بوب ديلان: أنحاز لشغف الشباب على حكمة العجائز.   بوب ديلان مغن وكاتب كلمات أمريكى بلغت شهرته الآفاق مع انطلاقته الفنية بداية ستينات القرن الماضي، حيث صارت بعض أغانيه رموزا

ge

بوب ديلان: أنحاز لشغف الشباب على حكمة العجائز.

ge

 

بوب ديلان مغن وكاتب كلمات أمريكى بلغت شهرته الآفاق مع انطلاقته الفنية بداية ستينات القرن الماضي، حيث صارت بعض أغانيه رموزا للحركات الاحتجاجية وسط الشباب. أصدر ألبومات كثيرة جلها ناجح، وحصد عام 2016 جائزة نوبل للآداب.

فى 1960 انتقل ديلان إلى نيويوك حيث كان يعالج فنانه المفضل وودى جوثرى من مرض عضال، فظل يزوره مدة طويلة، كما تسنى له لقاء عدد من الفنانين المتميزين فى مجال موسيقى البوب.

وفى 1961 وقع أول عقد لإصدار ألبوم غنائى له، وأسس أول مجموعة غنى معها، وغير اسمه إلى “بوب ديلان”.

بعد ذلك بسنتين، أطلق ديلان أحد أشهر ألبوماته الغنائية والذى تضمن أغنية «Blowin’ in the Wind» التى صعدت به إلى سماء الشهرة، وأصبح يتصدر واجهات الصحف الأمريكية الشهيرة.

وازداد نجم ديلان سطوعا بعد ارتباط أغانيه بالحركات الاحتجاجية التى ظهرت فى بداية ستينات القرن الماضي، فبات حديث الناس. ومع حلول عام 1964 أصبح المغنى الشهير يحيى أكثر من مئتى حفل فى العام الواحد، وعبّرت أغانيه مثل «بلوين إن ذا ويند» و«ماسترز أوف وور» وغيرهما عن روح التمرد والمعارضة والاستقلال.

وحتى لا يختزل نفسه فى الموسيقى الاحتجاجية التى يرددها الشباب الغاضب، أصدر ديلان ألبوما جديدا عام 1964 ابتعد فيه عن النفس السياسي، وركز على استكشاف أبعاد جديدة، وصدّره بعنوان “جانب آخر من بوب ديلان” (Another Side of Bob Dylan).

فاجأ ديلان عشاقه بإدخاله آلات عزف كهربائية لأول مرة على أغانيه، وهو قرار واجهه الجمهور بالصفير والاستهجان فى أول مرة، لكن ذلك لم يؤثر على شعبية أغانيه التى كان يؤلف كلمات أغلبها بنفسه.

وكان يصدر ألبوما غنائيا واحدا كل سنة تقريبا، وكادت حادثة سير عام 1966 أن تضع حدا لحياته، حيث اضطر للبقاء عاما كاملا يتلقى العلاج المكثف.

هنا حوار مطول معه عن مشواره الطويل ومشروعه الجديد لغناء الكلاسيكيات مرة أخرى

ترجمة: أحمد ليثي

 

بعد عدة أصوات قامت بنقد تسجيلك لأغان قديمة، لماذا تستمر فى تسجيل تلك الأغانى حتى الآن؟

الآن هو الوقت المناسب، كنت أفكر فى ذلك منذ وقت طويل، وتحديدًا عندما سمعت تسجيلات ويلى نيلسون فى أواخر السبعينات، اعتقدت أنه يمكننى فعل ذلك، لذا، ذهبت إلى والتر ينيكوف، رئيس شركة تسجيلات كولومبيا، وأخبرته أنى أريد إعادة تسجيل الكلاسيكيات، لكن ما أخبرنى به هو أنى لو كنت أريد فعل ذلك، فافعله، لكن الشركة ليست قادرة على تمويل ذلك وإصداره، خرجت من مكتبه وأنا مصر على فعل ذلك، وكان ينيكوف على حق غالبًا، وفى وقت قريب جدًا، سجلت أكبر نسبة أغان من الكلاسيكيات.

