يوسف شاهين و البحث عن الفيلم المفقود ________________ تحقيق : وائل سعيد   فلاش باك.. يُعتبر يوسف شاهين من المخرجين المثيرين للجدل؛ فقد تتفق مع رؤيته وأسلوبه وقد تتعارض معهما..

eee

يوسف شاهين

و البحث عن الفيلم المفقود

________________

‎وائل سعيد‎'s Profile Photo

تحقيق : وائل سعيد

 

فلاش باك..

يُعتبر يوسف شاهين من المخرجين المثيرين للجدل؛ فقد تتفق مع رؤيته وأسلوبه وقد تتعارض معهما.. وكثيرا ما اتهم بمحدودية خطابه السينمائى المنحصر تلقيه على النخبة والمثقفين فقط بعيدا عن المتلقى العادي، لما يتبعه من فكرة التجريب الدائم عبر مشواره – بالمعطيات المتاحة – خلال فترات أزمنة إنتاج الأفلام، وقد ظهر الحس التجريبى عنده منذ الفكرة الخيالية المطروحة فى فيلمه الأول «بابا أمين» سنة 1950 والتى تناول فيها حياة أحد الأفراد بعد الموت؛ الأمر الذى لم تعهده السينما فى ذلك الوقت حتى وإن جعلها حُلما فى نهاية الفيلم.

أخرج شاهين عشرات الأفلام عبر أكثر من نصف قرن.. له فيها ما له وعليه ما عليه.. لكننا فى كل الأحوال أمام مدرسة سينمائية شاهينية خالصة انفرد بها عن بقية خلق الله!

سارت أفلامه الثلاثة التالية على نهج السينما المعتادة إلى حد ما، وفى «صراع فى الوادي» كانت صدمته الأولى للمشاهد؛ حيث اعتاد الجميع فى كل الأفلام على نجاة المتهم البريء فى اللحظات الأخيرة، إلا أن شاهين نفذ حكم الإعدام بالفعل على عبد الوارث عسر مشيرًا إلى قسوة الواقع الذى لن يُتيح لكل بريء الخلاص هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى كان اختياره لعمر الشريف فى حد ذاته لتمثيل دور الشاب الصعيدى صدمة تتعارض مع مقومات وجه وطريقة الشريف فى التمثيل.

فى العقد الأول من تاريخه الإخراجى كان شاهين وكأنه ما زال يبحث عن الطريق الذى سيسير عليه فيما بعد؛ فجرب الفيلم الكوميدى الخفيف مثل «انت حبيبي» 1957 و«بين ايديك» 1960، ثم طرق الفيلم التأريخى فى «جميلة» سنة 58، وفى نفس العام أخرج «باب الحديد» الذى حمل بواكير ملامح مدرسته السينمائية والذى يُعد علامة مهمة فى تاريخ السينما المصرية فى العموم.

فى بداية الستينات دخل شاهين مرحلة جديدة فى مشواره الفني، حيث تشبع بالفكر الناصرى وآمن بالقومية العربية فجاء فيلم «الناصر صلاح الدين» 1963 يصور – فكرة – زعامة جمال عبد الناصر أكثر من صلاح الدين نفسه!! وكان من المفترض أن يُخرج الفيلم صلاح أبو سيف إلا أنه وضع ميزانية ضخمة فأبدى شاهين استعداده للإخراج بأقل منها بكثير. وفى العام التالى سار على نفس نهج الحس القومى بفيلم «فجر يوم جديد» سنة 64 وفى نفس العام أخرج محمود ذو الفقار «الأيدى الناعمة».. حيث كانت البلاد قريبة العهد بثورة يوليو التى أطاحت بالنظام الإقطاعى وأعادت الأرض لمالكيها.

حظى الفيلم الغنائى أيضا بنصيب ضمن مسيرته الفنية وتجلى فى «بياع الخواتم» سنة 65 بطولة فيروز، كما قام بإخراج عدة أفلام تسجيلية كـ«الناس والنيل» سنة 68، ثم انطلق شاهين وقد اتضحت ملامح مشروعه فأقدم على توثيق سيرته الذاتية سينمائيا فى أواخر السبعينات وحتى بداية التسعينات عبر ثلاثيته الشهيرة «اسكندرية.. ليه؟ – حدوتة مصرية – اسكندرية كمان وكمان».. كما انقلب على الحُلم الناصرى بعد نكسة 67 فى أفلام « الأرض – العصفور – عودة الابن الضال»، وفى أوائل التسعينات تصادم مع مؤسسة الأزهر الدينية بفيلمه «المهاجر» الذى تعرض لقصة حياة سيدنا يوسف، ثم أنهى حياته بالفيلم النبوءة «هى فوضى» فى 2007 الذى صور فيه حتمية ثورة الشعب على السلطة قبل 25 يناير بأربع سنوات!

