على حسان من “مراسم سيوة“ إلى “ملتقى البرلس الدولى“ الطبيعة تغنى بلمسة  الواقعية الأسمى  “السوبر رياليزم “   بقلم : صلاح بيصار   الفنان على حسان..  من بداية رحلته مع

9955

على حسان من “مراسم سيوة“ إلى “ملتقى البرلس الدولى“

الطبيعة تغنى بلمسة  الواقعية الأسمى  “السوبر رياليزم “

 

بقلم : صلاح بيصار

 

الفنان على حسان..  من بداية رحلته مع الابداع وهو يتألق بلمسته الخاصة..  وكلما امتد الزمن زاد تألقا فى لوحة التصوير.. تلك اللوحة التى تغنى فيها الطبيعة والبشر والكائنات وحتى الاشياء فى فضاءات تصويرية  تنتمى للواقعية الاسمى “ السوبر رياليزم”.. وهو اتجاه ظهر فى النصف الثانى من الستينات مع ثورة مابعد الحداثة واسفر عن لوحات وتماثيل ملونة اكثر واقعية من الواقع وتنتمى فى نفس الوقت الى فلسفة وفكر حديث.. وهنا يصور حسان روح الواقع بواقعية جديدة تنتمى لتعبيريته واحساسه الشخصى ونظرته للصور البصرية التى تتراءى  عموما فيما حولنا.. والجميل هنا وعيه  الشديد وحساسيته واستمراره فى تعميق هذا الاتجاه المفاهيمى الذى يجعل للابداع معنى ومفهوما وفلسفة.. وقد جاءت احدث اعماله مشاركة فى ملتقى مراسم سيوة 2016 والذى شارك فيه مجموعة من الفنانين والفنانات عرضت اعمالهم بقاعة الهناجر.. وهو حاليا يشارك فى ملتقى البرلس الدولى الذى بدات فعالياته هذا الاسبوع..  وكان لنا هذا اللقاء مع عالمه”

الفنون الجميلة

التحق الفنان على حسان بالفنون الجميلة بالقاهرة قسم التصوير عام 1993 وكانت مراحل الدراسة الاولى ككل دارسى الفن مرتكزة على الدراسة الاكاديمية واستيعاب لغة وابجديات وادوات التصوير حتى تتأكد رؤاه التشكيلية والبحث عن معنى.. وفى مشروع التخرج جاءت نظرته الانسانية لشريحة من المجتمع : مرضى الحجر الصحى هؤلاء الذين يتم عزلهم وعكس مشاعره واحاسيسة مجسدا هذا العالم فى لوحة صرحية متسعة مقاس 250 سم بارتفاع 210 ومتأثرا بشكل بالغ ببعض الروايات عنهم والتى اهتز لها ومسته بعمق وكانت بالنسبة له علامة على وهن الكيان العام.. وبعد التخرج شارك بالمعرض القومى بقصر الفنون عام 1998 ومع رحلته فى البحث عن شخصيته الفنية وسط تنوع وثراء اتجاهات الحداثة.. بدأ اهتمامه الاول بالفن البريطانى خاصة جماعة نادى الفن الانجليزى الجديد التى مثلت تيار الانطباعية فى بريطانيا والتى تختلف عن صخب لمسات الانطباعية الفرنسية. ففيها روح واقعية اكثر مع دقة التأكيد على الشكل واستحضار روح المنظر الانجليزى  وكذلك مدرسة نيولن الايرلندية والاهتمام بتامل اعمال رسامى المناظر الطبيعية خصوصا الفنان “هنرى هربرت لاتانج“ الذى صور حركة الحياة فى الريف ومواسم الجنى والحصاد ومناظر الطبيعة الحافلة بالفلاحين والعربات التى تجرها الخيول.. مما اسس ورسخ لديه الاتجاه لتصوير حياة البسطاء وكذلك التركيز على رسم المناظر الطبيعية .

هو و “السوبر ريالزم“

“السوبر رياليزم“ او الواقعية الاسمى هو اتجاه ظهر فى الثلث الاخير من القرن العشرين مع ثورة ما بعد الحداثة المرتبطة بثورة الاتصالات.. وهو يعنى تناول الواقعية.. بواقعية اخرى جديدة فى التصوير والنحت وهى واقعية تنتمى لروح الفنان واحساسه الشخصى تجاه ما حوله من اشياء بدءا من مناظر الطبيعة الى مفردات وعناصر الحياة كما فى فن البورتريه “الصورة الشخصية“  والطبيعة الصامتة..  والفنان هنا حين يضيف بعدا جديدا للاشياء فقد يتجاوز الملمس الطبيعى الى ملامس اخرى كما يتجاوز اللون الى افاق جديدة بالاضافة الى اختيار زاوية التصوير وحركة العناصر داخل المشهد عموما وهذا ينطبق ايضا على فن النحت او الاشكال المجسمة.

