى الحياة الإسلامية الجديدة اندفاعا تاما ووصلت هذه الحياة إلى أعماق نفسه، وإذا هو يناضل عنها أشد النضال ويجاهد فى سبيلها وإذا هو عضو من أعضاء هذا الحزب أو ذاك، متأثر بمبادئ هذا الحزب أو ذاك، وإذا حماسة عربية جديدة تنشأ ولم يكن للعرب بها عهد من قبل، وهى حماسة النضال عن الأحزاب السياسية والآراء السياسية والدينية. فإذا كنا نجد الحماسة العربية الجاهلية مصورة فى شعر الفرزدق وفى شعر جرير أحيانا، وفى شعر الأخطل، فإنا نجد هناك حماسة أخرى تصور فى شعر هؤلاء وفى شعر غيرهم من شعراء السياسة وهى الحماسة للمبادئ الجديدة التى تقوم عليها الأحزاب السياسية والدينية، فهناك شعراء يتحمسون لآراء الشيعة يدافعون عن على وأبناء علي، ويخاصمون بنى أمية أشد الخصومة، ولا يتحمسون للحرب من حيث هى حرب، ولا لعدوان هذه القبيلة ودفاع تلك القبيلة، ولكنهم يتحمسون لرأى بعينه من الآراء، رأى فى السياسة ورأى فى الدين، وهم لا يصفون السيف والرمح والترس والدرع من حيث هى أدوات للحرب فحسب، ولكنهم يصفونها من حيث هى أدوات للحرب التى تنصر هذا الرأى وتغلبه وتؤيده وتتيح لآله التفوق والحكم.

وهناك الشعراء الذين يتعصبون لمذهب آخر من المذاهب السياسية، كمذاهب الخوارج الذين يتحمسون لهذا المبدأ ويتحمسون فى وصف الحرب أشد تحمس وأقواه لكن لا من حيث هى حرب ولا من حيث أنها تنصر قبيلة على قبيلة أو فردا على فرد، بل من حيث أنها تنصر رأى الخوارج على رأى الشيعة وعلى رأى الجماعة من أنصار بنى أمية. ثم هناك الشعراء الذين يتحمسون لمبدأ بنى أمية أو لمبدأ الجماعة، والذين يدافعون عن السلطان الذى يرونه مشروعا سلطان بنى أمية. كل هؤلاء الشعراء يقولون شعرا حماسيا رائعا نرى فيه الصور الحماسية التى تمثل الصبر والشدة واحتمال الخطوب والنفوذ من الأحداث والكوارث، ولكنها لا تقصد بهذا الشعر نفس الأغراض التى كانت تقصد فى العصر الجاهلي، وإنما تقصد أن ينتصر رأى على رأى وأن ينتصر حزب على حزب وأن تنتصر سياسة على سياسة، وإذا فأمامنا نوعان من الشعر: شعر ما زال يتعصب للقبيلة ويصور العلاقة بين الفرد والقبيلة، كما كان الأمر فى العصر الجاهلي، وشعر تجاوز القبيلة وتجاوز الفرد وأخذ يتعصب للأحزاب مهما تكن القبائل التى تشترك فى هذه الأحزاب، فهو يهدر العصبية القديمة إهدارا تاما ويصور الرأى الجديد رأى الحزب الذى يتألف من قبائل ما كانت لتأتلف فى العصر الجاهلي. فالخوارج مثلا لا يعترفون بالقبيلة العربية وليس يعنيهم أن يكون أنصارهم من عدنان أو قحطان أو من العرب أو من الفرس أو من الروم ولكن الذى يعنيهم هو مبدؤهم الدينى والإخلاص للدين من حيث هو دين والانتصار للرأى من حيث هو رأي، مهما يكن المنتصرون لهذا الرأى من ناحية القبيلة أو من ناحية الأمة أو من ناحية الجنس. كل هذه الأشياء لا يعترف بها الخوارج كما لا يعترف بها الشيعة كما لا يعترف بها غير الخوارج والشيعة من الأحزاب السياسية التى كانت تختصم فى ذلك الوقت. وإذا فقد ارتقى الشعر العربى الحماسى ومضى خطوة بعيدة جدا فى سبيل هذا الرأي، فبعد أن كان شعر بيئة خاصا وشعر قبيلة خاصة وشعرا مقيدا بهذه العصبيات الضيقة الخاصة، أصبح شعر أحزاب أو أصبح شعر مبدأ وشعر رأي، وشعرا لا يتقيد بالزمان ولا بالمكان ولا بالجنس ولا بالقبيلة ولا بالأمة، وإنما يتقيد بالرأى من حيث هو رأي. وفى هذا الشعر الحزبى الذى تجاوز القبيلة والبيئة الخاصة يرتقى الشعر العربى إلى أن يصبح شعرا إنسانيا يصور العواطف الإنسانية من حيث هو عواطف إنسانية ويصور الانتصار للرأى من حيث هو انتصار للرأي. هذا الشاعر الخارجى الذى يعتذر عن قعوده عن الحرب فيقول:

