محمد عطية محمود يكتُب .. إعادة تشكيل الواقع فى «قصص تلعب مع العالم»   يبدو نمط التعامل مع نصوص المجموعة القصصية الثالثة لمحمد عبد الرحمن الفخراني، المعنونة بـ «قصص تلعب مع

999777

محمد عطية محمود يكتُب ..

إعادة تشكيل الواقع

فى «قصص تلعب مع العالم»

 

يبدو نمط التعامل مع نصوص المجموعة القصصية الثالثة لمحمد عبد الرحمن الفخراني، المعنونة بـ «قصص تلعب مع العالم»، والمسبوقة بمجموعتين قصصيتين لا تنفصلان عن النسق الإبداعى والفكرى لكاتب له ملامح متميزة لمشروع قصصى متكامل، انطلاقا من مجموعته التأسيسية «بنت ليل» التى رأينا فيها نموذجا متميزا، واختراقا لعالم جديد فى نص بعنوان «أربع برتقالات بطعم المطر»، دلالة على أصالة التجربة وبكارتها، واستمرارها كى تصل إلى نمط من أنماط الكتابة التى تلامس تخوم سحر الكتابة وسحر الواقع، فى مجموعته الثانية «قبل أن يعرف البحر اسمه»، ربما بالذهاب إلى اصطلاح الواقعية السحرية الذى قد تستدعيه بعض النماذج، أو تستدعيها بعضٌ من سمات تلك الواقعية كما وصفها المنظرون، من جانب أسطورى أو جانح إلى صنع أسطورة خاصة بالمكان والعالم الجديد الذى يراد إنتاجه من رحم واقع لا يتوقف عن طرح المزيد من المفارقات وضخ عوامل الاغتراب التى تجعل من الهروب منه أمرا بالغ الأهمية، وجدليا إلى حد صناعة واقع جديد مواز مشته، وهو ما يقربنا من ملمح آخر من ملامح الواقعية السحرية، وهو الملمح السريالي، بما يحمله من سمات ثورة التحولات التى تحدث فى الأدب المعاصر، فالنصوص هنا تتعامل مع الفانتازيا بشكل صريح لتعطى فى نتائجها واقعًا سحريًا جديدًا يعمل على ما يمكن أن نسميه إعادة لإنتاج هذا الواقع المراد تغييره أو الهروب منه، لتشكيل واقع أكثر اتساقا مع الطبيعة والحوارات معها التى تقترب من المنحى الميتافيزيقي، والتى تطرحها هذه الظواهر للحوار بينها من جهة فى بعض النماذج، وبينها وبين العنصر البشرى من جهة أخرى فى نماذج أخرى يختلط فيها البعدان الإنسانى والواقعى والرمزى المتخيل/ المصنوع من رحم تلك العلاقات .

633

«اللعب» وتأصيل الحالة النصية الممتدة

يبدو نص «اللعب» كمفتتح دال، ومؤثر، وكاشف لآلية الكتابة فى المجموعة من النصوص التى تدق باب غمار إنتاج هذا الواقع الجديد/ البديل، من جديد، من خلال مجموعة من المعانى والحواس والظواهر التى تلعب على وتر التقابلات، وما فيها من منحى فلسفى من خلال تلك العلاقات الثنائية من جهة، والعلاقات الأخرى مع المعانى والحواس والظواهر الأخرى من جهة أخرى، مما يدفع بنا فى اتجاه كتابة تستدعى الفانتازيا لخلق هذا العالم الموازى لتلك الكائنات المعنوية/ اللامرئية التى تكتسب مسحة الوجود الإنسانى الشفيف الملموس من خلال تلك العلاقات:

««نور» فى حجرته المشتركة مع «ظلام»، وكل منهما يعدل تسريحة شعره أكثر من مرة، ويجرب قطعة ملابس ثم يخلعها ليجرب أخرى، ولا يقلقهما أنهما يستعملان نفس الأشياء، وكثيرا ما يرغبان فى فعل نفس الشيء فى وقت واحد» ص7

