السفير يسرى القويضي يكتُب السرياليون المصريون.. عرض يستحق الزيارة   قبل ذهابى لعرض «حين يصبح الفن حرية: السرياليون المصريون» المقام بقصر الفنون، عزمت إنعاش ما فى ذاكرتى من معلومات استعدادا

main_surrealist-egypt

السفير يسرى القويضي يكتُب

السرياليون المصريون.. عرض يستحق الزيارة

 

قبل ذهابى لعرض «حين يصبح الفن حرية: السرياليون المصريون» المقام بقصر الفنون، عزمت إنعاش ما فى ذاكرتى من معلومات استعدادا للزيارة، فطالعت فى بعض المراجع الأجنبية ما كتب عن السريالية، وما أكثر ما كتب عنها.

غرقت فى بحر المعلومات، التى تحدثت عن تفاصيل التفاصيل، وفى نهاية الأمر يسرنى تلخيص الموضوع فى سطور قليلة، لتساعدنى وتساعد قرائى على فهم العرض والاستمتاع به.

ما السريالية؟

يرجع الفكر السريالى لعشرينات القرن العشرين، فى الحقبة التى سبقت نشوب الحرب العالمية الثانية، والتى ساد فيها عدم استقرار سياسى واجتماعى وفكرى فى أوروبا، وتميزت تلك الحقبة ببزوغ شباب ثائر على أفكار الكبار فى زمانهم، وشرعوا فى زعزعة الثقة بوجهات النظر القديمة وهدمها، والعمل على إبدالها بفكر جديد……….جاء ذلك فى وقت انتشار نظريات سيجموند فرويد فى علم النفس والتحليل النفسى والتى اهتمت بعناصر مثل الخيال، والأحلام، واللاشعور، واللاعقلانية.

استرعت تلك النظريات اهتمام المفكرين والأدباء والشعراء الشباب، وتبنوها فى أعمالهم الأدبية بخاصة الشعراء منهم، ومن أوائل هؤلاء المفكرين أندريه بريتون Andre Breton) 1896 -1966) الذى أصدر المنفستو السريالى عام 1924، واستفاض بريتون فى حديثه عن السريالية، ولا مجال هنا لعرض كل ما قاله ……….ولكنى اقتبست من كلامه جملة واحدة رأيتها تلخص وتبسط الإجابة عن تساؤلات كثيرة.

وفيما يلى ترجمة للجملة التى كتبها بريتون “ …..المستقبل المنشود سيوائم بين نقيضين: الواقع المرئي، والأحلام التى تتبدى لنا، وسيوصلنا ذلك الى واقع جديد أو قل واقعا ما فوق الواقع……”

أصدقائي، رجاء قراءة الجملة مرة أخرى بتمهل……..

قرائى الأعزاء أقول لكم انى اتخذت من هذه جملة بريتون مقياسا أهتدى به اثناء تجوالى بعرض «السرياليون المصريون 38 – 1965»، وربما تستعينون به أنتم كذلك.

بعد تلك المقدمة الطويلة لنتحدث عن ملاحظاتى حول العرض، فى النقاط التالية:

7_8

أولا: هل هناك أعمال لا تنتمى للسريالية؟

سمعت من يقول ان بعضا من الأعمال المعروضة تخص فنانين غير معروف عنهم الانتماء للفكر السيريالي، وتلك ملاحظة صحيحة………..فهل كان محمود سعيد، ومنير كنعان، وصلاح طاهر وعبد الهادى الوشاحي…….وآخرون، ممن يصنفون على أنهم سرياليون؟ …..للإجابة أقول انه باستخدامى (جملة بريتون المفتاح) وجدت أن اللوحات التى عرضت لهؤلاء الفنانين اتسمت بالفعل بمسحة سريالية، رغم أنهم ليسوا سرياليين.

وتفسير ذلك يرجع الى أن المبدعين، فى كل الأزمنة، يميلون بصفة عامة للتجريب، والأرجح أنهم فى بعض من لوحاتهم فعلوا ذلك عمدا أو دون قصد، ولكن المؤكد أنهم لم يستمروا فى اتباع النهج السريالي……….نفس تلك الظاهرة حدثت فى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، فمثلا بعض أعمال بيكاسو (1881-1973) جاءت سريالية الطابع، عندما تناول الواقع المرئى وكأنه حلم، فأكسب اللوحة صبغة سريالية، وكانت تلك الاعمال تجريبية تحول عنها بعد ذلك، ولم يرد لعلمنا أن بيكاسو كان يصف نفسه بأنه سريالي، كما أن النقاد لم يصنفوه كذلك.

مثال آخر من الولايات المتحدة الأمريكية، وهى حالة الفنان جوزيف كورنيل (1903-1972) الذى اشترك فى بداية نشاطه الفنى بالخطأ فى عرض للسرياليين، فلصقت به فى البداية تلك الصفة، التى سرعان ما تنصل منها وأنكرها، ووواصل نشاطه الفنى بعيدا عن السرياليين رغم علاقاته الصديقة معهم.

