د.محمد ماهر بسيوني يكتُب بيت حافل بالمجانين حوارات «باريس ريفيو» مع نخبة من الكتاب العالميين   لطالما تواطأ النقاد على استبعاد المبدعين من مجال النقد الأدبي، خاصة فى حالة حديثهم

%d8%a8%d9%8a%d8%aa-%d8%ad%d8%a7%d9%81%d9%84-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d8%a7%d9%86%d9%8a%d9%86

bbbaaa

د.محمد ماهر بسيوني يكتُب

بيت حافل بالمجانين

حوارات «باريس ريفيو» مع نخبة من الكتاب العالميين

 

لطالما تواطأ النقاد على استبعاد المبدعين من مجال النقد الأدبي، خاصة فى حالة حديثهم عن أعمالهم، وغالبا ما يتم إهمال آراء المبدعين فى نصوصهم أو فى مجال النوع الأدبى الذى يكتبونه. وما زلت أذكر استنكار أحد أساتذتى المناقشين لرسالتى للماجستير حول الأعمال الروائية للروائى المصرى «صنع الله إبراهيم»، لاستشهادى بنص غير روائى قاله «صنع الله إبراهيم» فى محفل أدبي، يشرح فيه رؤيته حول رواية من رواياته، للتدليل على رؤيتى النقدية لهذه الرواية. وقد طالبنى أستاذى الفاضل بعدم الالتفات لرأى الأديب فى نتاجه الأدبي، والاكتفاء بتحليل النص بمعزل عن صاحبه.

%d8%a8%d9%8a%d9%8a%d9%8a%d8%aa

وعلى الرغم من أن لهذا الرأى وجاهته، الذى يتقاطع مع مناهج نقدية بعينها، وعلى الرغم من اتفاقى مع أن النص له أفقه الفسيح، الذى لا يجب الحد منه، فإن هذا الرأى – من وجهة نظرى – يفوت علينا استبصارا عميقا بالأعمال الأدبية، وبآليات إنتاج النص ونوعه الأدبي، وتقنيات الكتابة الغامضة، وطقوسها الخفية.

لا أقول إن رأى الكاتب أو الأديب هو الرأى النهائى والوحيد الذى ينغلق بعده باب التحليل النقدى لأعماله، بل أقول ينبغى أن يؤخذ هذا القول فى الحسبان، وأن يكون أحد عناصر التحليل النقدي، كما أن آراء الكتاب فى مكونات النوع الأدبى أو آلية إنتاج النص هى كنزهم الخفى الذى يلهم التنقيب عنه الكاتب فى ابتكار طرائق جديدة للإبداع، كما يلهم الناقد فى إعداد ذخيرة نقدية ناجعة.

من هنا تنبع أهمية كتاب «بيت حافل بالمجانين»، والذى يضم مجموعة من الحوارات المختارة مع كبار الكتاب العالميين، أجرتها معهم مجلة «باريس ريفيو»، وترجمها وقدم لها الشاعر والروائى والمترجم «أحمد الشافعي»، الذى أثرى المكتبة العربية بروايتي: «الخالق»، و«رحلة سوسو»، وديوانين شعريين هما: «وقصائد أخرى»، و«طريق جانبى ينتهى بنافورة». إلى جانب ترجماته العديدة فى مجالات الشعر والرواية والاقتصاد.

أحمد شافعي

أحمد شافعي

 

يختار «أحمد شافعي» من حوارات مجلة «باريس ريفيو» تسعة حوارات لكتاب عالميين، هم  – بترتيب ورود حواراتهم فى الكتاب: «إرنست همنجواي»، «هنرى ميلر»، «خورخى لويس بورخيس»، «كارلوس فوينتس»، «ميلان كونديرا»، «نجيب محفوظ»، «بول أوستر»، «سوزان سونتاج»، «أمبرتو إكو»، إلى جانب تصدير بقلم الروائى التركى الحاصل على جائزة «نوبل» للآداب «أورهان باموق»، وكانت آلية اختياره هى أن يكون الكاتب مفضلا لديه، أو حسب تعبيره فى مقدمة الكتاب: «بنزق القارئ تعاملت مع هذه الحوارات».

يمكننا تقسيم الكتاب عدة تقسيمات، فحسب الجنسية سنجد أربعة أمريكيين، وثلاثة من أوروبا – إذا أضفنا أورهان باموق – واثنين من أمريكا اللاتينية، وعربيا واحدا. والجميع كتاب سرديون، وإن وجدنا منهم مَن مجاله الرئيسى هو النقد – «إكو» و«سونتاج» – ومن مجاله الرئيسى هو الشعر – بورخيس وإن عرف أيضا كمسرحى وناقد وكاتب قصة قصيرة – وهى دلالة شديدة العمق على تسيد الأنواع السردية – الرواية والقصة القصيرة – فى عقود النصف الثانى من القرن العشرين التى تنتمى إليها هذه الحوارات.

سوف يجد القراء متعددو الأمزجة ضالتهم فى هذه الحوارات المختارة.

فمن يبحث عن العادات الغريبة للكتابة، ومخاوفهم، بل أفعالهم البسيطة، سوف يجد مثلا ما يفعله «همنجواي»، إذ لا يكتب إلا واقفا، منتعلا حذاءين واسعين فوق جلد الوعل القديم، بينما الآلة الكاتبة ولوحة القراءة على ارتفاع صدر فى مواجهته، بادئا مشاريعه الكتابية الجديدة بقلم رصاص يكتب به على ورق الآلة الكاتبة الشفاف مستندا إلى لوح القراءة.

