مجلس شورى النواب.. البداية.. والنهاية صلاح عيسى   تحل هذا الأسبوع ذكرى مرور 150 عاما على افتتاح أول مجلس نيابى فى مصر والعالم العربى والشرق الأوسط، هو «مجلس شورى النواب»

مجلس شورى النواب.. البداية والنهاية

مجلس شورى النواب.. البداية.. والنهاية

صلاح عيسى

 

تحل هذا الأسبوع ذكرى مرور 150 عاما على افتتاح أول مجلس نيابى فى مصر والعالم العربى والشرق الأوسط، هو «مجلس شورى النواب» الذى أصدر الخديو إسماعيل (1830-1895) لائحة تأسيسه فى 22 أكتوبر 1866، وبعد أربعة أسابيع، أجريت خلالها الانتخابات، افتتح الخديو المجلس فى 19 نوفمبر من العام نفسه، لكن الذين نظموا احتفالية مرور 150 عاما على تأسيسه، اختاروا له تاريخا ثالثا، هو 9 و10 أكتوبر 2016، حتى يتواكب مع عقد جلسة مشتركة للبرلمانين العربى والإفريقي.

وكان وراء قرار الخديو إسماعيل بتأسيس هذا المجلس – الذى كان الخامس من نوعه على مستوى العالم – كما قال فى خطاب الافتتاح، رغبته فى استكمال الجهد الذى بذله جده «محمد علي» من أجل «تمدين البلاد وتكثير أسباب العمارية بأن تكون الأمور شورى بين الراعى والرعية» وأضاف المؤرخون سببا آخر لإنشاء هذا المجلس، هو إدراك الخديو، الذى كان قد بدأ يتوسع فى الاقتراض من البيوت المالية الأوروبية، لتمويل مشروعات التحديث الطموحة التى كان قد بدأ فى تنفيذها، أنه لا يستطيع أن يواصل العمل فيها، طالما هو يقترض بضمان ممتلكاته الشخصية، وأنه فى حاجة إلى دعم وتأييد أعيان المصريين من أصحاب الأراضي، ومياسير التجار ودافعى الضرائب، لكى يطمئن الدائنين بأن ما يقترضه هو ديون عامة، يقترضها المصريون، ويتعهدون بسداد أقساطها وفوائدها الباهظة من الموازنة العامة، وهو ما يتطلب إنشاء مجلس للشورى، ينتخبون أعضاءه ويتذاكرون فيه المنافع الداخلية، والآثار المفيدة، بما فى ذلك الموافقة على القروض الجديدة، وما قد يحتاج الخديو لاستدانته من الأهالى أنفسهم.

ولم تكن لائحة 1866 دستورا بالمعنى الذى عرفته مصر بعد ذلك، إذ خلت من أية مواد تتعلق بالحقوق والواجبات العامة، التى تكفلها الدساتير للمواطنين، أو تتعلق بتنظيم السلطات الثلاث التى تقوم عليها، بل كانت أقرب إلى قانون للانتخابات، ينظم طريقة إجرائها والشروط التى ينبغى أن تتوفر فيمن له حق الترشيح وحق الانتخاب، وتقصر سلطات المجلس نفسه، على بند واحد، هو أن يتداول فى الأمور التى ترى الحكومة أنها من اختصاصاته، ويبدى الرأى فيها، ثم يفرض ذلك كله على الحضرة الخديوية.

وقصرت اللائحة حق الترشيح والانتخاب على مشايخ البلاد، وحددت عدد أعضاء المجلس بما لا يزيد على 75 عضوا، يوزعون حسب تعداد السكان فى كل قسم إدارى من البلاد، بحيث يجتمع الناخبون فى ديوان عاصمة الإقليم ليختاروا فى اليوم المحدد للانتخاب العدد الذى يخصه من النواب.. وحرمت اللائحة موظفى الدولة فى السلكين المدنى والعسكرى والذين أعلن إفلاسهم أو حكم عليهم بالسجن من حق الترشيح والانتخاب.

