على هامش المهرجان الدولى للمسرح المعاصر والتجريبى التجريب فى مسرح الثقافة الجماهيرية «مسرحة المكان» تجربة ثرية.. ليتها تعود من جديد __________________ أحمد عبد الرازق أبو العلا   يتواجد مسرح الثقافة

iitt

على هامش المهرجان الدولى للمسرح المعاصر والتجريبى

التجريب فى مسرح الثقافة الجماهيرية

«مسرحة المكان» تجربة ثرية.. ليتها تعود من جديد

__________________

أحمد عبد الرازق أبو العلا

 

يتواجد مسرح الثقافة الجماهيرية – بشكل مؤثر – تلبية لضرورة، تقوم على انحيازه للجماهير الشعبية الكثيرة العدد، حيث إنه مسرح يذهب إليهم، فى أماكنهم، ويكتسب شرعية وجوده، من خلال تواجده الدائم، والمستمر بين الناس، فى أزقتهم وشوارعهم، وقراهم، ونجوعهم، ولذلك فان هذا المسرح ما زال يبحث عن أشكال وأطر متميزة، من خلالها يستطيع أن يقدم قضاياه وموضوعا ته، وهذه الأشكال وتلك الأطر، لا بد أن تهدف إلى البساطة، وليس التعقيد، ولذلك فإن التجريب الذى مر به هذا المسرح – فى بعض تجاربه – جاء متخذا لنفسه، عدة وسائل وأشكال، ما زالت كلها تدور فى دائرة البحث عن هوية، نستطيع بها أن نقول: إن مسرح الثقافة الجماهيرية له خصوصيته. لقد حاول هذا المسرح خلال السنوات القليلة الماضية أن يقدم عددا من التجارب المسرحية، تلك التى دعت إلى ضرورة أن تكون هناك شعبة سميت باسم «شعبة التجارب» – لكنها اختفت!! – تلك الشعبة جاءت تلبية لاحتياجات المجربين، فهى بمثابة معمل يقدمون فيه ما يريدون من تجارب، وصولا إلى صيغة يتفق عليها الجميع، فيما يتعلق، بفكرة التجريب فى مسرح الثقافة الجماهيرية، فضلا عن إنشاء إدارة لنوادى المسرح، تعمل بشعار «مسرح فقير فى كل مكان، وأى مكان» وبحرية فى ممارسة التجريب بلا حدود.

التجريب فى مسرح الثقافة الجماهيرية يستند إلى عدة وسائل أهمها: التجريب فى أدوات الإخراج المسرحي، والتقنية الفنية، والتجريب فى النص المسرحى ذاته، ثم التجريب فى الشكل المسرحي.

ولقد اتخذت هذه الوسائل عدة أشكال، يمكن أن نطلق عليها الأشكال التجريبية فى مسرح الثقافة الجماهيرية، وأهم هذه الأشكال: 1 – السامر 2 – الفلاحون 3 – السرادق 4 – الحركى والصوتى 5 – المناقشة 6 – الإبداع المسرحى الجماعى 7 – الكوكتيل المسرحى 8 – الأماكن المفتوحة أو المكشوفة 9 – مسرحة المكان -10 الشارع.