وهناك  بعض الفنانين الذين ينتمون لهذا الاتجاه او تلك النزعة التى قد تبدو مغلفة احيانا بروح سريالية وفى احيان اخرى روح تعبيرية مفعمة بذاتية الفنان.. ومن بين اهم فنانى السوبر رياليزم الفنان الاسترالى “رون مويك “ والذى يجسد من خلال تماثيله العملاقة العديد من المشاعر المتباينة من حالات الوجوم والخوف والقلق والحزن  الداخلى مصورا شخصيات منزوية وعجائز يبحثون عن الدفء الانسانى وشخصيات فى حالات تتجاوز الواقع كما فى تشكيله “ العارية والحطب “ وشخصيات “رون“ قريبة جدا من الواقع فى ملامس الجلد والشعر الذى يكون حقيقيا بالفعل “ طبيعى او مستعار “  لكن تختلف فى حالاتها وافاقها الانسانية التى تمثل علامة على العزلة والانزواء وايضا الصور المتناقضة كان نرى عجوزا تحمل وليدا عاريا وكأنه وليدها وان نجد عجوزا عاريا كما ولدته امه منزويا فى ركن من القاعة.. وطفل مستلق على منضدة بوجه مغضن ملىء  بالتجاعيد.. والمرأة الحامل والشاب الجريح والاب الميت.. وهى اعمال  مجسمة مدهشة فى احداث تلك الحالة التى تتقمص الواقع فى التشكيل بدراما جديدة .

وايضا الفنان الاسبانى “بيدرو كامبوس“ صاحب لوحات علب الكوكاكولا “الكانز“والذى يحيطها بالبلاستيك الشفاف.. والاوعية الزجاجية الشفافة التى تحتوى على حبات الملبس الملونة  واكواب الزجاج.. وهو صاحب لوحات الكريز والتفاح يحيطها ايضا بوسط من البلاستيك الشفاف ومن يتأمل اعماله يتصور انها بالفوتوغرافيا لكنها فى الحقيقة تنتمى للتصوير الزيتى.

وهذا على سبيل المثال فقط.. فهناك الكثير من فنانى “السوبر ريا ليزم” وكل فنان له عالمه الذى ينساب بقوة الاداء وثراء الملمس وتنوع الايقاع من حالة الى حالة.

ولقد كان نهج الفنان على حسان فى “السوبررياليزم“ فى البداية من خلال الطبيعة الصامتة التى تمثلت فى علب الكرتون التى تشبه الادراج وقد اختار لها ان تكون فى حالة من الحوار رغم الصمت والسكون الباديين عليها.. الحوار الناتج من هذا التجاور بين الرأسى والافقى من خلال الملامس والمنظومات اللونية من الابيض والبنى والازرق والكحلى..  وله تكوين من اوراق مبعثرة او ما يوحى بقصاقيص بيضاء وراديو مع حبات المكسرات المتباعدة  فى مشهد غريب ومختلف عن المألوف والمعتاد  بنظرة واقعية خاصة فى: التكوين والتنسيق  والملامس وحتى اللون الذى امتد فى منظومات جديدة وجسد من خلالها ابعاد وافاقا درامية من الابيض والبنى الداكن  والبيج على خلفية من الرمادى..  ثم انتقل الى تصوير الطبيعة من خلال زاوية قطع على بعض الواجهات ذات النوافذ مع ما حولها من تفاصيل صغيرة مثل احبال الغسيل واعمدة الكهرباء وكانت متغيراته هنا فى اللون الذى يشدو فى تركيبات حداثية جديدة من الروز والبرتقالى والاخضر الزيتونى والابيض الجيرى  مع احكام التكوين الذى يمتد فى سطوح هندسية .

