على ما قُسم والسمك ألوان (3) محمد عبد النبي   قال النحات الإيطالي العظيم جياكوميتي، عندما كان يتسكّع شابًّا في شوارع روما: “أسير في الشوارع، فأرى مومسًا من بعيد في

والسمك ألوان (3)

على ما قُسم

والسمك ألوان (3)

محمد عبد النبي

 

قال النحات الإيطالي العظيم جياكوميتي، عندما كان يتسكّع شابًّا في شوارع روما: “أسير في الشوارع، فأرى مومسًا من بعيد في كامل ثيابها، فلا أرى إلّا مومسًا. وعندما تأتي إلى غرفتي وتتعرى أمامي، أرى إلهةً”. وهكذا أيضًا صور القدامى آلهتهم، عرايا أو شبه عرايا، عندما كان الجسد الإنساني هو أيقونة الخلق والجمال والتسامي، وقبل أن يقرّر المعلّم المرجوشي في فيلم مواطن ومخبر وحرامي، «داود عبد السيّد 2001»، أن يستر التمثال العاري بقطع ثياب داخلية ملونة.

حسب كتاب آلان دو بوتون، عزاءات الفلسفة، عندما وصل المستعمرون الإسبان والبرتغاليون إلى أمريكا الجنوبية اعتبروا السّكان الأصليين أفضل من الحيوانات بقدر طفيف، قال عنهم أحد الفرسان الكاثوليك: “ليسوا سوى وحوش بوجوه بشرية”. وزعم الوزير الكالفيني ريشيه أن “أذهانهم الفظة لا تميّز بين الخير والشر”. بل إن الطبيب لوران جوبير أكد، بعد فحصه خمس نسوة برازيليات، أنهن لا يحضن، وبذا فهن لا ينتمين تصنيفيًّا إلى العرق البشري.

حتّى مع صفاء العري إذنْ يبقى الزي الموحد مهيمنًا على عقل الإنسان، مجسدًا في اختلاف ألوان البشرة والشعر والعينين. كلّ من لا يشبهنا ليس إلّا بربريًّا. لم يكن إعلان السّكان الأصليين وحوشًا شبه بشرية إلا مقدّمةً منطقيةً لانتهاك كلّ حقوقهم، وإشعال النار في قراهم، وإطلاق الكلاب عليهم، وتمزيق نسائهم وأطفالهم، حتى بعد قتل الرجال. كم تبقى حتّى الآن من هذه الرؤية العنصرية؟  في كم موضع من العالم لا نزال نجد رواسب هذا الكابوس بدرجة أو بأخرى؟ التفجيرات الطائفية والعمليات الإرهابية ليستْ إلّا الصورة الأوضح على القتل بناءً على الاختلاف الذي لا ينتفع به لا القاتل ولا المقتول، بقدر ما يستغله من يديرون ساحة المعركة من وراء حجاب: صناع السّلاح، وراسمو الخرائط، ومنتجو أفلام نهاية العالم، ومصدّرو الأوهام. لعل أولئك هم أنفسهم من يروّجون لزيّ موحد جديد، يستوعب العالم كله، بشرقه وغربه، وعقله وجنونه، وبدنه وروحه، زيّ ينصهر فيه كل إنسان؛ ليصبح نسخةً مطابقةً للأصل، مطابقةً للمواصفات العالمية. والنبذ والتهميش والاستبعاد مصير كل من يجرؤ على التفكير في حق الاختلاف.

لم يكن قبول الآخر ومعانقته في أيّ لحظة من التاريخ مجرد رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل ضرورة نمو واطلّاع وحياة واكتشاف. وهو الآن على وجه الخصوص مسألة حياة أو موت؛ من أجل استمرار هذا النوع الإنساني البديع والمبدع والمجرم والمخبول معًا. أما أن يأكل بعضنا بعضًا حتى ينتهي آخر إنسان على وجه الأرض فاقتراحٌ آخر واردٌ، يؤيّده الكثيرون دون حتّى أن ينتبهوا، من موحّدي القياسات البشرية وصانعي برامج المسابقات وخبراء التسويق وعبدة الطاقة والسرعة والنفوذ.

في معرض حديث الشاعرة الأمريكية ذات الأصل الإفريقي مايا آنجلو عن السفر والتعرّف على الشّعوب الأخرى، قالت: “ربما لا يمكن للسفر أن يمنع التعصّب الأعمى، لكنه يظهر لنا كيف أن جميع الناس يبكون ويضحكون ويأكلون ويقلقون ويموتون، وقد ينتج عنه فكرة أننا إذا حاولنا وفهمنا بعضنا بعضًا، فربما نصبح أصدقاء”. لعل هذه هي مهمتنا الآن، حتى دون الابتعاد عن أماكننا، أن نمضى في الاتجاه المعاكس لرحلة الغزاة الإسبان والبرتغاليين، وما فعلوه مع السّكان الأصليين، أن نضع أيدينا كما تقترح مايا آنجلو على كل مشترك ممكن، وما أكثر المشتركات التي تجمع كل سكان هذا البحر الواحد من مخلوقات، دون أن نفرّط أو نستهين بلون وشكل وخصوصية أضعف وأصغر سمكة خلقها الله، ودون أن نذوب جميعًا بلا وعي في سبيكة شائهة الملامح ومهددة بأن تلتهم نفْسها في أيّ لحظة، تدريجيًا أو فجأة دون إنذار. هكذا نقطةٌ، فتنكسر المرايا ويصمت الحديث.