كل هذه الأشكال تحققت فى عدد من العروض، لكنها لم تستمر، ولم تنتج آثارا يمكن أن نقول – من خلال متابعتها – إن التجريب فى مسرح الثقافة الجماهيرية، له سمات، وملامح متميزة…. لماذا؟ لأنها كانت – كلها – عبارة عن جهود واجتهادات فردية، وليست هما جماعيا، يشغل الجميع بوصفه أداة لترجمة فلسفة التجريب التى يعتمد عليها هذا المسرح.. وتلك هى المشكلة فى حقيقة الأمر، مشكلة التجريب فى مصر، حيث جاء اجتهادا فرديا – بصرف النظر عن مسألة تقييمه – الآن – ومحاولات ربما تبدأ وتنتهي، بسرعة شديدة جدا، بحيث إن التجربة لا تستطيع أن تستمر لأكثر من مرتين على أكثر تقدير، فى حين أننا نرى بعض التجارب المسرحية الأوروبية، أو فى أمريكا اللاتينية، تجارب تستمر لسنوات، وذلك لتوفر الآلية التى تكشف عن وجود احتياجات حقيقية، وفلسفة تجعل التجريب المسرحى ضرورة، تلك الضرورة هى التى توفر شرط الاستمرار، أما التجريب عندنا فموسمى!! ربما يبدأ قبل إقامة المهرجان التجريبى السنوي، ثم ينتهى بعدها، ولا نتذكره إلا بعد مرور عام، لتبدأ الرغبة فى ممارسة التجريب مرة أخرى، لكنها ممارسة تتم على استحياء، بسبب انتفاء الضرورة، وعدم قدرة الذين يسعون إليه، لأنه – فى معظمه – سعى نظري، لا يساعدهم على احتضان فكرة الضرورة.

yy

ولتأكيد نهج الفردية الذى أشرت إليه سأضرب بعض الأمثلة:

1 – السرادق: ذلك الشكل الذى تبناه، ووضع نظريته المخرج الراحل «صالح سعد»، وقدم من خلاله عددا من العروض، كان جهدا فرديا خالصا، انتهى تماما برحيل، صاحب التجربة

وصارت الورقات الخمس التى تقدم بها المخرج «صالح سعد» عام 1983م للدكتور «سمير سرحان» – وكان وقتها رئيسا لجهاز الثقافة الجماهيرية! وفيها طرح شكل السرادق طالبا فرصة التجريب حول هذا الشكل! مجرد أطلال لتجربة لم تتحقق على أرض الواقع بشكل ملموس..

2 – الإبداع المسرحى الجماعى الذى كان اجتهادا فرديا – أيضا – من المخرجين«أحمد إسماعيل – بهائى الميرغني» لم يستطع أن يستمر أو يصبح ممارسة، برغم عدد التجارب الذى قدماه فى هذا الإطار..

3 – الكوكتيل المسرحى الذى تبناه المخرج الراحل «عبد الستار الخضري» وقدم نموذجا له فى عرضه الذى اعتمد على ثلاثة نصوص للكاتب الراحل «أمير سلامة» بعنوان «القصير»، فضلا عن محاولته لتقديم خليط فنى يتكون من اللوحات التعبيرية، والمشاهد التمثيلية، والتمثيل الإيمائي، والتدريب الصوتى للممثل، والحركى – أيضا – والاستفادة من تكنيك المسرح داخل المسرح، كل هذه الاجتهادات انتهت برحيل صاحبها..

4 – المسرح الصوتى الذى قدمه «انتصار عبد الفتاح» والحركى الذى قدمه «هناء عبد الفتاح»، كلها كانت محاولات منسوبة لهما، ولم تنسب لسواهما، وبالتالى عندما يتوقفان عن تقديم أعمال فى هذا الإطار، فلا أحد آخر يُقدم على تقديم تجربة مماثلة..

5 – مسرح الفلاحين الذى قدمه المخرج «عباس أحمد» طمح إلى تقديم صيغ جماهيرية فى أماكن مفتوحة وذلك الهدف الذى طرحه، جاء متفقا ووجهة نظـر «بيتر بروك» التى يحدد فيها، أن مكان المسرح تتحقق فائدته بما يحققه من اتصال بالجماهير، ولذلك فإن التجارب التى قدمها المخرج فى إطار هذا الشكل يكمن الهدف من وراءها فى محاولته التوجه إلى الجماهير! ولقد قدمت مسرحيـــة «حسن ونعيمة» فى سبعة عشر قرية فى أربع محافظات فى الوجه القبلى والوجه البحرى سنة 1983م ومن خلالها يحدث نوع من المناقشة حول النهاية! وحول العمل المسرحى بشكل عام.. فضلا عن تجارب المخرج «سرور نور» فى مسرح الفلاحين بالمنصورة، ومن خلال فرقته قدم عروضا عديدة. وكان يرى أن المسرح الشعبى له رسالة من أسمى الرسالات، لكن بعض السلبيات التى أصابته استفحلت، وكانت السبب فى القضاء عليه، ومنها اعتماده على بعض النصوص المسرحية القديمة التى استهلكت، وكان شعار الاحياء نفسه – أحياء المسرح الشعبى – يُقابل بسخرية – كما صرح بذلك فى أحد حواراته.