شركة أفلام مصر العالمية

فى بداية السبعينات أسس شاهين مع المنتج جابى خورى شركة أفلام مصر العالمية، الأمر الذى سيجمعهما طوال سنوات شاهين التالية حتى تلتحق بهما ابنة جابى «ماريان خوري» فى أوائل الثمانينات لتعمل مع شاهين كمنتجة منفذة لعدد كبير من أفلامه مثل: «وداعًا بونابرت، اليوم السادس، إسكندرية كمان وكمان، القاهرة منورة بأهلها، الآخر، سكوت ح نصور».

ولم يقتصر نشاط الشركة على إنتاج أفلام مدرسة شاهين فقط؛ بل امتد لإنتاج أى فيلم يحمل فكرا أو رسالة فنية بعيدا عن السينما التجارية ومنها: «سرقات صيفية، المدينة» للمخرج يسرى نصر الله، وفيلمى «شحاذون ونبلاء، كونشرتو فى درب سـعادة» لأسماء البكري، وفيلم «عرق البلح» للمخرج رضوان الكاشف، وفيلم «الأبواب المغلقة» للمخرج عاطف حتاتة وفيلم «العاصفة» لمساعد شاهين الأقرب خالد يوسف.

الأعمال غير المكتملة ليوسف شاهين

سيماتك/ مركز الفيلم البديل.. هو أحد المبادرات الفنية المستقلة الذى يهدف: «إلى أن يكون مساحة لمشاهدة الأفلام وفتح نقاشات حولها، ولاستكشاف السينما وتطويرها، مع الايمان بأهمية الحفاظ على التراث السينمائى، واستشراف المستقبل من خلال دعم ثقافة الأفلام البديلة».. قام مؤخرا عبر برنامجه السينمائى «مراجعة الذاكرة» بالإعلان عن مشروع ضخم تتبناه مارى خورى فى البحث عن أفلام شاهين المفقودة حيث شارك أو قام بالكتابة بنفسه، عبر مئات من الصفحات والتخطيطات لسيناريوهات كثيرة كتبها شاهين ولم تظهر إلى النور. منها المكتمل وكثيرا منها مجرد تسجيل لمشاريع مستقبلية، كما توجد مشاهد كُتبت فى أفلام تم إخراجها ولم تظهر فى النسخة الأخيرة.. تعزم مارى على جمعها فى كتاب من أجل توثيق جانب آخر مخفى من حياته فور الانتهاء من عملية البحث والتجميع، كما سيتم استمرار عرض الصور المتاحة حاليا فى معرضين؛ واحدا بفرع مركز «سيماتك» بفرنسا، والآخر فى معرض شاهين الخاص الذى يجرى تجهيزه حاليا بمكتبة الإسكندرية.

عرض المركز بعض الصور الضوئية فى معرض يضم أفيشات نادرة لأفلام شاهين القديمة وبعضا من هذه الصفحات، التى استعمل شاهين فى كتابتها ثلاث لغات؛ الانجليزية للدقة، والفرنسية للمشاعر، والعربية للحوار.. كما كان يقول دائما، بالإضافة إلى ندوة نقاش أدارها الكاتب/ محمد المصرى رئيس تحرير مجلة «كراسات سيماتك» مع مُحبى وتلامذة سينما شاهين، وكان من بين الحضور ناصر حيدر أحد مساعديه والذى أنار بعض النقاط المظلمة فى رحلة البحث تلك.