وعندما انطلق الى الطبيعة وكان ذلك بعد تعيينه  بكلية الفنون الجميلة ضمن هيئة التدريس  بالاقصر كما يقول: “كانت نقطة تحول بالنسبى لى فقد حولت الرؤية الرأسية للمنظر الطبيعى فى القاهرة الى رؤية افقية ناتجة عن المساحات الشاسعة للحقول الخضراء وكان معرضى الاول عام 2009 بقاعة خان المغربى حول  حقول المدامود بالقرية التى تحمل نفس الاسم.. وجذبنى اليها تفردها المتناغم بين المساحات الصحراوية التى تتخللها مساحات خضراء فى تركيبات معمارية افقية بديعة..  وجاء معرضى الشخصى الثانى الذى اقيم بعنوان “متتالية الارض“فى قاعة نهضة مصر بمتحف محمود مختار وهو يمثل بالنسبة لى حالة الحصاد للعمل المتواصل خلال السنوات السابقة  وكانت اخر التجربة الاستمرار فى تناول المنظر الطبيعى فى مصر مع مناظر من حلايب وشلاتين ومرسى مطروح“.

فى معرضه “حقول مدامود“ بالاقصر.. انطلق  بهذا السحر الكونى والصفاء الروحى مستعيرا روح المكان والزمان: مشاهد من الحقول دون اغفال التفاصيل   فى تدرجات لونية تسر الناظرين تلتقى مع معنى الفن وعلاقته بالمتعة البصرية نشم فيها رائحة الخضرة المزدهرة.. ونتأمل القش الجاف فى اوقات الحصاد ونسمع همس الهواء يتخلل النبات ولون الارض التى تفرق المساحات الخضراء.. وفوق كل ذلك  معنى ان ننتشى ونتفاءل ويزداد انشراحنا  بالصورة فى عصرنا المتجهم من خلال حواريات لونية بين ربوع الاخضر اليانع المزدهى والتربة الرمادية السوداء والاصغر الذهبى فى العيدان الجافة التى يصورها بدقة ونظام فى انتظار الحصاد وا لجميل ان نرى تلك الربوع فى ثلاثية من الاخضر والاصفر للنباتات مع التربة السوداء المتصحرة التى انحسر عنها النبات فى ملاحم تشدو وتهدأ وتصمت وتبوح بسر الارض.  وقد صور الفنان مجموعة من الصور الشخصية لناس من اهالينا من مصر..  لكن بروح جديدة وتناول اخر فى ملامس الخلفيات واللون الجسور وفى التكوين وزاوية الرؤية والاحساس التعبيرى بالشخصية.. وانتقل الفنان الى مساحات ومسافات من الارض المصرية من حلايب وشلاتين الى مرسى مطروح يصور عبقرية المكان بين الكلا والعشب فى مستويات افقية ورأسية ودرجات لونية تهتز لها سكونية الصحراء التى ترعى فيها عنزات سوداء وهو يضيف الى المشهد بعد اخر او ايقاعا جديدا بفعل الاختزال والتجسيم والتسطيح واشراق اللون الذى يتنفس على السطح التصويرى .

وقد وصل على حسان الاستاذ المساعد بكلية فنون الاقصر الى درجة بليغة  من عمق  فنه فى معرض “مراسم سيوة“ فى دورته الرابعة  2016 الذى اقيم بقاعة مركز الهناجر بمشاركة عشر فنانات وعشرة فنانين.. جسدوا روح سيوة فى لوحة التصوير بعد زيارة لها متلمسا  سحر المكان والحاضر والتاريخ .

جاءت لوحته صرحية ضخمة فى ثلاثية او ثلاثة لوحات  تكمل بعضها.. منفصلة متصلة.. تفصلها اطارات مسطحة ومتصلة فى مشهد واحد : انثى الخروف ترضع وليدها وفى الوسط بدوية تستند إلى عصا واخيرا خروف يكمل رحلة الحياة والتجدد والرابط هنا ملحمة من السطوح اللونية المختزلة التى تتألق ببهجة لونية من الاخضر الزرعى والزيتونى والبرتقالى والاصفر الاوكر والبيج.. الجميل هنا ورغم الاختزال نستشعر روح الطبيعة وبكارة الاشياء.

وسافر فناننا للمشاركة بملتقى البرلس الدولى حيث يختلف المكان والزمان ويتناول جزءا اخر من سحر المكان لجزء من شخصية مصر  التى تتميز بالوحدة والتعدد وثراء الاقاليم..  تحية الى على حسان فنان “ السوبر رياليزم“  المصرى.. والى بهجة الفن والطبيعة  فى اعماله.