على مدار أعوام، كنت أسمع العديد من الأغانى التى يسجلها آخرون، ولطالما كنت أريد فعل ذلك، وتساءلت عن انطباعات الناس إذا قمت بذلك، وكنت أظن عندما استمع للكلاسيكيات التى قام بأدائها رود ستيوارت، لو أن أحدًا بإمكانه أن يفعل شيئًا مختلفًا، فليس لأحد أن يفعل ذلك مثل رود ستيوارت، لكنها كانت مخيبة للآمال، رود مغن عبقري، لكن لا معنى لوضع 30 آلة موسيقية من الأوركسترا وراءك وأنت تغني، أعلم أنى لن أمنح الحياة لشىء، لكن أنت تشعر بالتأكيد عندما تكون متورطًا فى شىء بشكل كامل، ولم يكن رود كذلك.

عندما ذهبنا أخيرًا للتسجيل، كان لدى 30 أغنية، وكان لا بد من دمج 10 أغان لصنع نوع ما من الدراما. كان يبدو أن الأغانى مرتبطة ببعضها بشكل أو بآخر. لعبنا العديد منها واختبرناها دون غناء يصاحبها، وكان يمكنك أن تسمع كل شىء جيدًا. عادة ما كنت تسمع هذه الأغانى بأوركسترا كاملة، لكننا كنا نلعبها بخمس آلات موسيقية فقط ولم نشعر باختلاف كبير، كان يمكن لأى منتج موسيقى أن يقول انه علينا أن نضع بعض الوتريات هنا، وبوق هناك، لكننى لم أفعل ذلك، لم أستخدم البيانو أو الأورج حتى، لأن البيانو يغطى على الكثير من الآلات ويمكنه أن يهيمن على الأغنية، فى وقت لا تريد لها أن تكون كذلك.

هل تعتقد أن ذلك سيكون شيئًا مفاجئًا لجماهيرك التقليدية؟

لا ينبغى أن يكون ذلك مفاجئًا، قمت بغناء أنواع كثيرة من الأغاني، كما أنى غنيت بالتأكيد مثل هذه الأغانى من قبل.

هل كنت تعرف بعض هذه الأغانى منذ طفولتك؟ لأن بعضا منها قديم جدًا؟

نعم، ليس من عادتى أن أنسى الأغانى التى أحببتها.

وما إجراءات التسجيل؟

عندما تختار الأغنية التى أعجبتك، تذهب بعد ذلك لترى كيف نفذها من سبقوك لادائها، ونسخة تقود لأخرى، حتى أننا نستمع إلى التسجيلات التى وزعها هنرى جيمس، أو حتى بيريز بارادو. لدى عازف ايقاع على الجيتار ليس له مثل، قادر على فعل أى شىء، دائمًا ما يكون لدى نوعان من الجيتار، واحدًا ليلعب الإيقاع فقط، وآخر ليتابع حركة الفرقة، انها أشبه بموسيقى شعبية بشكل ما، أعنى أن بيل مونرو لم يستخدم الدرامز فى فرقته، وكذلك فعل هانك ويليامز، لكن فى بعض الأحيان تشعر كما لو ان هناك شيئا غامضا يخرجك عن رتم الأغنية، نحن نلعب الأغنية مرات عدة لمهندس الصوت. هو يضع العديد من مكبرات الصوت حولنا، أخبره أننا سنلعب الأغنية كلما أراد، وهذا ما يحدث مع كل أغنية.

كنت أشعر أن هناك حميمية فى هذه الأغاني، أفترض أنك كنت تريد ذلك؟

بالفعل، سجلنا تلك الأغانى فى استديوهات الكابيتول، وهى جيدة جدًا لتسجيل مثل هذه الأغنيات، ولم نستخدم أيا من المعدات الحديثة. كان المهندس يملك معداته الخاصة التى حافظ عليها منذ أيام “بيجون”، وهو من يقوم بكل شىء.

هل توزع موسيقى تلك الأغانى مرة أخرى؟

لا، التوزيعات الأصلية كافية، لم نفعل ذلك ولم نحاول حتى. ما كنا نفعله أساسًا أننا نحاول أن نجعل تلك الأغنيات تظهر حية، كنا نفعل ذلك مع الأجزاء الضرورية، وعندما تفعل ذلك عليك أن تثق بموهبتك.

لاحظت أن هناك عددا واسعا من الأغنيات التى يعتبرها الأمريكان من تراثهم، لكنى عرفت أن فرانك سيناترا سجلها كلها، ماذا كان يدور فى ذهنك؟

مر طيف سيناترا فى خيالي، عندما بدأت تسجيل تلك الأغاني، لأنه الهضبة التى عليك أن تتسلقها، حتى لو أنك وصلت لجزء صغير مما وصله سيناترا، من الصعب عليك أن تجد أغنية لم يؤدها، لذا، سيناترا هو الذى نختبر أنفسنا من خلاله.