تقديرى ان منظم العرض ومنسقه بقصر الفنون، انتخب الأعمال التى رأى أنها تعكس روح الفكر السريالي، بغض النظر عن تصنيف الفنان فى مجمل أعماله الأخرى، وهنا أؤكد ان وجهة نظر القوميسير هى الحاكمة وتحترم، وله كل الحق فى ذلك، وفى نفس الوقت فلنا أن نتفق أو نختلف معها.

وفى نفس السياق وجدت لوحات لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة، تخص فنانين معاصرين أنجزوها فى تسعينات القرن العشرين، فهل يعتبر ذلك خروجا عن الإطار الذى نص على العرض يتضمن الأعمال للفترة من 1938 حتى 1965؟

الواقع أنه من ناحية الشكل فهذا حدث، لكنى أخذت انطباعا بأن القوميسير تعمد وضع نماذج ليؤكد أن الاتجاه السريالى ما زال مؤثرا فى الحركة الفنية المصرية المعاصرة…………..وأستطيع قبول هذا المنطق، اذا كان هذا ما قصده، لكن ما لا أستطيع قبوله أنه بذلك أغفل نماذج أخرى لفنانين معاصرين كثيرين ( الفنان ياسر رستم على سبيل المثال) وكان من الجدير ألا يتجاهلهم.

ثانيا: من كان يحق له تنظيم العرض؟

العرض جاء رائعا، وذكرنا بحقبة مهمة و نشطة من تاريخ الحركة الفنية المصرية فى النصف الأول للقرن العشرين، وجعلنا نشاهد بعضا من الأعمال التى قبعت زمنا طويلا بالمخازن بعيدة عن عيون المشاهدين……..لهذا السبب أسمح لنفسى بتهنئة كل من شارك فى تحقيق العرض وتنظيمه.

لكن فى الوقت نفسه هناك تساؤل، ألم يكن من الأجدر أن يقوم متحف الفن المصرى الحديث بتنفيذ العرض وتحقيقه دون مشاركات خارجية؟ بخاصة أن أغلب المعروضات – إن لم يكن معظمها – جلبت من مخازن المتحف.

مما يحيرنى أن المتحف منذ بضع سنوات مضت ستن سنة حميدة، وهى اقامة عروض متغيرة بقاعة «أبعاد» تتناول موضوعات او مراحل فنية بعينها، وكانت القاعة تستعين فى عروضها باللوحات المكدسة بالمخازن…..والغريب أنه وفجأة ودون مقدمات، توقف هذا النشاط رغم نجاحة، دون تفسير أو ابداء مسببات ايقافه.

وبهذه المناسبة كلى أمل أن ينظر قطاع الفنون البصرية فى إعطاء متحف الفن المصرى الحديث الصلاحيات اللازمة، وتوفير الإمكانات المادية الكافية لاقامة عروض متخصصة من حين لآخر، وتلك من أساسيات واجبات المتاحف.

ثالثا: الجانب التوثيقي، هام للغاية

تعجبت أن عرض كهذا لم يطبع له كتالوج توثيقي، وقيل لى ان هناك كتالوج سيوزع فى دبى عندما ينتقل العرض الى هناك………..! أما فى القاهرة التى ينبع العرض من أرضها مرتكزا على أعمال فنانيها الراحلين والمعاصرين….لا يوزع كتالوج ………..ياللأسف …! ألم يكن فى مقدور الذين وقعوا الاتفاق مع المؤسسة الاماراتية، التى قامت مشكورة بجهد تنظيمى محترم، أن ينصوا على ضرورة توفير الكتالوج بالقاهرة أيضا…..! أم يا ترى هناك تقصير من الجانب المصرى الذى كان يجب عليه إصدار كتالوج للعرض؟

وبهذه المناسبة أتمنى أن تكون هناك شفافية، وإتاحة لنص الاتفاق الذى تم مع المؤسسة الإماراتية، يطلع عليه من يعنيه الأمر، حتى تخرس الألسنة التى تلمح بوجود سلبيات ومخالفات …………أخجل من ذكرها لأنى لا أصدقها طالما لا تتوفر أدلة عليها.

رابعا: ما يخص تأمين سفر اللوحات

فى ضوء حوادث سرقة اللوحات الفنية أو تزويرها والتى وقعت بمتاحفنا من قبل، فإن الحال يستدعى الحيطة والحذر الشديدين من قبل وزارة الثقافة ( قطاع الفنون البصرية) لاتخاذ التدابير اللازمة لتأمين اللوحات، وعمل بصمات لها قبل سفرها للخارج…… وفى هذا الصدد لا بأس من الاستعانة بالخبرة المتراكمة لدى وزارة الآثار فى هذا المجال.

أخيرا لا يسعنى سوى الاشادة بهذا العرض الشامل الوافى والجهد الذى بذل لتحقيقه، وهو عرض يستحق الزيارة، وعلى يقين بأن عرضه بالداخل والخارج سيعود بفائدة معنوية ودعائية بل ربما مادية أيضا والله أعلم.