بروفة جنرال   نورا أمين تكتُب عن الحرامى والعبيط   لم يؤثر فىّ عمل فنى بعد ثورة يناير ٢٠١١ وحتى الآن أكثر مما أثر فىّ فيلم “الحرامى والعبيط”، فمن ناحية

8855

بروفة جنرال

 

نورا أمين تكتُب عن

الحرامى والعبيط

 

لم يؤثر فىّ عمل فنى بعد ثورة يناير ٢٠١١ وحتى الآن أكثر مما أثر فىّ فيلم “الحرامى والعبيط”، فمن ناحية ظل للفيلم وقع شخصى على بسبب بطليه خالد صالح وخالد الصاوى -وهما من قدامى أصدقائى وزملائي- لاسيما وهما أيضا يمثلان دور صديقين فى الفيلم وقد كانا فى الواقع أقرب صديقين أحدهما للآخر، ومن ناحية أخرى كان الفيلم بالنسبة لى هو العمل الاهم الذى لم ينل ما يتستحقه من الاهتمام النقدى والإعلامى ناهيك عن الخفوت الجماهيرى الذى صاحب عرضه فى دور السينما.

إنه الفيلم الشجاع الذى يتحدث عن القضية الأكثر تفجرا فى العالم الآن وهى قضية تجارة الأعضاء البشرية. إن تجارة الأعضاءالبشرية ليست بالمسألة البسيطة أو الهينة فهى تحدث على نطاق واسع ولها مسارات محددة ورءوس أموال ورجال أعمال يديرونها. وتجارة الأعضاء البشرية ليست بعيدة عنا مطلقا فمصر تقع على خارطة مسارات تلك التجارة سواء من حيث اقتناص الضحايا أو من حيث بؤر إجراء الجراحات وعقد الصفقات. لقد شاهدنا كثيرا من تلك الحالات على شواطئ الإسكندرية، ونشرت المواقع الإخبارية صورا وتغطيات عن الجثث المفرغة التى يتم العثور عليها على مدار الأيام، كما تداولت مواقع التواصل الاجتماعى التحذيرات من عصابات اختطاف الأطفال والنساء. كشف “الحرامى والعبيط” مبكرا عن تلك التجارة بل كاد أن يشير إلى مواقعها وطرق تنفيذها، ومع ذلك ظل الجميع صامتا حتى تفاقم الوضع وأصبحت سيناء والإسكندرية على رأس بؤر تلك الجريمة الصارخة.

فى الفيلم يؤدى العظيم خالد صالح دور “العبيط” وهو رجل بلا مأوى ينام فى الشارع، مهلهل الثياب ويهذى بكلمات غير مفهومة، لكنه يبحث عن الطيبة والحنان، إنه يبدو أحيانا كطفل، وأحيانا كما لو كان يعانى صدمة نفسية أو فجيعة ما لكنه لم يتلق العلاج المناسب وشارف على فقدان الرغبة فى البقاء على قيد الحياة فألقى بنفسه فى الشارع لأنه الانتحار الأقرب ولأنه يستطيع هكذا أن ينسى نفسه وألمه، لكنه يظل بالنسبة لأهالى الحى شخصا “مجذوبا” أو مجنونا أو “بركة” على غرار الطرق المتنوعة التيتعمل بها ثقافتنا الشعبية تلك الحالات بدلا من علاجها بطريقة علمية. أما خالد الصاوى فيؤدى دور البلطجى الذى يرى فى الفريسة سهلة وورقة رابحة ببيعه لرجال تجارة الأعضاء البشرية أو تفريغه عضوا عضوا حتى يصبح خاويا تماما. يثق العبيط بالحرامى لأنه يأمن له ويعتقد أنه أصبح أخا له، يقيم فى منزله، ويحصل على رعاية وحنان يشعرانه بشيء من آدميته الغائبة، لكن كل ذلك ما هو إلا مجرد تكتيك لتسهيل الجريمة. وبالفعل تُجرى عدة عمليات للعبيط حتى يتم تفريغه من أهم أعضائه ويتحول إلى جثة تتنفس دون أن يدرك ما جرى له، وبينما هو فى حالة الوهن القصوى قبل الموت يتعلق بالحرامي، ذلك الذى قتله وباعه قطعا، إنه يتعلق بقاتله، ذلك الذى استغل ثقته ومحبته كى يفرغه من اعضائه. يبدو الحرامى فى تلك اللحظة كما لو كان الطيبة الوحيدة التى مرت فى حياة العبيط، تلك الطيبة التى دفع العبيط حياته ثمنا للحصول عليها ودون أن يدرك ودون أن يكون له خيار.

يمكننى أن أقرأ تلك الأحداث كما لو كانت تعكس سرديات الحُكم الديكتاتورى فى جميع أنحاء العالم والذى عادة ما يرتدى قناع الأبوية والحماية فارضا وصايته المسلحة وتعذيبه الممنهج، يمكننى أن أقرأها كما لو كانت تجسد الأنظمة الرأسمالية التى تتاجر فى مواطنيها وتعقد بهم صفقات أغذية مسرطنة ومسممة حتى يموتوا لتكسب هى ملايين الدولارات، لكنى أفضل قراءة الفيلم حرفيا وجذب انتباهكم من جديد لمافيا تجارة الأعضاء البشرية. إنها الرسالة التى أرادها صناع الفيلم، والرسالة الأساسية التى جعلت خالد صالح يمثل أفضل أدواره على الإطلاق فى هذا الفيلم، فقد كان يمثل الدور الأصعب فى حياته كممثل، وكان يمثل هدفا ساميا من أهدافه كمواطن ومن أهداف كل من آمنوا بالثورة ضد القهر والاستعباد، ألا وهو استعادة الكرامة الإنسانية، بل استعادة الآدمية. ويظل هذا الهدف هو الأكثر إلحاحا حتى الآن بعد أن توفى خالد منذ عامين ومرت ذكراه السنوية منذ بضعة أيام، هدف لا يتحقق بينما تظل أجساد النازحين والمهاجرين واللاجئين تظهر على سواحلنا بين الحين والآخر لتذكرنا بأننا ضالعون فى الذنب. رحمة الله عليك يا خالد.