ألا تعتقد ان هذا التسجيل سيكون مخاطرة بالنسبة، خاصة أن سيناترا سجل تلك الأغانى من قبل، ومن المحتمل أن يدرك محبوك أنك لم تلمس اداء سيناترا؟

مخاطرة، كالعمل فى مصنع غاز سام مثلًا؟ ليس هناك مخاطرة فى تسجيل الأغاني، أتقارن بينى وبين فرانك سيناترا؟! أنت تمزح بالتأكيد، أنا أعتبر أن ذكر اسمى مع فرانك سيناترا فى جملة واحدة هو نوع من المجاملة لا أكثر، لا أحد يستطيع الاقتراب منه، لا أنا ولا أى شخص آخر.

برأيك، ماذا سيكون انطباع سيناترا لو أنه استمع إلى ذلك التسجيل؟

أولًا وقبل كل شىء أعتقد أنه سيذهل أننا سجلنا تلك الأغانى بخمس آلات موسيقية فقط، أعتقد أنه سيكون فخورًا بشكل ما.

ما أنواع الموسيقى الأخرى التى كنت تستمع إليها وأنت تكبر؟

فى البدايات، قبل الروك اند رول، كنت أستمع لموسيقى الفرق الكبرى، أى شىء يأتى عبر الراديو، وموسيقى فرق الأوتيلات التى كان والداى يأخذاننى إليها ليرقصا هناك معًا. كان لدينا راديو مع مشغل تسجيلات فوقه، كما أن سكان بيتنا الذين سبقونا تركوا لنا كل الاثاث الذى استعملوه، وكان ضمن ذلك بيانو قديم وضخم، وعندما انتقلنا إلى ذلك البيت كان هناك العديد من الاسطوانات، التى كنت أظن أن كلها صادرة من شركة كولومبيا للتسجيلات، فكنت أرى أسطوانات بيل مونرو.

لتدرك ذلك، عليك أن تعلم من أين جئت، أنا جئت من الشمال، كنا نستمع إلى الراديو طوال الوقت، أظن أنى كنت من آخر الأجيال التى تكبر دون وجود اختراع التلفاز، بالنسبة لنا كان الراديو يمثل لنا مثلما يمثل التلفاز للأجيال الشابة، من الممكن أن تتخيل كيف كنت فى تلك الأيام، حتى الفرق الموسيقية التى كنت أستمع إليها لم أكن أراها أبدًا، لم أكن أعلم ماذا يرتدى اعضاؤها ولا حركاتهم، عندما التقطت صورة لجين فينسنت لأول مرة كان رجلا طويلا ذا شعر أشعث.

هل أرسلت شعرك للنشر فى أية مجلة من قبل؟

لا، لم أكتب الشعر حتى أنهيت المدرسة الثانوية، كنت فى الثامنة عشر من عمرى عندما اكتشفت جينسبرج وجارى سنيدر وفيليب والن لأول مرة، بعد ذلك رجعت لأقرأ للشعراء الفرنسيين مثل فرانسوا فيولين، وبدأت تلحين أشعارهم، وكانوا معتادين على استخدام أشعارهم على الموسيقى الشعبية وموسيقى الجاز، وكان النوعان مرتبطين ببعضهما، لذا، كنت قريبًا منهم فى هذه الفترة، لكن لم تكن أغانى متأثرة بالشعر المطبوع فى صفحات الكتب، لكن على الشعر الذى يلقى بمصاحبة موسيقى الجاز.

ما الشىء الذى تريد فعله حقًا؟

-أن أستمر فى تسجيل الأغاني، والغناء على المسرح، لكنى لست مثل بيت سيجر، غنيت مرات لنحو ثلاثة آلاف مستمع، وأحيانا لأكثر من ذلك، لكنى لست مثل بيت سيجر، هو أستاذ فى ذلك، قادر على قيادة آلاف من الناس وهو يغنى أغنية، بغير لغتهم حتى. أعتقد أنه يمثل للناس مثل لدغة موسيقية، لأنه يجعلهم يشعرون أن غناءه أمر يهمهم، يجعلهم يعتقدون كما لو أنهم يشاركون فى أمر يعنيهم، عندما ترى الدموع فى عيون جمهوره، تشعر لو أنك فى مباراة لكرة القدم، أنا أعتبر بيت مثل جراح ماهر.