فيلم: ألف ليلة وليلة تانى

فيلم غنائى مُكتمل فى 121 صفحة الأرجح أن شاهين كتبه فى بداية الستينات وفيه يُعيد معالجة ثنائية شهريار وشهرزاد بعيدا عن سمت الحكايات التى ترويها شهرزاد عبر الليالي.. شهريار الملك تمت خيانته من زوجته الأولى ومن أجل ذلك يُقرر الزواج بإمرأة كل يوم ثم يقتلها، حتى تجيء شهرزاد فيجد قلبه يتحرك مجددا ويُحبها، وهى الأخرى ستعشقه ولن يعد استرسالها فى الحكايات مبررًا من أجل المحافظة على حياتها أو الانتقام للأخريات، الغريب فى السيناريو أن شاهين كتب الحوار زجلا وفيه مقاطع غنائية كثيرة، والأرجح أن أسباب عدم إكمال الفيلم يرجع إلى صعوبة توفير ميزانية إنتاجية ضخمة تلائم الفيلم.. فى النهاية يثور الشعب على شهريار ويقتلونه فتنتحر شهرزاد حُزنا عليه!

فيلم: حليم.. أو سرقة فيلم

لم يضع شاهين لهذا السيناريو اسما محددا، لكنه كان من المفترض أن يكون بطولة عبد الحليم حافظ، الذى يلعب فيه دور المذيع «شريف» الذى يُمثل صورة المثقف المزيف فى ذلك الوقت، حيث ما يُقدمه للجمهور طوال الوقت لابد وأن يساعده على إعلاء مكانته فقط بعيدا عن الموضوعية وميثاق المهنة ورسالتها، يقول فى أحد الحوارات: «طول ما الكدب مش ملموس.. مش مفضوح.. هما ممكن يقبلوه!»، ويشترك معه الشاعر أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام اللذان كان من المفترض أن يقوما بأدوارهما الحقيقية فى الواقع وباسميهما، يُمثلان صاحبان لشريف! وبحسب تصريحات من شركة مصر العالمية أن شاهين كان مفتونا بالعندليب وقد رشحه لبطولة فيلم «الاختيار» بدلا من عزت العلايلي!

فيلم: ندريس

فيلم غير مكتمل كتب شاهين ملحوظة فى إحدى الصفحات بوجوب إعادة كتابته من جديد، وفكرة الفيلم مستلهمة من حكاية فاوست؛ حيث ذهب شاهين بصحبة مساعده ناصر حيدر وماريان خورى للتكريم بايطاليا فى 2004، ومن ضمن مظاهر التكريم تم وضعهم داخل قصر عتيق أثرى ليبيتوا ليلتهم، الأمر الذى جعلهم يشعرون باشباح تتحرك من حولهم فى الليل، فجاءت الفكرة لشاهين بظهور شبح لبطل الفيلم يعرض عليه خدماته لتحقيق أحلامه فى مقابل أن تكون روحه ملكا للشبح فى أى وقت!

فيلم: هاملت

يُعتبر سيناريو هذا الفيلم النواة الأولى لفيلم «اسكندرية كمان وكمان»، فشخصية هاملت التى فُتن بها شاهين طوال حياته، وكثيرا ما هيمنت تمثلاتها فى مشاهد عدة أفلام، وفى اعتراض من يسرا لأستاذها على أن ما يطرحه لا يمت بشيء لشكسبير أجاب شاهين: «انا مالى ومال شكسبير!!».

يحكى الفيلم عن يوسف الابن الوحيد لأحد حكام العرب – وكتب شاهين ملحوظة بأن هذا الحاكم أقرب إلى صورة عبد الناصر – يُشاهد يوسف اغتيال والده عبر شاشة التليفزيون وهو بفرنسا فى مشهد يُماثل حادثة المنصة فى اغتيال السادات، يعود الابن الى بلدته ليجد عمه تزوج بوالدته واستولى على حكم البلاد، وتجرى الأحداث بعد ذلك لاعبة على هاملت شكسبير وهاملت شاهين الخاص!

نصف ساعة مع ادريس

ثلاثة تسجيلات صوتية كانت هى الأخرى ضمن هدايا ماريان خورى لمعرض شاهين؛ أغنية «اهتفوا باسم الإله» من فيلم «اسكندرية كمان وكمان» وهى من تلحين يوسف شاهين نفسه، وبروفة أغنية «حدوتة حتتنا» من فيلم «اليوم السابع» وهى من تلحين شاهين أيضا، ونصف ساعة دارت بين شاهين ويوسف ادريس نتاج جلسة تحضيرية لفيلم «حدوتة مصرية» الذى كتبه شاهين عن فكرة ادريس.