لقد زاد الحياة إلى حبا

بناتى إنكن من الضعاف

أحاذر أن يذقن الفقر بعدي

وأن يشربن برقا بعد صاب

ولولا ذاك قد ذوبت مهدي

والرحمن للضعفاء كافي

هذا الشاعر لا يصور فردا عربيا ولا يصور فردا من هذه القبيلة أو تلك، ولكنه يصور فردا متعصبا لرأيه أشد التعصب حريصا كل الحرص على أن يقدم نفسه ضحية فى سبيل هذا الرأى ثم يمنعه من هذه التضحية شعور إنسانى ليس عربيا ولا قبليا ولا فرديا وهو الرحمة ببناته والإشفاق عليهن، سواء أكان من هذه القبيلة أو من تلك، من هذه الأمة أو من تلك.

وهذا الشاعر الخارجى الآخر الذى يقول:

لا يركنن أحد إلى الاحجام

يوم الوغى متخوفا لحمام

فلقد أرانى للرماح بريئة

من عن يمين مرة وأمام

حتى خضبت بما تحدر من دمى

أكتاف سرج أو عنان لجام

ثم انطلقت وقد أصبت ولم أصب

جزع الفصيلة قارح الأقدام

هذا الشاعر الخارجى الذى يقول هذا الشعر لا يفكر فى قبيلته ولا فى عربيته ولا فى بيئته التى يعيش فيها، وإنما يفكر فى إنسانيته وفى الدفاع عن رأيه من حيث هو إنسان له رأى وهو يطلب إلى الذين يسمعونه ألا يفكروا فى الإحجام عندما يجد الجد، وألا يخافوا الموت فإن الموت لا سبيل إلى اتقائه، وان الإنسان قد يتعرض للموت أشد التعرض ثم يخلص منه ولا يصيبه أذى، مع أنه كان واثقا كل الثقة بأنه لن ينفذ من هذه المشكلة ولن يفلت من هذا المقدور. وكذلك الشاعر الذى يصور آراء الشيعة ويدافع عن هذه الآراء، والذى يصور آراء بنى أمية ويدافع عنها والذى يصور آراء الزبيريين لا يفكر لا فى بيئته ولا فى قبيلته ولا فى نفسه من حيث هو متصل بهذه البيئة أو بهذه القبيلة وإنما يفكر فى شىء واحد وهو أنه إنسان عاقل حساس له رأيه وله حسه وينبغى أن يدافع عن رأيه وعن حسه فى هذه الحياة، إذا فالحياة فى نفس هذا الشاعر الخارجى أو الشيعى ارتفعت عن طبقتها فى اللون الأول وأصبحت حياة إنسان مفكر حساس يشارك الإنسان على اختلاف أجناسه وبيئاته بما يميزه من أنه مدنى بالطبع ومن أنه صاحب رأى ومن أنه يمتاز قبل كل شىء بالتضحية فى سبيل المبدأ والرأي.

فهذا اللون من الشعر الحماسى الجديد الذى ظهر بعد ظهور الإسلام والذى امتد أثناء القرن الأول إلى أواسط وأوائل القرن الثاني، يصور خطوة جديدة خطتها الأمة العربية فى سبيل تقدمها العقلى والشعورى والذهني، وهناك خطوة أخرى هى التى سأتحدث إليكم عنها فى حديث آخر.

