نور الخيال سيد محمود يكتُب .. بوب ديلان و جائزة نوبل “حبة فوق و حبة تحت”   مثل فوز المغنى والشاعر بوب ديلان بجائزة نوبل للآداب صدمة كبيرة لأولئك الذين ما

b11

نور الخيال

سيد محمود يكتُب ..

بوب ديلان و جائزة نوبل “حبة فوق و حبة تحت”

999

 

مثل فوز المغنى والشاعر بوب ديلان بجائزة نوبل للآداب صدمة كبيرة لأولئك الذين ما زالوا ينظرون للأدب نظرة نخبوية ضيقة تضعه فى الإطار الطليعى الذى تمت مراجعته فى خطاب النقد الثقافى فى الربع قرن الأخير بينما رأى آخرون فى فوزه تفكيرا إيجابيا خارج الصندوق يعيد للجائزة نكهة الاختلاف التى جعلتها دائما مؤشرا على تحول نوعى فى «سياسات الأدب»، فالجوائز ليست لها علاقة بالأدب لكنها تصنع سياساته بما فى ذلك اتجاهات القراءة وأدوات الترويج والاستهلاك بما فى ذلك الاستهلاك النقدى والأكيد أن الانزعاج من فوز ديلان مفهوم لكنه فى المقابل يتطلب وعيا مغايرا بالسياق ما بعد الحداثى الذى نجح أخيرا «ما بعد الحداثة نفسها لفظت انفاسها الأخيرة» فى تأكيد شرعية الوسائط الجديدة وخلخلة المعايير التقليدية المرتبطة باشتراطات القيمة، التى كانت نوبل أيضا أول من كسرها بمنح الجائزة للسياسى البريطانى الشهير تشرشل وهاهى تستعيد قدرتها على مقاومة الأعراف التقليدية والتعاطى بنوع من التقدير للثقافة الجماهيرية التى تعامت عنها النخبة طويلة، سيما تلك المعبرة عن ميول سياسية محبطة، وحس فردى هش، إنها مواجهة مع طبقية فحولية مترسخة وبحسبما أشار الناقد السعودى عبد الله الغذامى فى كتابه «النقد الثقافى» فإن هذه الطبقية ظلت متمسكة برفض الطارئ والجديد، بما أنه مخالف للقياس الذوقى المؤسساتي، وهو رفض يتحول بالتالى إلى رفض للآخر وحرمانه من حقه فى التعبير عن ذاته، وفى ممارسة ذائقته الخاصة، وهذا يتكامل مع سابقه فى تكوين طبقية فوقية تشكل سورًا من الحراسة يحمى قلعة الثقافة من الغزاة ولا شك أن رفض ديلان فى عالمنا العربى يعبر بوضوح عن هذه الفحولية التى تقاوم ديمقراطية الثقافة بعدما تأكد حضور الديكتاتورية السياسية، فالسمة ما بعد حداثية فى الفنون تجلت منذ أكثر من ثلاثين عاما فى إلغاء الحد الفاصل بين النخبوى والشعبي، ومحو للحدود بين الفن والحياة اليومية، وإزالة التسلسل الهرمى بين الراقى والجماهيرى فى الثقافة الدارجة، وتفضيل الأسلوب الانتقائى المشوش، وتمازج الثغرات والمحاكاة الساخرة، والمعارضة والتهكم والسخرية والهزل والمزاح والنظر للثقافة بوصفها احتفالا.

b22

 

ويبدو لافتا أيضا كون ثقافتنا العربية لا تزال غير واعية بالمتغييرات التى رافقت تأصل الوسائط التكنولوجية فى الحياة اليومية، ودخول فئات جديدة إلى عالم الاستقبال الثقافي، وهى تلك الفئات التى كانت مهمشة فى السابق، إما لسبب ثقافى يعود إلى عدم قدرتها على القراءة بسبب الأمية أو لسبب اقتصادى يعود لعدم القدرة على شراء الكتب والجرائد، وهذا كان يحصر دوائر الثقافة ويحصر المعرفة فى فئات معينة ومحدودة، وتغيب كثيرون مما صاروا على الهامش وقد أفضى هذا إلى ظهور النخب الثقافية، التى احتكرت حق الفرز والتقييم لكن الميديا الجديدة جاءت كما يوضح الغذامى لتكسر ذلك الحاجز الثقافى والتمييز الطبقى بين الفئات؛ فوسعت دوائر الاستقبال، وشمل ذلك كل البشر، لأن استقبال الصورة لا يحتاج إلى إجادة القراءة، وهو فى الغالب لا يحتاج إلى الكلمات أصلا، وهنا، دخلت فئات لم تكن محسوبة على قوائم الاستقبال الثقافي، وأدى هذا إلى زعزعة مفهوم النخبة، وصار الجميع سواسية فى التعرف على العالم واكتساب معارف جديدة، فتوسعت القاعدة الشعبية للثقافة، وهذه الرسالة التى أكدتها نوبل الأسبوع الماضى و قبلها بسنوات نجاح أحمد عدوية في مصر , فمع تداخل دوائر التأويل الثقافي صار بإمكان الجميع أن يستقبل ويفسر دون حاجة إلى وسيط «كان فى الغالب يلعب دور الوصاية» وهذا التغيير أطلق إمكانات التأويل الحر، وأكد تراجع النخبة، أو لعلها بتعبير الغذامى «سقطت وسقطت معها الوصاية التقليدية ورموزها التقليديين الذين كانوا يحتكرون الحق فى التأويل وإنتاج الدلالات .

b44

وتلاشت تبعًا لذلك رمزيتها التقليدية التى كانت تملكها من قبل، ولم تعد الثقافة تقدم رموزًا فريدة فى كل المجالات، ربما لأن فكرة الرمزية ذاتها من أهم معالم زمن الثقافة الكتابية، والتى تلاشت فى عصر ميديا الوسائط السمعية والبصرية وحلت محلها «النجومية» لا بمعنى النجم الفرد وإنما بمعنى المواصفات الفنية والثقافية لدور يمثله نجم أو نجمة، لا بقدراتهما الذاتية الحرة والمستقلة لكن حسب قدرة أى منهما على تمثيل الصفات وتمثلها، حتى إذا ما تراجعت قدرات هذا النجم الصوتية والشكلية تمت إزاحته ليحل محل نجم آخر، وهذا ما يحدث اليوم ففى السياق ذاته انهارت فكرة «الفوق/ تحت» التى تقوم على تمييز نخبوى فى أمور الحياة، وثبت أنها فكرة قديمة لكنها نسق ثقافى ممتد، تتجدد لغته ويتجدد ممثلوه، لكنه موجود ويتوسل بوسائل عديدة للتعبير عن نفسه، ومن خلال هيمنته على وسائل التعبير التقليدية اتخذ المثقف موقعه وحق الادعاء بأنه يمثل رأى الناس، وأنه هو ضميرهم الناطق وهذه هى صور المثقف تقليديا، من حيث ادعائه لهذا الدور ومن حيث افتراض الناس لذلك وتصورهم أن المثقف هو الذى يمثل الحس الجمعى ويجهر به. والحقيقة التى يروج لها الغذامي، وغيره من نقاد الدراسات الثقافية، أن المثقف هو أيضًا صوت مؤسساتى من نوع ما، حتى وإن بدا معارضًا إلا أن المعارضة ذاتها هى مؤسسة نسقية، تملك عيوبا تماثل عيوب السلطوى بالفعل .

14741759_10153845378771135_468538155_n

bb77

 

MusiCares Person Of The Year Tribute To Bob Dylan - Show