فى الجلسة الافتتاحية للمجلس – التى عقدت يوم 19 نوفمبر عام 1866 – وصل النواب الذين فازوا فى الانتخابات مبكرين إلى مقر المجلس بديوان وزارة الأشغال، وتوزعوا داخل القاعة التى خصصت لاجتماعهم، فى انتظار وصول الجناب العالى الخديو ليلقى الخطبة الافتتاحية، وكانت تنقسم إلى قسمين بينهما ممر.. ودخل «محمد شريف باشا» – وزير الداخلية – إلى القاعة، لكى يطمئن إلى أن التعليمات التى أصدرها بشأن ترتيبات جلسة الافتتاح قد نفذت.. وبعد أن نبه المسئولين عن ذلك إلى بعض الأمور التى تحتاج إلى تعديل، لاحظ أن الكتلة الكبرى من النواب، يجلسون على مقاعد الجانب الأيسر من القاعة، فقال لهم إن المجالس النيابية الأوروبية، تنقسم دائما إلى كتلتين، إحداهما تضم نواب الأحزاب التى تؤيد الحكومة القائمة، وهؤلاء يجلسون على المقاعد التى تقع إلى يمين القاعة، بينما تضم الكتلة الثانية نواب الأحزاب التى تعارض الحكومة، وهم يجلسون على المقاعد التى تقع إلى يسار القاعة، وأنه يجدر بهم والحالة هذه، أن ينقسموا هم أيضا إلى كتلتين، واحدة مع الحكومة تجلس على اليمين، والثانية ضدها تجلس على مقاعد اليسار.

وما كاد شريف باشا ينتهى من ملاحظته، حتى هرول النواب الذين يجلسون على مقاعد اليسار، لكى يجدوا لهم مكانا فى مقاعد اليمين، وفى لحظات كانت مقاعد اليسار قد خلت من شاغليها، بينما تزاحم النواب جميعا للبحث عن مكان لهم فى جنة اليمين… وقال أحدهم: نحن جميعا عبيد أفندينا.. فكيف نعارض حكومته؟!

عاش هذا المجلس ثلاثة عشر عاما، ما بين عامى 1866 و1879، تجدد خلالها انتخابه بالطريقة نفسها مرة كل ثلاث سنوات، وظل عدد من أعضائه يحتفظون بمقاعدهم فيه لأكثر من دورة، اكتسبوا من خلالها خبرة نيابية، دفعتهم إلى معارضة بعض إجراءات الحكومة، وفى آخر دورة له، استصدرت الحكومة أمرا من الخديو بفض الدورة، بعد أن انتهت مدتها، وهى ثلاثة أشهر من كل عام، فرفض النواب تنفيذ القرار، وطالبوا بحق المجلس فى التصديق على القوانين قبل إصدارها خاصة ما يتعلق منها بالميزانية وبتسوية الديون، ولما أصرت الحكومة على فض الدورة، قال عبد السلام المويلحى باشا – عضو المجلس وشهبندر التجار – إن النواب لن يغادروا مقاعدهم إلا على أسنة الرماح، ليكرر بذلك عبارة شهيرة كان «ميرابو» – أحد زعماء الثورة الفرنسية – قد قالها حين حاولت الحكومة فض اجتماع الجمعية الوطنية أثناء الثورة.. وانضم الخديو إسماعيل إلى النواب الثائرين، إذ كان ممثلو الدائنين قد استلبوا سلطته، فقرر إقالة الحكومة، وكلف «شريف باشا» بتشكيل حكومة «من أعضاء أهليين مصريين يكونون مسئولين لدى مجلس الأمة الذى ستنظم طريقة انتخابه، وتقرر حقوقه على النحو الذى يكفل حقوق الأهالى».

وهكذا بدأ مجلس شورى النواب جلساته بهرولة النواب نحو مقاعد اليمين، وأنهاها بهرولة الحكومة نحو مقاعد اليسار!