6 – المناقشة التى قامت عليها تجارب «عادل العليمى» المبكرة تلك التى قدم أولاها فى قرية «البراجيل» بالجيزة بعرض «مسرح المناقشة» حول حدوتة شعبية تدور فى ذات القرية وتتعرض لصور استغلال الفلاحين فى الجمعية الزراعية، وسرقة الأدوية من المستشفى وكان يوقف العرض بعد طرح الأزمة الدرامية! ويطرح الحل على الجمهور الذى اقترح حلولا عديدة، التزم بها المخرج برغم اختلافها فى كل ليلة! وقد أتت المناقشة بين فريق العرض والجمهور إلى تشكيل «لجان الفلاحين» فى القرية لتكون سلطة شعبية تدير العمل الاجتماعى الاقتصادي، لقد كان يُؤمن بأنه لا مستقبل لمسرح الثقافة الجماهيرية، دون إحياء للأشكال الدرامية والمسرحية المصرية كافة، تلك الأشكال التى أبدعها الشعب فى مجرى تطور حياته، تعبيرا عن حاجات اجتماعية ونفسية وجمالية.

7 – السامر الشعبى موجود من قبل أن يطلق عليه أصحاب التجربة تلك التسمية، فهو إحدى الظواهر الشعبية التى توجد عندنا فى مصر، لكنه توارى فى بعض الظواهر الشعبية، واختفي، وتتمثل هذه الظواهر في: الخباز – السامر – المأتم – الأفراح – الموالد – السوق. وهى أشكال مسرحية قد توارت واختفت، وعندما أُعيد استنباتها مرة أخرى، لاستزراعها فى العصر الحضرى فى ظل التجارب وُضعت فيما سمى بقواعد المسرح، لأنها بمفردها، ليست قاعدة مسرحية، ولكنها ظاهرة مسرحية، والظاهرة المسرحية لا تمثل قاعدة، ولكن التعامل معها هو الذى يولد القاعدة، تلك الظواهر المسرحية الشعبية التى عُرفت بـ«السامر» عندما نعود لكى نقدمها فى شكل فني، لا بد أن نضعها فى قالبها المسرحي، وهذا ما فعله أصحاب التجربة، حين استطاعوا أن يحققوا هذا بعد مسيرة طويلة لمسرح السامر «الرسمي» فى مصر، نراهم يتعاملون مع كل الموروثات الشعبية بداية من «أدهم الشرقاوى – ياسين وبهية – شفيقة ومتولى – منين أجيب ناس – عاشق المداحين – على الزيبق – حكاوى الزمان – سيرة بنى هلال» وغيرها، ولقد تعامل المخرج «عبد الرحمن الشافعي» موضوعيا مع السيرة الشعبية – وهى نتاج موروثات شعبية – تعامل معها مسرحيا، فى قالب مسرحي، وليس معنى تقديم الأراجوز، المداحين، أنه قدم مسرحا شعبيا، ليست المسألة كذلك، ولكن السؤال هو: كيف تعامل مع تلك الأشياء؟ وكيف قام بتوظيف هذه العناصر والمفردات؟! نجد أن كثيرا من المخرجين تعاملوا مع هذه الظاهرة، مثل «سعد اردش» عندما تعامل مع الآلات الشعبية فى عرضيه: «الصفقة – مآذن المحروسة» دون الاعتماد على الإعداد الموسيقى من الموسيقى العالمية، كما كان يحدث!! وتكتسب هذه التجربة أهميتها، من كونها محاولة للبحث عن شكل مصرى له خصوصيته، فالفن يكتسب هويته من منبعه.