الحديث الثالث

كلمة الحماسة معنى الشدة والبأس والصبر على المكاره والثبات فى الخطوب. ولقد فهمها العرب على هذا النحو عندما ألقوا هذا الاسم على الفن الشعرى الذى يتناول كل هذه المعاني. وقد تحدثت إليكم فى الحديثين الماضيين عن الشعر الحماسي، وعن الاتجاهات التى اتجه إليها أثناء العصر الجاهلى وأول العصر الإسلامي. وأريد فى هذا الحديث أن أصور لكم لونا من ألوان الحماسة العربية لم يعرفه العرب فى عصرهم الجاهلي، ولم يكادوا يعرفونه فى العصر الإسلامى الأول. ذلك أن الحماسة كما نراها فى الشعر الجاهلى وفى الشعر الذى قيل فى صدر الإسلام، إنما كانت متصلة بحياة الفرد من حيث هو فرد أو بحياة القبيلة من حيث هى قبيلة. فالشاعر إذا تحدث عن الشدائد وعن المكاره التى تعرض لها لم يزد على أن يصور الحرب وأهوالها والسفر وأخطاره وما منح من قوة وجلد واحتمال لهذه الخطوب. فهو مصور لنفسه مدافع عن نفسه، وقد يصور قبيلته وبأسها وشدتها فى الحرب ومضاءها فى الخصومات، فهو على كل حال لا يتجاوز هذه المعانى القديمة التى تمس الفرد وتمس الأسرة وتمس القبيلة.

أما فى العصر الإسلامى فقد نشأ لون جديد من ألوان الحماسة، وهو هذا الذى يصور الصبر على المكاره فى سبيل شىء غير الفرد وغير القبيلة، فى سبيل الرأى أولا وذلك عندما ظهر الخلاف بين المسلمين والمشركين أيام النبي. على أن المسلمين فى أيام النبى وفى أيام الخلفاء الراشدين شغلوا عن الشعر كما يقول القدماء بجمال القرآن وبهجته من ناحية، وبالحياة العملية العنيفة التى كانوا يحيونها من ناحية أخرى، وباتصالهم بالأمم الأجنبية التى كانوا يغزونها ويحاربونها من جهة ثالثة.

على أن القرن الأول للهجرة لم يكد ينتصف حتى ظهرت عند المسلمين ظاهرة لم تكن معروفة فى العصر الجاهلى ولا فى صدر الإسلام وهى ظاهرة الأحزاب السياسية التى أنشأتها الفتن والخصومات حول الخلافة. هذه الظاهرة التى جعلت للمسلمين أحزابا يرى كل منها رأيه الخاص فى المسائل السياسية والدينية والتى لم تنته بالأحزاب عند الجدال باللسان شعرا ونثرا فحسب، ولكنها انتهت بهم إلى الحرب وإلى الحرب المتصلة العنيفة، أنشأت فى العصر العربى حماسة خاصة. حماسة فى الدفاع عن الرأى السياسى دون عناية لا بالفرد ولا بالقبيلة ولا بالعصبية العربية من حيث هى عصبية كما كان الجاهليون وكما كان المسلمون فى الصدر الأول يتصورونها. فحماسة المسلمين للرأى للدين الجديد أيام النبى لم تخل من حماسة الأنصار للأنصار، وحماسة قريش لقريش، وتكاد الخصومة بين المسلمين والمشركين أيام النبى أن تكون خصومة بين الأنصار من جهة وبين قريش من جهة أخرى.