والكاتب الناشئ – وهل من كاتب ليس ناشئا حقا؟ – سوف يتعرف على العديد من النصائح المبثوثة على ألسنة الكتاب فى إجاباتهم عن أسئلة يطرحها محاورون ملمون، ليس فقط بعوالم كتابهم، بل يتمتعون بثقافة موسوعية، تسمح لهم أحيانا بتصحيح أخطاء يقع فيها الكتاب أثناء حديثهم عن أنفسهم أو عن غيرهم من الأدباء، كما هو الحال مع محاور «بورخيس»، الذى صحح له كثيرا من سهو الذاكرة المتعبة لشيخ شبه أعمى.

فالنصيحة بالعزلة هى أيقونة جميع الكتاب الذين شملتهم الحوارات المختارة، فـ«باموق» يقضى أربع سنوات فى شقة مطلة على البوسفور، جالسا فى غرفة خلفية، محاطا بالكتب، مدخنا بلا انقطاع، يجاهد كى ينتهى من روايته الأولى، بعد أن ترك كلية العمارة، كى يغلق بابه على نفسه فى بيته. ويعلن «همنجواي» غضبه على التليفون والزوار، ناعتا إياهم بمخربى العمل، معلنا بأسى: «كلما توغلت فى الكتابة صرت أكثر وحدة». وتصرح «سونتاج» فى إحباط: «الكتابة تستوجب قدرا هائلا من العزلة».

كما تبدو السيادة على الوقت نصيحة أخرى من نصائح الكتاب، فطبقا لرأى «همنجواي»: «محاولة كتابة شيء ذى قيمة دائمة وظيفة تقتضى التفرغ التام، حتى إذا كنت لا تقضى فى الكتابة الفعلية إلا سويعات كل يوم». و«كارلوس فوينتس» كان مستحيلا أن يكتب خلال سنوات عمله الدبلوماسى سفيرا للمكسيك فى فرنسا، ولم يعد للكتابة إلا بعدما ترك عمله الحكومي؛ لأنه يشتت النفس، بينما – حسب قوله: «الكتابة تستوجب تركيز الكاتب، تستوجب عدم القيام بشيء سواها». بينما يذكر «نجيب محفوظ» أنه بسبب هاجس السيادة على الوقت قد تأخر فى اتخاذ قرار الزواج. كما أن «إكو» يفرق بين زمنين للكتابة؛ زمن وجوده فى بيته الريفي، إذ تكون له سيادة على وقته تسمح له بروتين منتظم من الكتابة، بينما فى شقة ميلانو، وجامعته لا يكون هو السيد على وقته، إذ يقرر له الآخرون ما ينبغى عليه أن يفعله.

أما النقاد فسيجدون كنزا تُشرع أبواب الوصول إليه دون جهد، ما يسمح لهم بإغناء رؤاهم النقدية حول الأعمال الأدبية للكتاب، وحول الأنواع الأدبية التى يكتبون من خلالها، فسوف يجدون فى آراء الكتاب مشتركات كثيرة تجمع بينهم وخصوصيات متنوعة يتفرد بها كل كاتب منهم، وسوف يتعرفون بشكل أدق على كيمياء الإبداع الأدبى وتفاعلاته الفوارة، كما يرصدون تقنيات الكتابة التى يعد النص الأدبى هو تجليها الأخير.

فالحوارات تلفت انتباهنا إلى الصلات الخفية بين الكتابة والأنواع الفنية الموسيقية والبصرية، فـ«سونتاج» تصرح بأن ما حول كتابتها السردية من الوعى الفردى – المكتوب بصيغة المتكلم – إلى سرديات بوليفونية – متعددة الأصوات، هو البناء الذى استعارته من موسيقا «هيندميث»، كما تم صبغ كتابتها بطريقة العازف «شنابل» فى عزف موسيقى «بيتهوفن»، و«جلين جولد» فى عزف «باخ»، و«وميتسوكو أوتشيدا» فى عزف «موتسارت»، كما تعلن أن المخرج الفرنسى الشهير «جودار» كان غذاء أساسيا لحساسيتها، ما جعلها تفكر فى نهاية رواياتها تفكيرا سينمائيا. و«بول أوستر» استخدم الرسم فى اثنين من كتبه المبكرة: الخرائط فى «مدينة الزجاج»، والتخطيط البيانى فى «مستر فرتيجو»، كما أدرج صورتين فوتوغرافيتين فى روايته «ليلة التنبؤ». ويلخص «كونديرا» هدفه الروائى فى أن يخلص الرواية من أتوماتيكية التكنيك الروائي، من المكلمة الروائية، فى محاكاة لإصرار المؤلف الموسيقى التشيكى «ليوس جاناسيك» على تجريد الموسيقى من كل ما هو غير ضروري. و«همنجواي» يعد الموسيقى النمساوى «موتسارت»، والرسامين: «جويا»، و«فان جوخ»، و«جوجان» ضمن أسلافه الأدبيين.

ختاما، يمكننا القول إن هذا الكتاب هو أشبه ما يكون بحفل موسيقى متعدد الفقرات، يجد فيه كل متحمس لنوع معين من الأنغام ذائقته، وستمتلئ الفراغات تحت سطوره بالخطوط، وهوامشه بالتعليقات والحواشي.

…………………………………………..

محمد ماهر بسيوني

باحث أكاديمى وناقد أدبى وفنى