وكما هو واضح! فإن الأشكال التجريبية التى قدمت من خلال مسرح الثقافة الجماهيرية! تحتاج إلى أكثر من وقفة لتحديد المعيار الموضوعى الذى استندت إليه كل تجربة على حدة! لقياس مدى أهميتها وتأثيرها وارتباطها بمتلقى الإبداع المسرحى فى الأقاليم..

وفى هذا السياق نتساءل: لماذا حين نتحدث عن الورش والمعامل المسرحية، نذكر «بيتر بروك» و«جروتوفسكي» وغيرهما؟؟ ولماذا نقرأ ما قدماه من تنظير لتجارب عملية ومعملية قاما بها؟؟ لأن الأمر عندهما – على الرغم من أنه جاء جهدا فرديا – أثمر شيئا موضوعيا، ساعد الآخرين على أن يحذوا حذوه، ويستفيدوا منه استفادة كبيرة، ولذلك صار للتدريب الصوتى للممثل ضرورة، وللتدريب الحركى لجسمه، ولطريقة التعامل مع النص المسرحي، وطريقة تفسيره، والنظر إليه، وعدم التقيد بنوعية النص، فقد نشاهد نصا تراجيديا لشكسبير – مثلا – يقدمه مخرج فى إطار كوميدي، كلها كانت تجارب حقيقية، وخرجت من دائرة الجُهد الفردي، إلى الجماعة التى احتضنت التجربة، فهل كان كتاب «المساحة الفارغة» – مثلا – الذى كتبه «بيتر بروك» لا يصلح لكى تكون مادته نموذجا يساعدنا فى التعامل مع الفضاء المسرحي، بشكل لم يكن مطروحا بنفس الصيغة من قبل؟! وتجارب المسرح الفقير فى بيرو، ألا تصلح أن تكون نموذجا – أيضا – ندلل به على قدرتنا على إنتاج عروض مسرحية، بصرف النظر عن توفر شروط الإنتاج التقليدية، اعتمادا على الممثل، واختيار النص الملائم، والرؤية التى يتمتع بها مخرج العرض، وأعضاء فريقه، لتقديم عرض مسرحى فقير الإنتاج، لكنه غنى المعنى، والدلالة، والصورة؟!

هذا ما أود الإشارة إليه والتركيز عليه، أن نجرب نعم، لكن بشروط واقعنا، وإمكانياتنا، وتعميق الوعى بطبيعة التجريب، وضرورته الفنية، فليست الضرورة – فقط – هى ضرورة الاتباع، فكم من الجرائم ترتكب باسم الاتباع، وتلك التبعية، لا يمكن أن تقدم عالما فنيا متماسكا، بقدر ما تفصح عن الرغبة الدفينة، فى داخلنا بالارتكان إلى الأسهل، والجاهز، دون رغبة حقيقية فى إعمال العقل، وتشغيل الخيال، ودفع الطموح للاستفادة بكل ما من شأنه، أن يجعل لمسرحنا هوية، وخصوصية، نستفيد من تجارب الآخرين نعم، لكن ننطلق من مقدراتنا، وظروفنا، لكى نستطيع التعبير عما يخصنا، التعبير عن واقعنا، لأن التجريب الذى يجيء بمعزل عن خصوصية الظرف التاريخى والسياسى والاجتماعي، تجريب لا قيمه له، بل يمكن أن يكون تخريبا لمقدراتنا التى نهملها، ولا نضعها فى الحسبان حين نقوم بممارسة التجريب الحقيقي.