كيف ترى المرأة؟

دائمًا ما كان لدى تصور محدد عن المرأة، انها صوت أكثر من أى شىء آخر، أستمع للصوت لأول مرة، صوت المرأة هو الصوت الذى استمعت إليه وأنا أكبر، عندما كان كل شىء فارغا وبلا معنى، كنت استمع لفرقة مغنيات ستابل، وميمفيس ميني، هذا النوع من الأصوات، الذى عندما أستمع إليه أترك كل شىء فى يدي، وأظل منصتًا له.

ما الذى يحدث عندما لا يتطابق الجسد مع الصوت؟

الجسد هو الجسد، المرأة يمكن أن تكون صماء، عمياء، وعرجاء حتى، لكنها تظل تملك الروح والشفقة، هذا كل ما يعنيني، أن تستطيع سماع ذلك فى صوتها.

ما الجانب الآخر من بوب ديلان؟

لم أقرأ شيئًا لفرويد أبدًا، ولم أنجذب مطلقًا لأى شىء قاله، وأظن أنه بدأ الكثير من الكلام الفارغ حول الطب النفسي. وبصراحة لا أظن أن الطب النفسى قادر على شفاء أو علاج أحد، وأظن أن ذلك احتيال كبير على الناس، بلايين من الدولارات وجهت لأشياء كانت يمكن أن تكون أكثر فائدة لو أنها وجهت لصالح أشياء أخرى، معظم الناس لديهم مشاكل مع آبائهم، حتى عندما يصلون لـ 60 و70 سنة، لكنهم لا يستطيعون تركهم، لم يكن لدى أية مشاكل مع أمى مثل جون لينون مثلًا، لا أستطيع أن أتخيل ذلك حتى. بالطبع هناك العديد من الأيتام حول العالم، لكنى لم أجرب ذلك، ولم يكن ذلك فى نطاق تجاربى الشخصية، لدى تعريف محدد حول الأيتام، لكنى ترعرت لأم وأب يعرفان معنى أن يكونا أبوين، وسواء كانا متزوجين أم لا، كانا مسئولين عن أطفالهما، وأعتقد أن كل الآباء لا بد أن يعاقبوا أبناءهم على جرائمهم. فى الواقع جدتى هى من ربتنى لوقت طويل، وكانت سيدة مذهلة، أحببتها كثيرًا، وأفتقدها حتى الآن.

تقول باتى سميث انك تجسد آرثر رامبو فى كثير من أغانيك؟

لا أعلم إن كانت على صواب أم على خطأ، لكن باتى سميث تعلم الكثير من التفاصيل العميقة التى ربما لا أكون واعيًا بها، من الممكن أن أكون جزءًا منه.

لماذا غنيت أغنيتك سحابة من دخان A Puff of Smoke؟

لأنى لم أستطع أن أفهم ما أهمية كل هذا، ما أهمية الفخر، لناس تتكلم، وتعمل وتعيش كما لو أنهم لن يموتوا أبدًا، لكن ما الذى تركوه وراءهم؟ لا شىء، لا شىء باستثناء قناع زائف.

ماذا ترى وأنت تقف على خشبة المسرح؟

بالطبع ليس بحرًا من البشر المتماثلين، لا أستطيع أن أصنف الناس بسهولة، ولا أقول أن هناك نوعًا واحدًا من الناس فى حفلاتي. أرى شابًا يرتدى بزة وربطة عنق بجوار شاب يرتدى بنطالًا أزرق من الجينز. كما أرى شابًا يرتدى معطفًا رياضيا بجوار آخر يرتدى زوجًا من أحذية رعاة البقر. أرى فتيات فى بعض الأحيان، وفى أحيان أخرى أرى أشياء تشبه الفتيات، كل أنواع الناس، أرى ان هناك اختلافات بين الشخصيات، لكنك لن تستطيع ان تفعل شيئا حيال أعمار الناس، عندما أذهب لعرض جون ألتون، أدرك ان هناك على الأقل ثلاثة أجيال مختلفة هنا. لكنهم على نفس الشاكلة، حتى الاطفال الصغار، الناس يصدرون ضجيجًا حينما يدركون أن هناك أجيالًا كثيرة تتبع مغنا واحدا، لكن ما الذى يهم عندما تعلم ان كل الاجيال على الشاكلة نفسها؟ أنا لا أهتم بأعمار الناس، ما عدا سوق الشباب المراهقين، أعتقد أنهم يذهبون إلى الحفلات دون أن يملكوا حتى الخبرة التى تمكنهم من فهم هذه الأغنيات وتقديرها.