ذلك المفهوم/ النسق الذى يمتد فى نصوص المجموعة على نحو ما يشتبك مع هذا الطرح الإبداعي، لكن قد يبدو فيه عنصر الزمن بنسق مغاير، وبفعاليات مختلفة لظواهر أخرى من ظواهر الكون والطبيعة والوجود الإنساني، تلعب على نسق الحالة العامة، لكن تحتفظ دوما بخصوصية جديدة، تجدل العلاقات المتشابكة بين تلك الظواهر، وقد تشتبك مع الواقع الإنسانى المتاح، كما يبدو من نموذج «كمنجة تعزف غير مبالية بشيء»، حيث يقدم العنوان هنا طرحا لمفردة الكمنجة أو الآلة التى تعزف، وارتباطها بعدم المبالاة، ربما بشقه الإيجابي، غير المتأثر بما يحدث حولها، ولا يخفى هنا فعل الأنسنة الذى يسبغ على الجماد سمة إنسانية الحس والطبع البشري/ الإنسانى لكل ما فيه روح وكيان قادر على تحديد مصيره، والذى يقابله هنا باللامبالاة الرافضة، ولا شك أن هذه الجدلية الجديدة/ التنوع الجدلى الذى تثيره نصوص المجموعة، قد آنس الجانب الفلسفى إضافة إلى الجانب الجمالى لعملية التفاعل بين الكائنات التى تحولت هنا إلى مزيج من العلاقات المتشابكة على نحو مغاير لما جاء بالنموذج السابق «اللعبة»، وحيث تتوافر هنا لهذا النص عدة عوامل تميزه من ناحية الأهمية الموضوعية أو البنائية للمجموعة له عبر مدار النصوص، وكركيزة أخرى من سمات التعامل النصى مع الحالة سواء على مستوى التخييل والفن الخالص أو على مستوى الواقع الذى يرفد هذا النص بجوانب عدة منه.

«مراوغة هى كلمة «العالم»، ولعوب، فالعالم الذى يستيقظ هنا، يراوغه عالم آخر فى مكان ما يستعد للنوم، والاثنان يسمعان صوت عالم ثالث يترنح تعبا أو متعة، وبعيدا عنهم أو ربما قريبا منهم عالم يواصل اللعب» ص63

تلك التصنيفات التى يختلط فيه الواقعى بالخيالي، ينتقل بها التعبير إلى نطاق أكبر يشمل فلسفة الوجود، كمفردة لا تتوقف عن البحث، حتى تعاود بحثا جديدا عن صياغات جديدة ومتجددة على مدار فترات اليوم الذى يقسمه الوقت والظواهر اليومية من ليل ونهار وشروق وغروب وحركة كواكب وشموس وأقمار، هى الدائرة فى فلك هذا الوجود اللامتناهي، يدخلها النص هنا أيضا فى نطاق اللعب الذى لا يتوقف هو أيضا تبعا لكل تلك الحركات المطردة للكون فى دورانه.. يقرنه هنا النص بالبعد الإنسانى الذى يعود إليه أصل كل العلاقات والغاية نفسها من الكتابة، مع تلك الحركة الحيوية الملتحفة بالجو الفانتازي، بتلك المسحة السحرية أيضا التى تستوعب كل الظواهر والموجودات من حولها تأثرا وتأثيرا؛ فالعالم الكبير يبدأ دوما من تلك التفاصيل الصغيرة والمنمنمات التى تسير فى أفلاك وجوده البشري..

لتتحقق للعب سرمديته وشرعية وجوده فى تشكيل العالم وتغيير أوجهه التى تنزع دوما نحو الإدبار والتولى والتفلت وعدم الاستقرار والدوام، والتى تمثل بمشروعية وجودها شرعية هذا التشكيل..