مسرحة المكان

وهنا أتحدث عن تجربة «مسرحة المكان» بوصفها تجربة مسرحية نوعية متميزة، نحتاج الى استعادتها من جديد، وتفعيل وجودها على أرض الواقع، وذلك لأنها تتوافق مع متطلباته.

تلك التجربة تبناها كتابة «هشام السلاموني» وإخراجا «حسن الوزير».. وحديثى عن تلك التجربة هو محاولة لتنشيط الذاكرة، فقد يهتم أحد، وينتبه إلى أهميتها، ليخرج مسرح الثقافة الجماهيرية من عنق الزجاجة، ويتمرد على نمطيته التى قللت من دوره، وجعلته تكرارا مملا لنصوص فقدت قدرتها على معاركة الواقع الحالي، وفقدت جدتها وجديتها.. وأؤكد حقيقة أن النهوض بمسرح الثقافة الجماهيرية لن يتحقق إلا بأيدى المسرحيين الجادين المتعاملين معه، وليس بأيدى غيرهم..

ولعل استدعاء تجارب الراحلين، يؤكد هذا المعنى، ويشير إليه صراحة.. فهل يعقل أن تنتهى تجربة ما برحيل صاحبها؟؟ نعم حدث ذلك.. لماذا؟؟

– لأنها جاءت جهدا فرديا، لم تحتضنه أطراف أخرى تكون قادرة على التطوير والاستمرار.

وبالطبع هناك محاولات مع تلك التجارب المشار إليها، لكنها قليلة للغاية ولا تشكل ملمحا يمكن الاستناد إلى مقوماته وأسسه، ومعرفة معالمه. اذكر فيما يتعلق بتجارب مسرحة المكان – تجربة المخرج البورسعيدى «سامح فتحي» التى قدمها مع الكاتب «أحمد أبو خنيجر» فى الشلاتين فى عام 2011، وتعد أحدث تجربة قدمتها الثقافة الجماهيرية بعد التجارب التى سأشير إليها فى هذا المقال..

حين ذهب إلى ذلك المكان البعيد، وبدأ فى التعرف على طبيعته، وجغرافيته، بمساعدة بعض سكان المنطقة، علم هو والمؤلف بأن نزاع القبائل منذ القدم، كان بسبب المياه «الأبيار».

وأن هذا النزاع شكل وأثر فى طبيعة العلاقات الاجتماعية، وسلوك الأفراد، فتمت كتابة نص بعنوان «نشل البير» اعتمد على المادة التى تم تجميعها، والتى تحتوى على معلومات حول عادات وتقاليد قبائل تلك المنطقة.. فضلا عن هذا اعتمد المخرج على التراث الغنائى والحركى للمنطقة، نظرا لخصوصيته، والذى تم نقله عبر الأجيال المختلفة محافظة عليه من الاندثار. وبتلك المحاولة، كان العرض محاولة جادة لمسرحة مكان لم يتم تقديم عرض مسرحى فيه من قبل، ولذلك فان المسرح هنا يعد أداة من أدوات التنمية، والنهوض بالمكان، بوسائل استعادة تراثه، وحكاياته، وتوظيف عناصره البيئية بشكل فني، يعكس خصوصيته عن غيره من الأماكن.. فلكل مكان طبيعته، وخصوصيته، وعلى المسرحى أن يكشف تلك الطبيعة كما كشفها – من قبل – كتاب القصة القصيرة والرواية – الذين استطاعوا التعبير عن خصوصية المكان فى أعمالهم الإبداعية، أذكر منهم «يحيى الطاهر عبد الله – محمد مستجاب – أحمد أبو خنيجر – عبد الحكيم قاسم – محسن يونس – سليمان فياض.. وغيرهم» ولا ننسى – بالطبع – ثلاثية نجيب محفوظ «بين القصرين – قصر الشوق – السكرية»..