أما فى أيام الفتن فى عصر بنى أمية فإن المسلمين لم يدافعوا عن عصبيتهم فى هذا اللون الخاص من الحماسة، لا عن قريش ولا عن الأنصار، ولا عن بنى أمية ولا عن بنى فلان أو فلان من القبائل العربية وإنما كانوا يدافعون عن رأى سياسى أو عن رأى ديني. ومن هنا نستطيع أن نقول إن الشعر الحماسى الذى ورثناه عن العرب فى النصف الثانى من القرن الأول يصور رقيا بارعا ممتازا للعقلية العربية الإسلامية. فهى قد تجاوزت الفرد وتجاوزت العصبية العربية إلى الرأى السياسى وإلى الرأى الدينى ثم إلى المثل الأعلى فى السياسة وفى الدين، وربما كان حزب من هذه الأحزاب بعينه وهو حزب الخوارج أو حزب الشيعة أصدق تصويرا من كل شىء آخر لهذا اللون من الحماسة. فالخوارج الذين خاصموا الجماعة من المسلمين خاصموا عليا من جهة ومعاوية من جهة أخرى وتصوروا للعدل الاجتماعى من ناحية وللحياة الدينية الخالصة من ناحية أخرى مثلا أعلى لم يقرهم عليه غيرهم من المسلمين. هؤلاء الناس كانوا شديدى الاقتناع بمذهبهم السياسى وبرأيهم فى الدين، دفعهم هذا الاقتناع إلى التضحية فى النفس دون تحفظ ولا تحرج ولا احتياط.

وهذه التضحية أنشأت لهم فى رأيهم الدينى والسياسى شيئا يشبه أن يكون تصوفا وفناء فى المثل الأعلى من العدل والحق والدين والدفاع عن الحق من حيث هو حق فى غير ما تردد ولا مواربة ولا اصطناع للعاقبة فى شىء من الأشياء. ثم تصوروا مثلا أعلى آخر، وهو إلغاء الفروق بين المسلمين متى تم إسلامهم، فهم ألغوا عصبية القبائل وهم ألغوا عصبية الأمم وهم لم يفرقوا بين العربى والأعجمى موافقين فى ذلك أصول الإسلام، ولكنهم مخالفون الحقائق العملية للسياسة العربية الإسلامية فى ذلك الوقت. وربما كان هذا البيت من شعر شاعرهم عمران بين حطان يصور تصويرا تاما هذه البراءة من القومية العربية ومن العصبية القديمة:

ونحن بنو الإسلام والله ربنا

وأولى بنى الإسلام بالله ما شكر

فهو لا يعرف عربيا ولا أعجميا وهو لا يعرف عدنانيا ولا قحطانيا وإنما يعرف مسلما ومسلما ليس غير. هذه الفكرة الجديدة فكرة امتداد القومية إلى الدين لا إلى العصبية العربية التى دعا إليها الإسلام ودعا إليها القرآن فى صراحة، ولكن السياسة العملية للمسلمين لم تقرها إلا وقتا قصيرا فلم يكد ينشأ ملك بنى أمية حتى أصبحت الدولة عربية وانقسم الناس فى حقيقة الأمر إلى غالب ومغلوب. فأما الخوارج فهم لا يرون شيئا من هذا وإنما يرون الإسلام وحده الذى يكون الوطنية العربية أو يكون القومية الإسلامية الجديدة فى سبيل هذا المثل الأعلى فى الوطنية والقومية، وفى سبيل المثل العليا التى تصورها الخوارج للعدل وللحق وللمحافظة على أصول الدين فى غير احتياط. قال الشعراء من الخوارج شعرا حماسيا كثيرا رائعا ويكفى أن أروى لكم هذه الأبيات الثلاثة التى قيلت عندما قتل جماعة من الخوارج ولم يكن عددهم يتجاوز الأربعين وقد ثبتوا لألفين من جنود الدولة فهزموهم فأرسلت الدولة إليهم أربعة آلاف فثبتوا لهم ولم ينتصر عليهم جند الدولة إلا بالغدر حين طلب الخوارج – هؤلاء الأربعون – إلى خصومهم موابهة حتى تؤدى الصلاة فصلى جند الجماعة صلاة عاجلة وأبطأ الخوارج فى صلاتهم وانتهز جند الدولة هذا الإبطاء فقتلوا الخوارج غدرا. فيقول شاعر الخوارج لهؤلاء الجند:

أألفا مؤمن فيما زعتم

ويقتلكم بآفة أربعون

كذبتم ليس ذاك كما زعمتم

ولكن الخوارج مؤمنون

هم الفئة القليلة غير شك

على الفئة الكثيرة ينصرون

يشير إلى الآية الكريمة «كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله»، هذا الشعر الحماسى الذى يعنينا منه عند الخوارج وعند الشيعة وعند حزب آخر من أحزاب المسلمين هو حزب الزبيرية، هو أنه يصور رقيا فى العقلية العربية كما قلت يصور اندفاع العرب وتجاوزهم عما قد ورثوا من الدفاع عن الفرد أو عن القبيلة إلى الدفاع عن الرأي. ثم لا يكاد القرن الأول ينتهى حتى تتغير حياة المسلمين. وإذا غير العرب قد ظهروا على العرب. بقيام الدولة العباسية وإذا هذه الفكرة التى كان الخوارج يدافعون عنها وهى فكرة التسوية بين العربى وغير العربي، فكرة إعطاء الحقوق السياسية والاجتماعية للمسلمين جميعا، تنتصر ويظهر الفرس وقد ظفروا من الحقوق السياسية والاجتماعية بمثل ما ظفر به العرب وكانوا وزراء الدولة العربية العباسية ثم لا يكاد الأمر يستمر على هذه الحال حتى يظهر تسلط الفرس وإذا هم يظلمون العرب ويقهرونهم ويستأثرون من دونهم بالسلطان والملك وإذا هم ينتقمون لأنفسهم ويثأرون لها مما كان العرب يقدمونه إليهم أيام بنى أمية، وإذا الأمة الغالبة الفاتحة أصبحت أمة مغلوبة مقهورة، وإذا النزاع يتحول من نزاع بين العرب الغالبين والفرس المغلوبين إلى نزاع بين الفرس الظاهرين المنتصرين والعرب الذين أقصوا عن أماكنهم فى الدولة والذين أخذ منهم الملك وانتزع منهم السلطان انتزاعا، وهنا يتلون الشعر الحماسى العربى لونا جديدا لم يكن معروفا من قبل، وإذا الأمة العربية تشعر بعربيتها وتشعر بأن هذه العربية التى منحت الإسلام وأنشأت لهم الدولة الإسلامية قد ردت عن حقها وصدت عن سلطانها، فهى إذا تعطف على نفسها وتفكر فى ماضيها وتفكر فى مستقبلها وتريد أن تثأر لنفسها من الذين أقصوها عن الملك ومن الذين ردوها عن السلطان.

وهنا تنشأ هذه الحماسة العربية الجديدة التى تدافع لا عن الفرد ولا عن القبيلة كما كانت الحال فى العصر الجاهلي، والتى تدافع لا عن الحزب ولا عن مثل سياسى أعلى كما كانت الأحزاب الدينية فى العصر الإسلامى ولا عن مثل ديني، وإنما تدافع عن القومية العربية من حيث هى قومية عربية. وإذا الأمر يعود كما بدأت تقريبا وإذا الأمة العربية تمقت الأعاجم وتردهم باللسان حتى تستطيع أن تردهم بالسيف. وينشأ هذا الشعر العربى الحماسى الذى يصوره شعر المتنبى أبرع تصوير الذى يصور حياة الأمة العربية من حيث هى أمة والذى يفتح فى تاريخ الأمة الإسلامية بابا جديدا هو باب نشأة القوميات الخاصة ونشأة الوطنيات الخاصة وانحلال الأمة الإسلامية إلى أمة لا تتألف ممن اعتنقوا الإسلام فحسب، كما كان الخوارج يريدون، ولا تعتمد على العصبية القبلية كما كان العصر الجاهلى يريد، وإنما تتألف من الأمم التى تجمعها جنسياتها ولغاتها وبيئاتها ووطنها. فتنشأ فى القرن الرابع هذه القوميات الإسلامية، القومية المصرية فى مصر، والقومية العربية فى الشام وفى بلاد العرب، وعلى هذا النحو. وتتصور الحماسة العربية بهذه الصور التى تمثل الوطنيات تمثيلا يوشك أن يكون شبيها لما تتصوره فى العصر الجديد.

وأرجو أن تتاح لى الفرصة لأحدثكم عن هذه الحماسة الوطنية فى مرة أخرى.