أما عن التجربة الحقيقية فى هذا الإطار، تلك النصوص التى كتبها «هشام السلاموني» وأخرجها «حسن الوزير» فى أماكنها الفعلية وهي: «الساعة صفر – «عفوا ممنوع التصوير» – يوم صعب جدا – أغنية على السلك».

وكانت مسرحية «عفوا ممنوع التصوير» التى اختار عنوانها «حسن الوزير» هى أول مسرحية تناقش موضوع الإرهاب، وكانت معها – فى نفس الوقت – مسرحية أبو العلا السلامونى «المليم بأربعة» التى أخرجها «جلال الشرقاوي» لمسرح الفن فى عام 1990 وهو نفس العام الذى كتبت فيه مسرحية هشام.. والتى اندفع لكتابتها، فى إطار ما يسمى بـ«مسرحة المكان» والمكان – هنا – هو: مدينة أسيوط.

لقد شاهد «حسن الوزير» – أثناء وجوده لإخراج عمل مسرحى هناك – الصدام العنيف بين رجال الأمن وبين شباب الجامعة من ذوى الميول الدينية، ونتج عن تلك المصادمات سقوط ضحايا من الطرفين، ولما رأى الدماء تغطى شوارع المدينة، تساءل: «كيف يمكننى مسرحة هذا الواقع الأليم الذى شاهدته أمامى؟؟ وكذلك قضايا أخرى عايشتها فى صعيد مصر، مثل الفقر المدقع.. البطالة.. العنف.. الفساد.. الجهل.. المرض.. الاضطهاد.. » وأثناء ذلك سمع تمثيلية إذاعية لهشام السلاموني، قرر بعدها الاتصال به – ولم يكن يعرف أحدهما الآخر – وطرح الفكرة عليه، فتحمس لها، وبعد دراسة لواقع المدينة، كتب مسرحية «الساعة صفر» التى تغير اسمها إلى «عفوا ممنوع التصوير..»

أما المسرحية الثانية فكانت «يوم صعب جدا» وكانت عن مدينة السويس رمز المقاومة، وبلد الشهداء، والمسرحية احتفت بشهدائها الذى رحلوا أثناء حرب الاستنزاف، والذين رحلوا أثناء حرب 73، ولقد استفاد المخرج «حسن الوزير» من الأشعار التى كتبها شاعر المقاومة «الكابتن غزالي»، فأصبح العرض معبرا عن المكان تعبيرا حقيقيا، وناقلا بأدوات الفن المسرحى لروح المدينة المقاومة، وفى نفس الوقت، ينتقد الواقع الذى تم فيه تقديم العرض 1991، إذن قدم العرض رؤية سياسية اجتماعية للمدينة أثناء الحرب، وبعد انتهائها..

لقد استند الكاتب إلى ثلاثة عناصر رئيسية طرحها المكان، فقام بمسرحتها وهى: إهمال لوحة الشهداء فى المدينة، وإهمال المكان من حولها، تلك اللوحة التى شعر المؤلف بأنها ستزال فى القريب بحجة استبدالها بواحدة أفضل «لقد كانت عبارة عن لوح من الأبلكاش!!!» وكان العنصر الثانى: هو التناقض بين كون السويس انتصرت على العدوان الإسرائيلى لتنهزم فى مواجهة عدوان الفاسدين على الأمة، والعنصر الثالث هم الشهداء الأحياء عند ربهم، والأبطال الأحياء بيننا، والمستحيل الذى حققوه، وكون السويس والأمة كلها فى قبضة الفاسدين التى لم تعد تحتمل الشهداء!!

وجاءت المسرحية الثالثة «أغنية على السلك» التى تم عرضها فى مرسى مطروح فى عام 1992 وفيها تمت الكتابة عن وقائع متعلقة بمن يعيشون فى الصحراء الغربية، استقى معلوماتها الكاتب والمخرج معا، من الناس الذين يعيشون فى مرسى مطروح، والسلوم، ومن بدو الصحراء أنفسهم.. وتم جمع هذه المعلومات خلال أربعة أيام كاملة، تم فيها تسجيل أحاديث، وكتابة وقائع، ساعدت على كشف عادات وتقاليد، وخصوصية المكان، اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا.. فضلا عن تأثير المكان فى طبيعة الناس أنفسهم، وكيف أنه شكل عاداتهم، وأكد تقاليدهم، وعكس سلوكهم، وطبعهم بطابع خاص، لا تستطيع التعرف عليه، إلا إذا اقتربت، وتساءلت، وهذا ما فعله النص الذى كتبه «هشام السلاموني» مسرحة للمكان.

والآن فلنتعرف على أهداف تلك التجربة، من وجهة نظر صانعيها «هشام السلامونى/ حسن الوزير»..

1 – ان المسرح الإقليمى ليس مسرحا يقدم، أو يعرض فى إقليم فقط، ولكنه مسرح قد يعبر عن الإقليم، كمكان، وبشر فى لحظة تاريخية معينة، عن روحه، وعن سماته الفنية الثرية، وعن الثقافات الغالبة فيه، ونظرة أبنائه للوطن الأم.

2 – وضع أبناء الإقليم أمام خصائصهم البيئية، ومشكلاتهم على المسرح، وتصرفاتهم إزاء هذه المشكلات، لتحل الدهشة – فنيا – محل الاعتياد، والاستسلام للحياة، يوما بعد يوم، ومن هنا يكون العمل دافعا للتفكير لدى الناس، فى طموحاتهم المكبوتة، فيما يستطيعونه، وفى مشكلاتهم المرتبطة بمشاكل الوطن الأم.

3 – إن العمل الفنى لا ينتصر على المعوقات غير الفنية، إلا بفنياته المتجاوزة، بمعنى أن الإصرار على تقديم عمل بفنيات عالية هو الهدف المحقق لكل الغايات.

4 – البحث فى قضية التلقي، وانسحاب الجمهور من مسرحه فى الأقاليم، والكيفية التى يستطيع بها المسرح الإقليمى أن يستعيد جمهوره، فالجمهور من ناحية هو آخر الخالقين للعمل الفني، حين ينعكس العمل فى ذهنيته، آخذا الكثير من العناصر المتفاعلة جدليا لتصنع المعنى الكلى للعمل.

وأود أن اختتم مقالى هذا بسؤال مهم طرحه الكاتب «هشام السلاموني» وهو: هل يمكن إعادة التجربة، أو استكمال تجارب مسرحة المكان؟

يجيب: نعم لكن.. لا يمكن تحديد إجابة شافية، ومهمة عن هذا السؤال قبل أن نجيب عن سؤال آخر: أيمكن أن نقدم مسرحية عن مكان «مسرحة مكان» فى مكان آخر بعيدا عن المكان الذى تمت مسرحته؟؟ هو يجيب بنعم!! منطلقا من أن كل المسرحيات المهمة فى تاريخ المسرح العالمى – بما فيه المسرح المصرى – كانت مسرحية عن مكان، كتبت بالصدق الفنى الضرورى لتخرج من الخاص إلى العام، وإلى العالمى والإنساني.

وهنا أختلف كثيرا مع تصور الكاتب الراحل، لماذا؟؟ لأن ما يقوله – فى واقع الأمر – ينفى عن التجربة خصوصيتها، ويتجاهل دوافعها، ويهمش الضرورة التى تدعونا إلى تبنى الدعوة نحو تأكيد تلك التجربة النوعية المهمة، والمسماة «مسرحة المكان»، حين تكتب، ستظل رهينة بالمكان الذى عبرت عنه، وعن خصوصيته، صحيح أنها تنطلق من الخاص – كما يقول – وصولا إلى العام، أى الهم القومي.. إلا أن المنطلق الأساسى للتجربة اعتمد على المكان، ليس بصفته الجغرافية، لكن بخصوصيته وتميز سماته وشخوصه.